لهذه الأسباب تريد إدارة ترامب انتصار إسرائيل

حسن منيمنة |

«صفقة القرن» لم تصدر رسمياً بعد، غير أن ملامحها اكتملت، أو تكاد. خلاصتها، بغضّ النظر عن التلطيفات اللفظية، والتي قد لا تظهر في أي حال، هي أن رؤية اليمين الإسرائيلي لفض النزاع هي التي ستقدّم، مع القليل من التعديل، على أنها الموقف الرسمي للولايات المتحدة، وأنها الصفقة التي يتوجب القبول بها تحت طائلة العواقب والعقوبات. واقع مؤسف من شأنه التأسيس لعقود إضافية من الأزمات في هذه المنطقة المنهكة، بأثمان يدفع معظمها الفلسطينيون. الخيارات المتاحة للتفاعل مع هذا الواقع الجديد هي الغضب والانتفاضة، أو الاعتراض والالتجاء إلى الأسرة الدولية، وهذا التوجه وذاك قد اختبره الفلسطينيون على مدى العقود من دون نتيجة مجدية، أو العودة إلى التواصل المباشر على صعوبته والتفاعل مع المواقف الأميركية على أنها، وإن كانت خاطئة، ليست وليدة سوء النية القاطع، بل الفهم المختزل لواقع صعب، والدعوة الحليمة إلى مراجعتها وإظهار الغبن فيها.


لا شك في أن الكثير من المتشددين الأميركيين المؤيدين بالإطلاق لإسرائيل ينطلقون من اعتبارات عصبية وغيبية وأهوائية تتجاهل الحق الفلسطيني ابتداءً، كما يمكن تفنيد الشحيح الصادر عن الرئيس ترامب نفسه لتبيان أن مواقفه في الكثير من أوجهها سطحية فكرياً وانتهازية سياسياً واقتصاصية إزاء ما سُوّق له أو استقرّ هو على اعتماده من تناكف. غير أنه من الخطأ الفادح النظر إلى القرار الأميركي على أنه أسير لهذه الاعتبارات ولهذه الشخصية. بل لا بد أن تكون نقطة الانطلاق في التعامل مع الموقف الأميركي، وإن جاء في عهد رئيس ينمّ سلوكه عن عوز فاضح للأخلاق، على أنه مبني على تقييم شامل للاعتبارات الموضوعية، على أساس القيم كما المصالح، وإن رأى الآخرون خلاف ذلك.

فالموقف الأولي لمعظم العاملين ضمن الطاقم الدافع باتجاه الحل القسري ليس بغض الفلسطينيين والعرب والمسلمين، بل قراءة أن هؤلاء جميعاً هم الذين يبتعدون من الإنصاف في شأن إسرائيل. والخطوط العريضة لهذه القراءة هي كما يأتي:

في موضوع القدس، يستغرب هؤلاء الفاعلون، ومعهم جلّ الجمهور الأميركي، الإصرار المعلن من الطرف الآخر على عروبة القدس وعائديتها لفلسطين، بما يتجاهل مكانتها الدينية والتاريخية لدى اليهود، وبما يتجاوز أن هذه المدينة كانت ذات غالبية يهودية في العهد العثماني، أي قبل اندلاع الصراع.

وفي موضوع فلسطين نفسها كدولة، يكرر هؤلاء السؤال، متى كانت فلسطين دولة لتحظى بحق استعادة الأرض، وبوجوب التسليم بسيادتها على أي رقعة تقوم عليها إسرائيل؟ لا في أيام العثمانيين، ولا في فترة الانتداب حين كان المرتقب أن تكون، بموجب التفويض الدولي، وطناً لليهود العائدين من الشتات مع ضمان حقوق أهل البلاد من غيرهم. ثم لماذا لم تعلن دولة فلسطين في الضفة والقطاع بين عامي 1948 و1967؟

وفي موضوع اللاجئين، ألم يخرج من البلاد العربية، بالغصب والإكراه والحرمان من الحقوق، أعداد من اليهود تحاكي بل تزيد عن أعداد العرب الفلسطينيين اللاجئين إلى بلاد الجوار؟ لماذا لم يجرِ استيعاب هؤلاء وتوطينهم كما كانت الحال بين تركيا واليونان، وبين الهند وباكستان؟ كيف تمكنت إسرائيل بمساحتها الصغيرة ومواردها القليلة من احتضان هؤلاء اللاجئين اليهود ودمجهم في فترة وجيزة، فيما لم يخصص ولا حتى جزء بسيط من ثروات الوطن العربي الكبير ومساحاته الشاسعة على مدى العقود لحفظ كرامة النازحين الفلسطينيين وضمان مستقبلهم؟

وفي موضوع الاعتداء على الأفراد والبطش والتنكيل، ألا تلتزم إسرائيل القادرة وصاحبة السلاح الفتاك بدرجات عالية من ضبط النفس، وإلا أما كانت أعداد القتلى والجرحى في صفوف خصومها أضعافاً مضاعفة لما سقط بالفعل، مقتربة مما يتوعد به لها خصومها؟ ولا لوم على إسرائيل إن هي اجتهدت بحماية سكانها فيما أعداؤها يتترسون بأهلهم ويتاجرون بما يصيب هؤلاء من الأذى. ثم كيف يستقيم أن هؤلاء يتقززون من العنف، ويدينون القليل الذي ترتكبه إسرائيل مرغمة، فيما هم صمّ بكم عمي عن المجازر التي يقترفها حكامهم ومعارضوهم؟

هذا من حيث القراءة والتحليل، وعليه يبني الفاعلون في واشنطن التوجهات التالية:

الفرز بين الديني والسياسي في شأن القدس: مقام القدس الديني للمسلمين يحافظ عليه بمشاركة دولية، أردنية - سعودية - مغربية وغيرها، أما سياسياً فالقدس حكماً تبقى تحت السلطة الإسرائيلية، والتي أثبتت خلال العقود الماضية قدرتها على الموازنة بين يهودية المدينة وصونها حقوقَ غير اليهود.

تفكيك حالة دولة اللادولة الفلسطينية، إقراراً بالأمر الواقع مجدداً، وتجنيباً للفلسطينيين المزيد من التعبئة العبثية: الضفة بالتالي، مع احتفاظ إسرائيل بما هو من مصلحتها، تصبح جزءاً من الأردن بصيغة أو بأخرى، وغزّة تلزّم لمصر، وبهذه وتلك يجري التنشيط الكفيل بإعادة توجيه اهتمام السكان الفلسطينيين نحو ما يفيدهم من التنمية والتركيز على حاضرهم والفرص المتاحة لأولادهم، ويقيهم استدعاء أوهام زوال دولة إسرائيل نتيجة لانفجار سكاني مزعوم لمصلحتهم.

الانتهاء من حالة ناتجها الأول هو التأزيم، أي مسألة اللاجئين: «غوث اللاجئين»، من وجهة نظر هذه الشريحة السياسية الأميركية هو إيقاع أجيال من ذرية النازحين، ومعهم جمهرة من المنتفعين، في حالة تبعية لرعاية مشبوهة موظفة لشحنهم نحو العداء لإسرائيل. المصير المستحسن للاجئين هو الاستقرار حيث هم أو الرحيل إلى حيث يمكن استقبالهم، لا البقاء في حالة يمتزج فيها الانتفاعي بالتعبوي. وقضية اللاجئين هذه في أي حال تعني الدول الحاضنة لهم لا إسرائيل.

التصدي للناتج الطبيعي لهذه الظروف المفتعلة، أي الإرهاب الطافح باتجاه إسرائيل والغرب: دعم العنف المرتبط بالقضية الفلسطينية، من وجهة النظر الأميركية السياسية هذه، ليس انتصاراً للحق، بل توظيف للدماء الفلسطينية بمواجهات عبثية تحصد منها الأطراف الداعمة المكاسب السياسية. هذا كان حال الأنظمة الثورية أمس وهو حال إيران اليوم. والمتداول هنا هو أن الأوساط الرسمية في واشنطن قد تلقّت ممّا يقابلها في طهران، عبر الوسطاء والباحثين، رسائل متكررة وإن ضبابية حول إمكانات التسوية الشاملة في المنطقة، بما يتضمن الإقرار بالنفوذ الإيراني مقابل التخلي عن الخط الممانع والمقاوم. وإيران، كما النظام في دمشق، وغيرهما من الأطراف التي تتشدق بالوعيد لإسرائيل في إعلامها، تلتزم حديث احترام الشرعية الدولية إزاء إسرائيل في حوارها مع العواصم العالمية. أي أن الدم الفلسطيني ليس إلا أداة لها، وتجريدها من هذه الأداة ينصب أولاً في مصلحة الإنسان الفلسطيني.

يمكن الاعتراض على كل مقوّم من مقومات هذه القراءة من دون شك. لكن الواقع أن الجانب العربي قلّما أقدم على الاعتراض الجدي المدعوم بالحجج، مفضّلاً على الغالب إلقاء اللوم على استيلاء مزعوم على العقل الأميركي من جانب إسرائيل أو الصهيونية العالمية وما شابه، بما يشكل بالنسبة إلى المتابع الأميركي دليلاً آخر على غياب الحجة والمنطق، ودافعاً إضافياً للانتهاء من هذا الواقع الشاذ. لن يكون الاعتراض على صفقة القرن، أعلنت أم لا، على أي قدر من النجاعة، إذا اكتفى بالتوصيفات السهلة بأن الولايات المتحدة منحازة لإسرائيل. نعم، هي كذلك، ليس انطلاقاً من خبث أو غباء، بل نتيجة اعتبار يتوجب على من يخطئه أن يواجهه بالحجة.

الأكثر قراءة في الرأي