ظلال أزمة كوبا 1962 تطغى على التوتر الأميركي - التركي

بشير عبدالفتاح |

من شأن التوتر المتنامي حالياً بين أنقرة وواشنطن أن يحرك لدى الأتراك ذكريات مريرة عايشوها إبان أزمة الصواريخ الكوبية، والتي شعروا خلالها بغبن شديد وغضب عارم من استراتيجية واشنطن في إدارة تلك الأزمة وتسويتها، من دون اكتراث بمخاوف بلادهم الأمنية أو مراعاة لمصالحها الاستراتيجية. فتوخياً منها لتجنب مواجهة مع السوفيات يمكن أن تفضي إلى حرب نووية عالمية مدمرة، اتخذت إدارة الرئيس جون كيندي، ومن دون الرجوع إلى أنقرة، قرارها بتعطيل الصواريخ النووية متوسطة المدى من طراز «جوبيتر»، مقابل سحب السوفيات صواريخهم النووية من كوبا. الأمر الذي أثار استياء الأتراك كونه وضع بلادهم في الخندق ذاته مع كوبا التي تعامل معها السوفيات بالمنطق ذاته، على رغم أنها كانت تشكل محور الأزمة، كونها أتاحت للسوفيات ميزة استراتيجية حينما منحتهم فرصة غير مسبوقة لنشر قرابة 80 من صواريخهم الباليستية النووية متوسطة وطويلة المدي على بعد 90 ميلاً من ولاية فلوريدا الأميركية. وهكذا ردت موسكو على اختطاف واشنطن قصب السبق بمحاصرتها الاتحاد السوفياتي بعشرات الصواريخ النووية، إذ تم نشر 15 صاروخاً من طراز «جوبيتر» في تركيا، و40 صاروخاً من الطراز ذاته وبمدي 200 2 كيلومتر في إيطاليا، و60 صاروخاً من طراز «بوم-17 ثور» في بريطانيا.


استبعد الأميركيون الرئيس الكوبي فيديل كاسترو من المشاركة في المفاوضات التي أجريت مع الأميركيين لنزع فتيل الأزمة وتجنيب العالم ويلات حرب نووية كانت وشيكة وقتذاك، فيما توصلت موسكو وواشنطن إلى اتفاق على تسوية الأزمة بمشاركة الأمم المتحدة، يقضي بتفكيك المنصّات وسحب الصواريخ النووية السوفياتية من كوبا من دون مراعاة لمطالبها ومخاوفها الأمنية، خصوصاً ما يتعلق منها بمصير قاعدة غوانتانامو. وهو ما فاقمَ استياء الكوبيين كما تسبب في برود علاقاتهم بموسكو على إثرها حيناً من الدهر. وضاعف سخط الأتراك على الأميركيين أثناء الأزمة الكوبية التي هزّت العالم في حينها، أن القرار الأميركي بسحب أو تعطيل الصواريخ النووية من تركيا لم يكن عنصر الحسم الأبرز في إنهاء تلك الأزمة، بقدر ما شكّل ضربة استراتيجية موجعة لأنقرة، إذ تم سحب 15 صــاروخاً نووياً أمــيركياً مـــتوسط المدي من تركيا مـــقابل 78 صاروخاً سوفياتياً نووياً من طراز «إس 12» ما بين مـــتوسط وبعيد المدى تم التراجع عن نشرها في كوبا، بينما كان القرار صادماً للأتراك كونه يعرضهم للانكشاف الاستراتيجي في مواجهة القوة النووية السوفياتية الساحقة، في وقت لم تتوان موسكو عن المجاهرة بتربصها ببلادهم، كما لم تتورع عن إبداء مطامعها فيها، ولم تتوقف عن محاصرتها بالتهديدات. كذلك بدت إدارة كيندي كما لو كانت تتحين الفرص وتستجدي الذرائع لسحب الصواريخ النووية من تركيا. ففي يوم 26 تشرين الأول (أكتوبر) 1962، أرسل خروتشوف رسالة إلى كيندي عرض خلالها إزالة الصواريخ النووية السوفياتية من كوبا مقابل تعهد قادة الولايات المتحدة بعدم غزو الجزيرة.

وفي اليوم التالي، بعث الزعيم السوفياتي برسالة ثانية إلى كيندي يعلق فيها تفكيك الصواريخ السوفياتية في كوبا بإزالة الأميركيين صواريخهم النووية من تركيا. غير أن موافقة كينيدي السريعة وغير المشروطة على عرض خروتشوف الوارد بالرسالة الأولى والمتمثل في التعهد بعدم غزو كوبا، دفع بالأخير إلى المسارعة بقبول الصفقة وتناسي الشرط الوارد في رسالته الثانيه. بيد أن المؤسف بالنسبة إلى الأتراك كانت موافقة كنيدي غير المفهومة على ذلك الشرط الأخير المتمثل في سحب الصواريخ النووية الأميركية سراً من تركيا، لتنتهي الأزمة الكوبية باتفاق ينطوي على شقين: أحدهما علني والآخر سري. فبموجب الشق العلني، سحب الاتحاد السوفياتي صواريخه من كوبا، مقابل تعهد أميركي صريح بعدم غزو الأخيرة أبداً، فيما تضمن الشق السري التزاماً أميركياً بتفكيك صواريخ «جوبيتر» النووية متوسطة المدي من تركيا بحلول أيلول (سبتمبر) 1963.

ولما كانت الخبرات التاريخية المتراكمة، خصوصاً المؤلمة منها تترك ظلالها على سياسات الدول الخارجية في مراحل زمنية لاحقة بحيث تساهم في تشكيل تلك السياسات، تبدو تركيا خلال أزمتها الراهنة مع واشنطن حريصة على تعزيز علاقاتها الاستراتيجية المتشعبة مع الحليف الأميركي وإبقائها بمنأى عن ذلك التأزم. وبناء عليه، هرعت أنقرة لتأكيد تمسكها بعضويتها في حلف ال»ناتو»، وتجديد موافقتها على استخدام المقاتلات الأميركية لقاعدة «انجرليك» الجوية لأغراض شتى، فيما أبدت واشنطن في المقابل تمسكها بالشراكة الاستراتيجية مع أنقرة ودمجها ضمن خطط الدفاع الصاروخي الأطلسية الهادفة إلى حماية حلفاء واشنطن الأوروبيين والشرق أوسطيين من صواريخ إيران البالستية.

ففي وقت لا تبدو واشنطن مستعدة للتضحية بتركيا ودفعها نحو مزيد من التقارب الاستراتيجي مع روسيا والصين وإيران، تتطلع أنقرة إلى تلافي تكرار السيناريو المؤلم لتداعيات أزمة كوبا عام 1962، إذ يعي أردوغان أن إغلاق القاعدة التركية في وجه الأميركيين قد يعرض بلاده لحالة من الانكشاف الاستراتيجي، وقد يدفع واشنطن إلى سحب قرابة 90 رأساً نووياً من طراز «بي 61»، تم نشرها في تركيا ضمن قوة الحلف الأطلسي الرادعة للنيات السوفياتية، وظلت تحمي تركيا من الأطماع السوفياتية ثم الروسية منذ منتصف القرن الماضي. وبينما تحتفظ واشنطن بشراكات وتحالفات استراتيجية تتجاوز تركيا بكثير وتعينها على إيجاد بدائل لقاعدة «أنجرليك» التركية، ربما يستعصي على أنقرة في المقابل بناء تحالفات موازية أو إيجاد شريك استراتيجي بديل لواشنطن على المدى الطويل.

وفيما كشفت الأزمة الكوبية عن حاجة موسكو الملحة لتضييق الفجوة النووية مع واشنطن عبر التوسع في تطوير صواريخ باليستية نووية سوفياتية عابرة للقارات يمكن أن تطاول الأراضي الأميركية مباشرة، سيتعذّر على تركيا إنتاج السلاح النووي الرادع بسلاسة وفي زمن قياسي. الأمر الذي يبقي على حاجة أنقرة الملحة للمظلة النووية الأميركية ممثلة في الرؤوس النووية الموجودة في قاعدة «انجرليك»، والتي لا يقدر على تشغيلها سوى الطيارين الأميركيين.

* كاتب مصري

الأكثر قراءة في الرأي