«جنون المعونة» يقود إلى تجاهل الأسباب الجذرية للفقر

حوالى 11 في المئة من سكان العالم يعيشون في فقر مدقع (الحياة).JPG
لندن – «الحياة» |

نشرت صحيفة «ذي غارديان» أخيراً مقالاً إنتقد فيه 15 من كبار الإقتصاديين، بمن فيهم الحائزين على جائزة نوبل، أنغوس ديتون، جيمس هيكمان وجوزيف ستيغليتز، ما يسمونه «جنون المعونة» على أساس أنه يقودنا إلى تجاهل الأسباب الجذرية للفقر العالمي.


ويدعو المقال إلى تقويم فعالية المعونات، وتوفير الموارد للتدخّلات التي تبدو فعالة من حيث الكلفة.

وتحقيقاً لهذه الغاية، أسس بيتر سنغر أستاذ أخلاق الطب الحيوي في جامعة برينستون والأستاذ الفخري في جامعة ملبورن، منظمة «الحياة التي يمكنك إنقاذها»، وتعنى بجمع الأدلة عن المؤسسات الخيرية التي تعمل كثيراً لتنال رضا المانحين، وتشجع الناس على التبرّع لها.

توصي هذه المنظمة بالتدخّلات التي أثبتت جدواها، بإعتبار أن الجهات المانحة يمكن أن تحقق مزيداً من الخير من خلال مساعدة الأفراد ذوي الحاجات غير الملبّاة عوض الطموح، للقضاء على الأسباب الجذرية للفقر من دون وجود استراتيجية واقعية لتحقيق هذا الهدف.

يعتبر ديتون وهيكمان وستيغليتز وزملاء لهم أن الفقر العالمي «لا يزال مستعصياً على الحل»، ما يعزز النظرة القاتمة بأنه لا يُحرز أي تقدّم في الحدّ من الفقر.

لكن هذه ليست هي المشكلة. فالبنك الدولي يصنّف الناس على أنهم يعيشون في «فقر مدقع» إذا كانوا يفتقرون إلى الدخل المطلوب لتوفير ما يكفي من الغذاء والمأوى والحاجات الأساسية الأخرى. وتشير أحدث تقديرات البنك الدولي إلى وجود 768.5 مليون شخص، أو 10.7 في المئة من السكان في فقر مدقع. وفي هذا العالم الذي ينتج ما هو أكثر من كاف لتلبية الحاجات الأساسية للجميع، لا يوفر هذا الرقم أي أساس للرضا عن الذات.

ولكن في عام 1990، كان أكثر من 35 في المئة من سكان العالم يعيشون في فقر مدقع، وحتى عام 2012، كان الرقم 12.4 في المئة. الاتجاه على المدى الطويل، إيجابي بنحو واضح. ومؤشرات أخرى لرفاه الإنسان تزيح النظرة القاتمة. على سبيل المثال، انخفض معدل وفيات الأطفال من 93 لكل ألف ولادة، إلى حوالى 40 منذ عام 1990.

ثم يخبرنا مقال الإقتصاديين أن الفشل المفترض في إحراز تقدّم في الحدّ من الفقر العالمي، يأتي على رغم من «مئات البلايين من الدولارات من المساعدات». لم تحدد أي مدة زمنية، لكن قراء كثراً سيفهمون أن العالم يعطي «مئات البلايين من الدولارات» من المساعدات سنوياً. في عام 2017، بلغت المساعدة الإنمائية الرسمية ODA التي وفّرتها الاقتصادات المتقدّمة في العالم 146.6 بليون دولار، أو أقل من دولار واحد من كل 300 دولار حصل عليها في هذه البلدان. إذاً ذهبت كل هذه الأموال إلى 768.5 مليون شخص يعيشون في فقر مدقع، فستصل إلى 191 دولاراً لكل منهم.

في الواقع، يستفيد البلدان الأقل نمواً من 45 في المئة فقط من المساعدة الإنمائية الرسمية. ويذهب كثير منها إلى البرامج التي لا يوجد دليل يذكر على فعاليتها. ولا عجب أن هذا المبلغ المتواضع جداً من المساعدات التي غالباً ما تكون غير موجهة بنحو صحيح، يتحتم عليه إنهاء الفقر المدقع.

الهدف التالي لخبراء الاقتصاد الـ15 هو استعمال تجارب للتأكّد ما إذا كانت التدخلات فعالة. هذه التجارب، كما يشيرون، باهظة الثمن. ربما، لكنها أقل كلفة من الاستمرار في دعم المشاريع التي لا تحقق أي فائدة. لا تكون هذه التجارب دائماً قابلة للتطبيق، وليست الطريقة الوحيدة لإثبات الفعالية. ولكن عندما تكون متاحة، فإنها توفّر دليلاً قوياً على أن توزيع ناموسيات لحماية الأطفال من البعوض الحامل للملاريا، على سبيل المثال، ينقذ الأرواح وبكلفة متواضعة.

كما لوحظ، فإن اعتراض الاقتصاديين الرئيس على هذا النوع من الأدلة، يقودنا إلى التركيز على «التدخلات الصغيرة» التي لا تعالج الأسباب الكامنة وراء الفقر، إذ تعتمد قوة هذا الإعتراض على توافر بدائل أفضل.

ماذا يقترحون؟ يقولون إن الفقراء في حاجة إلى «الوصول إلى التعليم العام والرعاية الصحية»، وأنه ينبغي أن تكون هناك سياسات عامة منسّقة لمنع تغيّر المناخ. لتحقيق تقدّم حقيقي في الزراعة، يجب أن نضع حداً للإعانات الزائدة التي تدفعها البلدان الغنية.

وتشمل التوصيات الأخرى منع الشركات متعددة الجنسيات من تجنّب الضرائب، وتنظيم الملاذات الضريبية، ووضع قوانين العمل من أجل وقف «سباق العولمة إلى القاع». «ولتحديد السياسات التي تعمل على أفضل وجه، يقال لنا، يجب أن نستخلص من البيانات غير المستعملة، وصور الأقمار الإصطناعية. والهدف النهائي، تغيير قواعد النظام الاقتصادي الدولي لجعله «أكثر إيكولوجيا وعدلاً للغالبية في العالم».

هذه أهداف جديرة بالثناء. ولكن من يخاطب خبراء الاقتصاد؟ الأفراد الذين يتبرّعون للجمعيات الخيرية؟ كبار المسؤولين في الإدارات الحكومية المسؤولة عن تخصيص المساعدات؟ الحكومات القادرة وحدها على إجراء التغييرات الموصى بها؟

إذا كانت الحجج موجهة إلى الحكومات، فهل ستؤدّي البيانات الأفضل إلى نتائج أفضل؟ بخصوص الدعم الزراعي الأميركي، على سبيل المثال، فإن أي شخص اتخذ نظرة نزيهة يعرف أنه يضر بالفقراء في العالم، ويمثل هدراً هائلاً للأموال العامة. ومع ذلك، فشلت الجهود الرامية إلى القضاء عليها بنحو متكرر، ليس بسبب نقص تحليل السياسات، ولكن بسبب القوة السياسية للولايات الريفية.

تسعى «الحياة التي يمكنك إنقاذها»، مثل منظمة «إعطِ بسخاء» وأخرى مماثلة، للتأثير على المتبرّعين الأفراد، وتشجيعهم على التفكير في المكان الذي يمكنهم توجيه تبرعاتهم إليه لتحقيق أفضل النتائج.

ويؤمل بأن يكونوا مواطنين نشطين أيضاً، ليحضوا حكوماتهم على تحقيق عالم أكثر عدلاً وأكثر استدامة. ولكن في الوقت الذي يُنتظر فيه من السياسيين معالجة الأسباب الجذرية للفقر العالمي، وقد يكون انتظاراً طويلاً، يجب تركيز مواردنا الاحتياطية على المساعدات الفعالة التي تعين الأشخاص الذين يعانون في فقر مدقع على عيش أفضل حياة ممكنة.