البرلمان العراقي... صفقة غير مكتملة

مشرق عباس |

يوم طويل وعصيب في البرلمان العراقي، انتهى الى انتخاب النائب الشاب عن محافظة الأنبار ومحافظها السابق محمد الحلبوسي (مواليد 1981)، رئيساً للبرلمان مع نائبين، أحدهما يمثل الحزب الديموقراطي الكردستاني والآخر تيار «سائرون».


الى هذا الحد، يمكن القول إن البرلمان العراقي خرج من محنة التأجيل المفتوح بسبب عدم الاتفاق على مرشحين وصولاً الى قطع ثلث المسافة الدستورية نحو تشكيل الحكومة.

وبصرف النظر عن ملابسات جلسة انتخاب رئيس البرلمان وما صاحبها من اتهامات، فإن الشكل العام لها يثبت أن المنافسة للحصول على المنصب كانت حقيقية وليست شكلية، لكنه يشير أيضاً الى أن الجبهة التي تشكلت من تحالف «الفتح – دولة القانون» نجحت في تمرير مرشحها لرئاسة البرلمان بعد جولة منافسة مع أكثر من مرشح لجبهة «سائرون – النصر – الوطنية»، وفيما تسير الجبهة الأولى ثابتة في إبرام صفقات مع الجميع، وتنجح في تفتيت كتلة النصر واستقطاب معظم السنة والأكراد، فإن الجبهة الأولى التي أعلنت أنها الأكبر تبدو مرتبكة ومفككة وعرضة للضغوط وتفتقر الى الاستراتيجيات.

وعلى رغم أن كتلة «البناء» المصنفة على أنها الأقرب للتوجهات الإيرانية، تتهم منافسيها بأنهم يدورون في الفلك الأميركي، وتحتفل بقدرتها على جمع العدد الأكبر من أصوات البرلمان، فإنها تنجح في الواقع لأنها تدير مفاوضاتها على أساس تكريس تقاسم المناصب والوزارات وتوزيعها، وتلك سنة القوى العراقية وجوهر أهدافها، مهما لبست أردية الشعارات البراقة.

هنا تحديداً يجب التوقف أمام نتائج الصفقات المقبلة، فإذا كانت صفقة البرلمان مررت بالطريقة التي شاهدناها، فكيف ستمرر صفقتا رئيسَي الجمهورية الحكومة؟

في قضية انتخاب رئيس الجمهورية، والتي ينص الدستور على أن تُجرى خلال 30 يوماً من انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان (المادة 72 ثانياً)، ما زالت التكهنات تذهب الى أن الرئيس سيتم اختياره على أساس توافقات الصفقة التي أنتجت رئيس البرلمان، بمعنى أن الطرف الكردي الذي شارك في هذه الصفقة، سيظفر بمنصب رئيس الجمهورية، ما لم تتغير المعطيات خلال الجلسة نفسها.

على مستوى آخر، لا تنبئ الآلية التي نجحت في اختيار رئيس البرلمان، بإمكان اختيار رئيس حكومة مستقل عن الأحزاب كما دعت مرجعية النجف، وكما يطالب زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وذلك ببساطة لأن التوصل الى اختيار رئيس البرلمان والجمهورية، يعني أن اتفاقات شاملة جرت في الكواليس على تقسيم المناصب الأساسية والوزارات، بما لا يسمح بتطبيق نظرية الحكومة الكفوءة التي ترفض أن تتحول الى معبر لتكديس أموال الدولة في خزائن الأحزاب.

تلك صورة فقط لما يمكن أن يحدث، وفي حال كانت حقيقية، فإن البعض قد يحيل الأمر الى نجاح إيران في تمرير صفقتها لحكومة بغداد، والتي هي باختصار حكومة تعمل على المواجهة مع واشنطن في ملف العقوبات الإيرانية.

لكنها صورة غير محسومة وغير قاطعة، ولا يمكن الركون إليها، فالصراع بين نظريتي تقاسم المناصب، وحكومة الكفاءات ما زال طويلاً، وقد تخرج الى السطح خلال الأيام المقبلة نتائج تفاهمات جديدة تتم في هذه الأثناء للتوصل الى حلول وسط.

ما يمكن تسريبه أن بعض المقترحات يذهب الى تشكيل حكومة تحصل منها الأحزاب على مبتغاها في معظم الوزارات، في مقابل منح الوزارات الخدمية الى مختصين من خارجها، لكن مثل هذا الحل الذي ينتمي الى الحلول الترقيعية العراقية، يبدو كأنه تلاعب على المفاهيم.

وبلا تزويق وتدليس للحقائق، فإن العراق في حاجة ماسة الى حكومة تحقق نوعين من الضرورات: الأول يتعلق بتحقيق قفزة على صعيد الخدمات الأساسية وتنمية الاقتصاد، والثاني ضمان توازن العلاقات الخارجية بما يسمح عدم الزج بالبلاد في معترك الصراع الأميركي – الإيراني، وهذه الضرورات لن تحققها صفقة تقاسم بالطريقة التي سادت خلال السنوات الماضية، إلا في حال ارتأت القوى السياسية العراقية وداعموها الخارجيون، عدم أخذ متغيرات الشارع العراقي في حسابات صفقاتهم، وذلك أمر وارد أيضاً.

المعادلة غير مكتملة، وبانتظار اكتمالها يجب التذكير بأن الانتخابات ونتائجها ومستوى التمثيل فيها، مقرونة باستعداد الشارع العراقي لاستئناف جولات احتجاجية جديدة، لا تمنح الشركات الحزبية تلك البيئة المسترخية التي قد تتوهم بأنها مناسبة لاستئناف حملات النهب المنظم، وبيع مواقف العراق لمصلحة الإرادة الخارجية.