هاشم شفيق شاعر الاغتراب الوجودي

هاشم شفيق (الحياة)
رضا عطية |

الشاعر العراقي هاشم شفيق صاحب تجربة ممتدة مع الكتابة الإبداعية، خصوصاً مع الشعر الذي راوَحَ فيه بين الشعر التفعيلي، واللاتفعيلي أو «قصيدة النثر»، فضلاً عن كتابته الرواية، ودراسات تشريحية ووصفية للثقافة العراقية. في ديوانه الأحدث «كم كنت غريباً» (الهيئة المصرية العامة للكتاب) يقدم شفيق أربع مجموعات شعرية في كتاب، لكنّ خيطاً واضحاً يربطها يتمثل في تيمة الاغتراب الوجودي المتبدي في نبرات الذات الشاعرة في تأملها موقفها من العالم. من عنوان القصيدة التي حملها الكتاب عنواناً له، «كم كنت غريباً»، يتبدى أنّ ثمة شعوراً تاريخياً متجذراً لدى الذات بالغربة: «أبلادي هذي؟/ أتمشى قلقاً/ مضطرباً/ والنبضُ يتكّ/ كتكات المسبحة السوداء.../ أحقاً أنّي بين الأهلِ/ وفي الأرضِ الأولى/ والبيت الأولِ؟/ هأنذا أخطو/ خطواتي المغتربة/ في أرض عدو.../ فلكم كنتُ غريباً بينهمو؟» تدخل الذات في طور اللامنتمي الذي يعاني شعوراً بالاغتراب في الوطن، المكان الأول، وتعبر الأسئلة المتوالية عن تشكك الذات وصدمتها في بلادها، حتى استوت لديها أرض الوطن بأرض العدو، حالة تدنو من «العدمية». غير أنّ الإحساس الاغترابي قد بدا ملازماً الذات حتى بعد ارتحالها إلى أماكن أخرى بعيداً من مكانها الأول، فتقول الذات الشاعرة: «ما أثقل هذي الأيام،/ تمرُّ الريحُ/ فتعلق بي/ الحجرُ على الأرصفة البحريةِ/ ينهض ليرافقني في خطواتي،/.... الثمراتُ الفجةُ/ تسقطُ فوق السمتِ/ لتجرح حسي/ ومشاعري الأولى/ الأصحابُ الكثرُ/ بهذي المدن الباردة/ أمسوا ثلجاً/ الصمتُ بشعرته الشيباء/ غدا هو الأول والتالي»، فضيق المكان بالذات جعلها تضيق بزمنها أو تشعر بضيق زمنها وثقل وطأته عليها، فقد باتت الذات نهباً للرياح ومنتهكاً لآثارها، كما تشعر الذات بفقدان الأصحاب وتجمدهم على كثرتهم؛ فالذات تشعر ببرودة المدن في مكانها الآخر، وبإطباق الصمت، بما يعني العجز عن الكلام، وبالتالي العجز عن الفعل. في شعر هاشم شفيق تبدو الصورة متلبسة أقنعة المشاهد التي قد تلعب دور الاستعارة التصريحية التي لا تصرح بالمشبه به وتدعه مجالاً للافتراض والتخمين، فالثمرات الفجة المتساقطة قد تكون استعارة عن سنوات العمر التي تضيع من الذات في اغترابها أو قد ترمز إلى مشاعر صادمة تداهم الذات في تأملها حالها مع الزمان والمكان المغتربة فيهما. ثمة شعور ما يساكن الذات بغياب الآخر وفقدها له ما يعمق إحساس الذات بتمادي الوحدة: «أين رحلوا رفقة الأمسِ؟/ ذوو الأقداح التي لا تنام/ والشراب الذي يسهر حتى الفجر/ ذوو الأغاني الطويلة التي تمتد/ إلى آخر الحدود لتلامس الشواطئ والجسور/ أين رحلوا/ ذوو الأمشاط التي تمشط النسيم/ وتضفره إلى مراوح..../ أين رحلوا وتركوني/ نهباً للمرايا/ ومخلفاتها من النمور/ تركوني أمارس الذكرى/ قرب ذبالة مهجورة/ في حانة الوغد/ تركوا لي ربعَ حياةٍ/ رحتُ أشربها بملعقة صغيرة/ ولم يكملوا المشوار». في تعبير الشاعر عن وحدته وفقده الصحاب وغياب الرفاق يعمل على تطوير صورة أثيرة من تراث الشعر العربي حيث الندماء الذين رحلوا، بإضافة صورة مطالعة الذات للمرايا في تمظهر بادي للنرجسية السلبية، بما تحمله المرايا من رمزية أسطورية متعددة؛ منها الإحساس بدنو الأجل لمن يطالعها. كما تحضر الحانة المكان/ الرمز السائر في شكل لافت عند شعراء العراق بخاصة. هذا المكان/ الحانة الذي توارثه شعراء العراق من الشعر الصوفي الفارسي. ومن ناحية أخرى، يتبدى أنّ تمثل الذات لموضوعات عالمها وأشيائه يأتي مصبوغاً بمشاعر الذات نفسها، فوصفُ الذات لذبالة المصباح بأنها مهجورة يبدو إسقاطاً لشعور الذات نفسها بتخلي الرفاق عنها وهجرانهم لها، وهو ما يفضي في النهاية بالذات إلى الإحساس بنقصان الحياة، «ربع حياة»، وبالتالي ابتسار كينونة الذات وتقلص وجودها. تعلن الذات في الخطاب الشعري لهاشم شفيق اغترابها بين البشر وعنهم بالانسحاب من عالمهم إلى عالم الطبيعة: «بهجتي أن يكون/ لقائي جميلاً/ بهذا الحصى/ ويكون الكلام/ مع الطير حصراً/ مللتُ حديثَ البشرْ/ أنا متخم برياء الجميع/ ومشبعة مهجتي/ بنوايا الإحَنْ»، فيتبدى استغناء الذات بالطبيعة بعزلة رومانسية تكرس لوحدة وجودية بين الذات وعناصر الوجود التي تعمل الذات على أنسنتها والتماهي معها. لكن يبدو أن لاعتزال الذات عوالم البشر تاريخاً بعيداً يمتد من طفولتها: «مذ كنتُ صغيراً/ وأنا منفيّ بقصيدةْ/ ولهذا حين أتيتُ إليها/ وأنا في الخامسةِ/ جلبتُ لها/ أشجاراً من أرضي الريفية/ أعشاشَ طيورٍ/ ونسيماً أشقرَ.../ وجلبتُ لها/ مطراً/ شمساً طازجة/ زهراً برياً/ وغيوماً مِن سكرْ.../ حين كبرتُ قليلاً/ جئتُ بطيارات من ورقٍ/ ألعاباً من طينٍ/ وبيوتَ عرائسْ.../ حين غدوتُ فتى/ جئتُ لها بفتاة ناهدةٍ/ وجلبتُ كحولاً/ كي أشربَ صحبتها/ حين اكتهلت آمالي/ لم أتركها/ بل وفيتُ الدينَ/ وأخلصتُ لمأواها/ وضيافتها الأبدية». يبدو أنّ الذات اختارت عوالم القصيدة وفضاءات الشعر باعتبارها عالماً جمالياً بديلاً من عالمها الواقعي، تمارس اغترابها فيه عن عالم الواقع، فالذات تُنشئ يوتوبياها الجمالية بقصدها «القصيدة» باعتبارها منفى اختيارياً وجمالياً لها. ومما نلاحظه من العوالم التي تؤسسها الذات في قصيدتها انتقالها من عوالم الطبيعة البكر في صباها حيث الأشجار والأعشاش والنسيم والمطر والزهر البري إلى عوالم اللعب، ثم إلى عالم الجنس الآخر: فتاة ناهدة، في رسم لإيقاع تطورات الذات.


ومما يبدو غالباً على شعر هاشم شفيق طغيان ضمير المتكلم الفردي بما يؤكد مركزية الذات بالنسبة إلى عالمها والآخرين، مثلما يؤكد، اكتفائية الذات بنفسها، بقدر ما يشي، على نحو أو آخر، بشعور الذات بغياب الآخر. لقد أمست «القصيدة» موضوعاً لقصيدة هاشم شفيق؛ فيقول: «جالساً في مقهى/ أكتب عن المطر/ إلى جانبي حمامة/ تتسكع على الرصيف/ في السطر الثاني/ أكتب عن رجل يغسل السماء/ بإسفنجة كبيرة استعارها مِن الكون/ في الثالث تخرج امرأةٌ متسوقة من محلات تيسكو/ في السطر الرابع يشتد المطر في القصيدة/ والناس وراء الزجاج يُسرعون/ في الخامس أتبلل تماماً/ في السطر السادس عامل التنظيفات/ يجمع القمامة من بينها نجمة مبللة/ حين أصل السطر العاشر/ أخرج من المقهى/ وعلى رأسي القصيدة/ تنفتح كمظلة». لقد أمست كتابة الشعر في تمثُّل الذات الشاعرة لقصيدتها بمثابة «كتابة على الكتابة»، ولكن لِمَ تختار الذات المقهى مركزاً لها وفضاءً مسرحياً لقصيدتها باعتباره منفذاً لها لمراقبة العالم؟ هل لأنّ الذات تفقد الإحساس بالبيت في اغترابها في مكانها الآخر، لذا نجدها تلوذ بالمقهى؟ ثمة نوع من «اللعبة الشعرية» الممارَسة في خطاب هاشم شفيق ينحو شطر «التغريب» بتصريح الذات الشاعرة بأنّ الخطاب المبثوث هو شعر، أو بالأحرى «سيناريو قصيدة».