«المركزي» التركي يتحدى أردوغان ويرفع الفائدة... والأوروبي والبريطاني يجمّدانها

محل صيرفة في اسطنبول (أ ب)
أنقرة، إسطنبول، لندن، فرانكفورت - أ ف ب، رويترز |

فاجأ البنك المركزي التركي أمس أسواق المال بالإعلان عن زيادة أكبر من المتوقع لأسعار الفائدة لمحاربة معدلات تضخم هائلة ودعم الليرة، ما انعكس ايجاباً في سعر صرفها. ورفع البنك معدل الفائدة الرئيسة 625 نقطة أساس إلى 24 في المئة، أي أكثر بمرتين عن إجماع السوق للزيادة. وأكثر ما يفاجئ في رفع الفائدة، أن الرئيس رجب طيب أردوغان سبق أن انتقدها، معتبراً أنها «أداة للاستغلال».


وأعلنت لجنة السياسة النقدية في البنك رفع فائدة إعادة الشراء (الريبو) للأسبوع من 17.75 في المئة إلى 24 في المئة، وهي الزيادة الأولى منذ حزيران (يونيو). واستفادت الليرة بقوة من القرار وارتفعت قيمة صرفها 5 في المئة ليصل تداولها إلى 6 ليرات للدولار، قبل أن تتراجع قليلاً وتبقى مرتفعة عند 3 في المئة، أي 6.13 ليرة للدولار.

وأكد البنك أن التطورات المتعلقة بالتضخم تشير إلى «أخطار كبيرة على استقرار الأسعار» نظراً إلى تراجع سعر صرف العملة، مضيفاً أن «تراجع الأسعار لا يزال يمثل أخطاراً على مستقبل التضخم، على رغم طلب داخلي أضعف». وتابع: «بناء على ذلك، قررت اللجنة تطبيق تشدد نقدي قوي لدعم استقرار الأسعار»، في شرحه أسباب الزيادة. ومن دون استبعاد إمكان رفع معدلات الفائدة لاحقاً، تعهد البنك «استخدام كل الوسائل المتاحة لتحقيق استقرار الأسعار، وسنستمر في سياسة التشدد النقدي إلى أن تُظهر آفاق التضخم تحسناً ملحوظاً».

لكن أردوغان، الذي اتهمه منتقدوه بالضغط على البنك المركزي المستقل شكلياً، اتهم البنك المركزي في وقت سابق أمس بعدم كبح التضخم، مكرراً أن نسبة فائدة متدنية تساهم في خفض التضخم. وقال أردوغان خلال مؤتمر صحافي في أنقرة: «حتى اليوم، لم أر البنك المركزي يصحح معدلات التضخم كما وعد». وأضاف: «معدلات الفائدة هي السبب، التضخم هو النتيجة. إذا قلت إن التضخم هو السبب والفائدة هي النتيجة، فإنك لا تعرف هذه المهنة أيها الصديق». ومرة أخرى وصف أردوغان معدلات الفائدة بأنها «أداة للاستغلال»، لكنه تعهد «عدم السماح بأن يستغلونا». ولم يتضح ما إذا كان أردوغان على علم بقرار البنك المركزي عندما أدلى بتصريحاته، إذ قال إن «البنك المركزي مستقل ويتخذ قراراته بنفسه».

وانخفضت كلفة التأمين على الديون التركية 34 نقطة أساس إلى أدنى مستوياتها منذ منتصف آب (أغسطس) الماضي، بعد قرار المركزي رفع الفائدة. وتراجعت عقود مبادلة أخطار الائتمان لأجل 5 سنوات إلى 475 نقطة أساس، لتنخفض كثيراً عن مستوى إغلاق أول من أمس البالغ 509 نقاط، وفقاً لبيانات «آي أتش أس ماركت».

إلى ذلك، وقع أردوغان مرسوماً رئاسياً ينص على أن تكون كل العقود المتعلقة بالعقارات بالليرة التركية، وذلك في مسعى لدعم العملة المتهاوية. وفي المرسوم الذي نشر في الجريدة الرسمية، منع أردوغان إبرام عقود بيع العقارات وتأجيرها بالعملات الأجنبية، كما ينص المرسوم على تغيير العقود الحالية بالعملات الأجنبية خلال 30 يوماً.

وكثيراً ما تبرم اتفاقات البيع والإيجار بالعملات الأجنبية في قطاع التجزئة وللأجانب المقيمين في تركيا. وبحسب المرسوم، يمكن أن تكون هناك استثناءات تقررها وزارة الخزانة والمال التي يتولاها منذ تموز (يوليو) صهر أردوغان وزير الطاقة السابق براءة البيرق.

أبقى البنك المركزي الأوروبي على سياسته النقدية من دون تغيير أمس، كما كان متوقعاً، ليبقى على مساره لإنهاء مشتريات السندات خلال العام الحالي ورفع سعر الفائدة في الخريف المقبل، على رغم أن إجراءات الحماية التجارية في العالم تضغط على النمو.

ومع ارتفاع التضخم واستقرار النمو عند وتيرة قوية نسبياً، بدأ المركزي الأوروبي تخفيف الحوافز منذ شهور، اعتقاداً منه أن مجموعة أخطار تشمل الحماية التجارية واضطرابات الأسواق الناشئة والانفصال البريطاني عن الاتحاد الأوروبي، لن تكون كافية لعرقلة موجة نمو دخلت الآن عامها السادس.

وفي تغيير طفيف في سياسته النقدية، أعلن المركزي أنه سيخفض مشترياته الشهرية من السندات بمقدار النصف إلى 15 بليون يورو اعتباراً من تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، بعدما كان يكتفي من قبل بالقول إن هذه الخطوة متوقعة. ولكن المركزي أبقى على موقفه من توقع إنهاء مشتريات السندات بحلول نهاية العام الحالي، بينما سيبقى سعر الفائدة من دون تغيير حتى الصيف المقبل على الأقل.

وأبقى المركزي الأوروبي في قراره أمس على سعر فائدة الإيداع، وهو سعر الفائدة الرئيس حالياً، عند سالب 0.4 في المئة، بينما أبقى على سعر إعادة التمويل الأساس، الذي يحدد كلفة الائتمان في الاقتصاد، عند الصفر.

إلى ذلك، أبقى بنك انكلترا المركزي على أسعار الفائدة من دون تغيير، ملقياً الضوء على تزايد قلق أسواق المال من انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد شهر من رفعه أسعار الفائدة للمرة الثانية فقط في أكثر من 10 سنوات. وأكد المركزي أن لجنة السياسة النقدية وافقت بالإجماع على إبقاء سعر الفائدة عند 0.75 في المئة، بما يتماشى مع توقعات خبراء في استطلاع لوكالة «رويترز». وأضاف المركزي: «منذ الاجتماع السابق للجنة، كانت هناك مؤشرات، وبشكل بارز في أسواق المال، على تزايد حال عدم اليقين بشأن التطورات المستقبلية المرتبطة بعملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي». وذكر مسؤولون في البنك أن الشركات تكبح الإنفاق وتحجم عن الاستثمار قبيل انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في آذار (مارس) 2019. وعلى رغم ذلك، رفع المسؤولون توقعاتهم للنمو في الربع الثالث من العام الحالي إلى 0.5 من 0.4 في المئة، لأسباب من بينها الإنفاق القوي للمستهلكين على مدى صيف حار غير معتاد.