حين ينتهي «الرعب الصيفي» ومواسم الأعياد وأفلامها

من أجواء مهرجان الجونة وافتتاح الموسم... الآخر (موقع المهرجان)
كتب إبراهيم العريس |

محبّ السينما الحقيقية وهاوي الجيد من أفلامها كان بالتأكيد على حق طوال الشهور الفائتة، لا سيما منذ ما قبل عيد الفطر وصولاً إلى ما بعد عيد الأضحى، إذ راح يشعر بالإحباط، بل بكثير من الاشمئزاز أيضاً، وهو يتابع في صحيفتنا، كما في العديد من الصحف الأخرى، أنباء العروض السينمائية الصيفية والموسمية، بما فيها من نجوم وما تحققه من ملايين الجنيهات، بالنسبة إلى السينما المصرية خاصة، وللأسف. كان الأمر مخيفاً كأن نهاية العالم السينمائية حلّت. ما من قلم تحدث عن موضوع جميل في واحد من تلك الأفلام، أو عن حوار ذكي، أو عن مشهد لافت. كلها تهريج وأفلام عصابات صُنع لجمهور «التيرسو» الذي بدا كأنه صار كل الجمهور!

المشكلة أن هاوي السينما ومحبَّها نسي لفرط «رعبه» أن هذا يحدث على تلك الشاكلة نفسها وفي المواعيد ذاتها تقريباً، مرة في كل عام. ونسي أن عليه أن ينتظر قدوم الخريف كي تتبدل الصورة، بل كي يتبدل الجمهور نفسه. صحيح أنه سيكون جمهوراً آخر غير ذاك «الصيفيّ»، جمهوراً يشبه محب السينما لكنه لا يقصد أفلام مواسم الصيف والأعياد، بل يبقى في انتظار ما هو أقل ضخامة بكثير، ولكن ما هو أكثر طموحاً بكثير، وأكثر مدعاة لطمأنته بالتأكيد بأن الدنيا - دنيا السينما - لم تنته، وأن الفن لا يزال بخير.

فمن الاختيار الذي أُجري في القاهرة لتعيين واحد من خمسة أفلام ستمثل مصر في التباري للوصول إلى نهائيات «أوسكار أفضل فيلم أجنبي»، إلى افتتاح مهرجان مالمو في السويد بفيلم مصري متميّز، واعتبار السينما المصرية الجادة والجيدة بالتأكيد ضيف شرف في هذا المهرجان، مروراً بعروض مهرجان الجونة على شاطئ البحر الأحمر في مصر وما تتضمنه من جديد الإنتاج العربي الطموح، وعروض مهرجان سينما المرأة في سلا المغربية واختياراتها «النسوية» المرهفة، وصولاً إلى العروض التي يعدنا بها مهرجان قرطاج في دورته الجديدة عند بدايات تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، ومن بعده مهرجان القاهرة الدولي الذي يقال لنا إنه سيطل بحلة جديدة قد تذكر بأمجاد المهرجان أيام الراحل سعد الدين وهبة، كما بالدورة اليتيمة الرائعة التي نظمها سمير فريد، فقضت عليه وباتت مَعْلماً لا ينسى في تاريخ المهرجانات قبل أن ينحدر المهرجان القاهري بعد ذلك، تأتي الوعود الخريفية لتعيد الحياة إلى السينما، وتعيد السينما الحلوة الطموحة إلى واجهة الحياة الفنية. صحيح أن الملايين ليست في الانتظار، و «الجماهير» العريضة لن تكون على الموعد، وصحيح أن كثراً من هواة السينما سيظلون على ظمأ قد يكون شديداً... لكن الموعد السنوي سيكون على حاله، بغثّه وسمينه.


وسيكون من جديد الموعد السينمائي الذي يعطي الكلمة للفنانين السينمائيين الحقيقيين، الآتي في موعده السنوي بدءاً من محطته الجديدة، الجونة، التي أسبغت في العام الفائت حيوية جديدة على الحالات المهرجانية، ومن ثم في نحو نصف دزينة من مناسبات متتالية. صحيح أن هذا كله، رغم الفرح السينمائي الذي سينشره، لا سيما بين السينمائيين وهواة الأفلام الشباب، سيظل ناقصاً، وفي شكل محزن، طالما أن مهرجان دبي سيختفي في المقابل، هذا العام لاحقاً بمثيله «أبو ظبي» كما بـ «الدوحة» ثالث زوايا ذلك المثلث، وطالما أن مهرجان دمشق لا يزال مختفياً، ويكاد يلحق به مهرجان مراكش الذي، رغم بقائه، فقَد الكثير من رونقه القديم، لكن الأساس يبقى ويعود إلى الظهور بعد «الرعب» الصيفي: السينما الحقيقية لا تزال هنا في مواعيدها. وهي تنطلق عند نهاية هذا الأسبوع، لتعيد إلى الواجهة أسماء ومواضيع وتجديدات سينما لا تزال تقاوم رغم التفاهة المستشرية في شتى زوايا حياتنا الفنية العربية.