ملف «سد النهضة» نحو مقاربة جديدة تضمن استمرار المفاوضات: رضا مصري عن أداء رئيس الوزراء الأثيوبي وتوقعات بمسار إيجابي

رئيس الوزراء ابي آحمد علي (أ ف ب)
القاهرة - محمد الشاذلي |

من المؤكد أن تصريحات رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، المتعلقة بمشاكل «سد النهضة» على نهر النيل، فاجأت كل الأطراف، خصوصاً في مصر، فسلفه ميريام ديسالين كان يتحدث عن بناء السد بأي ثمن غير عابئ بكل الملاحظات والمخاوف المصرية، من مشاكل بنية السد والملاحظات التي أبداها المكتب الاستشاري الفرنسي، ثم إحساس الحكومة المصرية بالخطر من نقص في حصتها التاريخية من المياه، والتي تكاد تفي بالحاجات الأساسية للمصريين، والتي تتطور إلى مخاوف سائدة من أن تكون إثيوبيا تنخرط في المفاوضات من أجل كسب الوقت.


وكان مشروع سد النهضة تحول حلماً قومياً للإثيوبيين، وعلى النقيض كان يشكل كابوساً قومياً للمصريين.

وجاءت تصريحات رئيس الوزراء لتقلب الطاولة، فالمشروع في الفكر الجديد للقيادة الإثيوبية لن يستكمل بالتغاضي عن الأخطاء الهندسية والإنشائية، ولن تمضي فيه الحكومة حتى ولو جاع الشعب، إنما يستكمل بالتوازن بين دقة التصميم والقدرات الاقتصادية للإثيوبيين، وهذا هو الحديث الذي بذلت القاهرة الكثير من الجهد لكي تسمعه من أديس أبابا.

وفور حصول صدمة آبي أحمد، توجّه مسؤولان مصريان رفيعا المستوى إلى إثيوبيا هما وزير الخارجية سامح شكري ورئيس جهاز الاستخبارات الوزير عباس كامل، وعلى رغم نفي الناطق الرسمي للخارجية المصرية أي علاقة بين «الزيارة المرتبة ديبلوماسياً» و»تصريحات آبي أحمد الأخيرة»، فإن الأمر كان قيد البحث في محادثات المسؤولين المصريين في أديس أبابا، والأكثر من ذلك تأكيد وقوف القاهرة مع الرؤية الكاشفة الجديدة التي أماطت اللثام عنها تصريحات آبي أحمد.

ويحدد مساعد وزير الخارجية السابق رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية السفير صلاح حليمة، الخطوط الأساسية لعملية بناء سد النهضة، بأنها تتأسس على القانون الدولي للأنهار والتجارب الناجحة للدول المتشاطئة على نهر النيل وإعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث (مصر، السودان، وإثيوبيا) عام 2015 في الخرطوم، باعتباره الإطار القانوني الحاكم، إضافة إلى الاتفاقات الثنائية بين الأطراف. ويقول: إن خلاصة إعلان المبادئ هي الانحياز الى المصالح المشتركة وليس التصادم، ومكاسب للجميع، وتخفيف الضرر عبر المفاوضات وليس إلغاءها.

ويرى حليمة أننا أمام قضيتين أساسيتين، الأولى هي فترة ملء الخزان، والثانية هي إدارة السد وتشغيله، حتى لا تحدث أضرار لدولتي المصب. ويضيف: «كانت هناك اقتراحات لتجنب هاتين القضيتين من الجانب المصري، كما كانت ملاحظات للمكتب الاستشاري، وأتوقع الأخذ بها في الفترة المقبلة. ويشير حليمة إلى الآليات الأربع التي تمخض عنها الاجتماع التساعي في أديس أبابا أيار (مايو) الماضي، وهي: عقد قمة ثلاثية في شكل منتظم، إنشاء صندوق للبنية التحتية للمساهمة في أي مشاريع أخرى إضافة للسد، تقدم الأطراف كافة بكل شفافية للمكتب الاستشاري ما لديها من ملاحظات لبحثها، وأن تطرح رؤيتها في إطار زمني محدد، وإنشاء مجموعة من كبار الخبراء في الدول الثلاث لوضع سيناريو لتفادي أي ضرر والتحرك على أساس منصف وعادل.

ويعتقد حليمة أن بعض الأمور الفنية والسياسية والاقتصادية جعلت البرنامج الزمني الذي وضعه المسؤولون عن بناء سد النهضة لا ينفذ في الشكل المأمول، ثم جاءت تصريحات آبي أحمد عن مشاكل عدة في السد، ويعتبر السفير السابق أن آبي أحمد انتهج منذ تولّيه رئاسة الحكومة سياسة تصفير الأزمات وبدأ بالإطار الإقليمي، وكان التحسن في العلاقات مع مصر، ومع إريتريا بصفة أكبر، وانعكس هذا على الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ما دفع نحو مزيد من التعاون مع السودان ومصر. ومن هنا، جاءت زيارة شكري وكامل ولقاءات أخرى في الخرطوم وحديث عن لقاءات مستمرة في ملف مياه النيل وسد النهضة والقضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك... ويؤكد حليمة أن فترة رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي لعام 2019 ستؤدي في ظل هذه الأجواء الإيجابية إلى مزيد من التعاون وإلى تنمية متكاملة مع إثيوبيا والسودان. ويقول: بالنسبة الى سد النهضة، فإن خبراء تحدثوا عن مشاكل في التربة واختيار غير موفق للموقع، كانت انتقادات توجّه للسد من البداية، لكن آبي أحمد منفتح ويريد علاقات جيدة مع الجوار، والقاهرة لا تملك سوى التعاون والوصول إلى المعادلة المثالية، وهي عدم الإضرار بأي طرف، وأرى أن الأمور تسير نحو الأفضل والجو العام جيد.

ويلاحظ نائب مدير مركز دراسات حوض النيل في جامعة القاهرة د. أيمن شبانة، أن التطورات الأخيرة ستؤدي إلى انفراجة مفيدة للجانب المصري، وأن شكري وكامل ذهبا إلى أديس أبابا ليعرفا ويطلعا ويتفقا على شكل المفاوضات المقبلة، ومصير المفاوضات عقب تصريحات آبي أحمد، مؤكداً تفاؤله بتطور الأمور ناحية الفهم والقناعات المصرية التي طالما حاولت القاهرة إيصالها إلى إثيوبيا وأيضاً إلى السودان طوال السنوات الماضية، من جهة ضمان حصتي دولتي المصب والاهتمام إلى أقصى حد بمواصفات السد.

وأشار شبانة إلى أن محور الخلاف ومثار الجدل كان بين رؤيتين، الأولى مصرية وهي أن سد النهضة سيقام على نهر دولي، والثانية إثيوبية وهي أن النهر عابر للحدود، وتتشارك تركيا مع هذا التعريف للأنهار الدولية، وتتعامل أنقرة على هذه القاعدة مع نهري دجلة والفرات. ومن الأكيد أن النيل الأزرق الذي تقيم أديس أبابا السد على مجراه، هو الرافد الأساسي لنهر النيل، ومشروع بهذا الحجم لا بد فيه من تعاون دول المنشأ والمصب معاً.. لكن كان هذا محور خلاف أساسي... وقالت إثيوبيا إن لديها حقوقاً سيادية ولن تضر أحداً، وأن السد بعد اكتماله سينتج طاقة رخيصة ويمكن أن تستفيد منها مصر والسودان. وأوضح شبانة أن مصر لم يكن يعنيها سوى التفاهم في شأن مواصفات السد وقواعد الملء والتشغيل حتى لا تتأثر حصص دولتي المصب، وألمح إلى طريق طويل من المفاوضات التي غلب عليها التوتر، من دون التوصل إلى نتائج ملموسة، طوال سبع سنوات.

ولفت شبانة الى أن آبي أحمد تحدث أخيراً عن أخطاء في التصميم وعن فساد وعدم خبرة، ما يطيح الشركة التي تشتغل على الجوانب الكهرومائية، وهي شركة تابعة للقوات المسلحة الإثيوبية، وتساءل: «هل رئيس وزراء من السذاجة بحيث يتحدث علناً عن أخطاء في التصميم في جسد السد، حتماً يجهز الرجل الرأي العام في بلاده لضرورة التعاون والتنسيق مع مصر واستشارة جهات دولية متخصصة». (كانت مصر اقترحت إدخال البنك الدولي في المفاوضات، ورفضت إثيوبيا).

ورأى شبانة أن التنسيق الضروري بين القاهرة وأديس أبابا يمكن أن يحول مصر معبراً لخطوط الطاقة وليس عقبة أو مغذياً للخلاف، وأعرب عن قناعته بوجود دول يمكن أن تتدخل لإنجاز توافقات مصرية - إثيوبية في سد النهضة، مثلما تدخلت أخيراً في إنجاز مصالحة إثيوبية - إريترية. وقال إن «هذه الدول – من دون أن يسميها – تريد أن تحول مواقف صدامية في القرن الأفريقي إلى تعاون، لذلك أتوقع انفراجة في مسألة سد النهضة. وعن شكل هذه الانفراجة، أوضح: «أن يتم استكمال السد بمواصفات تضمن حقوق كل الأطراف، وتراعي الشواغل المصرية، ما يؤدي إلى تقليل حجم التخزين وزيادة عدد سنوات الملء وعدد الفتحات، لأنه ما زالت هناك إمكانية لتنفيذ ذلك على الأرض».

ويعلق أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في القاهرة الدكتور طارق فهمي، على الزيارة الأخيرة لشكري وكامل، بأن مصر ستكون حريصة على «صيغة» لاستمرار الحوار حول سد النهضة مع كل من السودان وإثيوبيا، ويرى أن صيغة 2+2+2 (وزراء خارجية ومديرو استخبارات الدول الثلاث) ستشهد حراكاً مهماً في الفترة المقبلة. ويقول فهمي إن المشهد في ملف سد النهضة يتجه في مسارين، الأول: استمرار الوضع الراهن والاستمرار في بناء السد ومحاولة تلافي الأخطاء في التصميم وفي التمويل قدر الإمكان، والثاني: أن تقبل أديس أبابا بصيغة إدخال شركاء سواء من الأمم المتحدة أم البنك الدولي حتى ولو من اختيارها، ومن ثم توافق أو تتحفظ عن مقترحات الشركاء في ما يخص المشاكل الفنية في السد... ويلاحظ فهمي تطورات في العلاقات الدولية من جانب إثيوبيا وحولها سيكون لها تأثير، مثل انحسار دور إسرائيل في ملف سد النهضة سواء بالدعم المباشر أم غير المباشر، والتطورات الجارية في دول حوض النيل وحال عدم الاستقرار السياسي حول إثيوبيا على رغم المصالحة الإثيوبية - الإريترية، والدور الذي يمكن أن تلعبه دولة الإمارات العربية المتحدة للمساعدة في إنهاء مشاكل ملف سد النهضة ليصبح كما تتصوره مصر سداً للنفع المشترك بدلاً من الصراع أو الخلاف المتمثل في التأثير على حصة مصر التاريخية من مياه نهر النيل. ويؤكد أن المفاوضات التي تجريها كل الأطراف خصوصاً إثيوبيا، سيكون لها شكل مختلف في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع توقعات بأن تلجأ إثيوبيا إلى إعادة مفاوضاتها مع الجهات المانحة لاستكمال مشروع السد، وأيضاً إمكان الاستعانة باستشاريين دوليين. ويشير إلى «الرسالة» المصرية من خلال مشاريع أخيرة على نهر النيل مثل قناطر أسيوط، ومفادها أن مصر تتحرك بجدية في مجال الاستفادة من حصتها من مياه النيل، ويذهب فهمي إلى أن المفاوضات مع إثيوبيا والسودان مستمرة ومطلوبة في خط تفاوضي، واللغة السائدة أخيراً، لغة التوافق، إيجابية من كل الأطراف.