«عوادم» الأنظمة جرائم كاشفة ...من قاع المجتمع إلى سطحه

القاهرة – أمينة خيري |

«عوادم» الأنظمة تثير جدلاً وتؤجج غضباً وتتسبب في قلق لا يخلو من ترقّب لمستقبل غير محدد المعالم. الأنظمة، كل الأنظمة، تحب أن تتحدّث عن إنجازاتها وعبقريتها وفتوحاتها التنموية بشراً وثروة، لكنها لا تتطرق إلى سلبيات تحيط بالسياسات، وإخفاقات تعكس مشكلات، فإذ بالجريمة تفضح المستور وتعرّي ما يحدث خلف الستار وفي العتمة وخارج القانون.


والجريمة خير مرآة ترى فيها الأنظمة ذاتها، والأنظمة التي سبقتها، وربما التي تليها. «الجريمة أصدق مرآة. فيها يرى أي مجتمع نفسه، يقف أمامها عارياً، من دون ورقة توت تستر عورته. الجريمة هي الابن غير الشرعي للنظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة في المجتمع. هي حصالة السيئات للتصرّفات المجتمعية التي يشوبها قدر من الإهمال وفساد التربية وسوء التعليم وخلل البيئة وفقر العدالة.

إنها «عوادم الأنظمة» التي تحدّث عنها الكاتب الصحافي نبيل عمر في كتاب مهم يصدر متزامناً وسلسلة من الجرائم التي هزّت المجتمع المصري ربما لفداحتها، وربما أيضاً لأن قدرة المجتمع على الصدمة تقلّصت وانكمشت. «وصف مصر بالجريمة: ماذا حدث في قاع المجتمع خلال ربع قرن؟».

وبين قاتل ينفّذ «شرع الله» و «حرامية يقتلون العسكر» و «شركة السراج لأعمال البلطجة واستخلاص الحقوق»، وبليونير «بالغسيل» في دولة غائبة، وفساد الصغار في جرائم صغرى وفساد الكبار والكبار جداً في جرائم كبرى وكبرى جداً، ومنها إلى جرائم شرف وقلة شرف أرّخت لنوعية جرائم عنونها العبث والانحطاط، والسفالة، ووقوع اغتصاب في ميدان عام، وشريحة أخرى من الجرائم التي عكست مجتمعاً مأزوماً، وجرائم سمتها الغباء، حيث قطع الطرق وعدم الشعور بالندم على قتل آخرين، ولا يخلو الأمر من جرائم الأحوال الشخصية حيث زيجات عرفية تنتهي بجرائم قتل وغيرها، وأخيراً جرائم الفرار من الوطن بسبب كفر الظلم وخيانته، يشرّح نبيل عمر المجتمع المصري على مرّ ربع قرن عبر الخوض في قاعه وعالمه السري ألا وهو نفوس سكانه.

يقول عمر أن معدّل الجريمة في مصر ارتفع عقب ثورة كانون الثاني (يناير) 2011 وانسحاب الشرطة. وبلغت نسبة الارتفاع، وفق وزارة الداخلية، بين 110 في المئة في جرائم الحرق العمد و350 في المئة في جرائم السرقة بالإكراه، مروراً بالقتل والخطف والاغتصاب وهتك العرض.

كانت هذه فترة استثنائية، لكن مصر، شأنها شأن البلدان كلها، يمكن رصد التحولات فيها عبر التقليب في نفايات النظام العام ورسم صورة من قاع المجتمع منذ مطلع تسعينات القرن الـ20 وحتى عام 2016، وهي السنوات التي يصفها الكاتب بأنها «فترة شهدت تقلّبات عنيفة وسريعة وسيظل تأثيرها في حياة المصري سنوات طويلة مقبلة».

ومن أبرز نوعيات الجرائم التي طرأت على المجتمع، تلك التي ينفّذ فيها القاتل شرع الله. يرصد الكاتب قصة المؤذّن العشريني في قرية صغيرة «متديّن» لكن معلوماته في الإسلام محدودة وأغلبها، كما هي الحال مع معظم أنصاف المتعلّمين والأميين، تدور حول تطبيق الشريعة التي لا يعرفون عنها إلا ما يسمعونه من العوام شيوخ العشوائيات.

المؤذّن الشاب قرر أن يطبّق «شرع الله» ببندقيته الآلية على عاطلين دأبا على فرض الإتاوات وسرقة أهل القرية، قتلهما، ثم سكب على الجثمانين مادة سريعة الاشتعال وأضرم فيهما النار وغادر المكان في هدوء.

هدوء مشابه غلّف حوادث اعتداء مواطنين، بعضهم بلطجية وبعضهم الآخر اعتقد أنه يطبّق شرع الله على أفراد الشرطة عقب أحداث 2011، وفريق ثالث قتل واعتدى معلناً نفسه قوى ثورية تنتقم للشعب.

ويختتم عمر الجزء الخاص بجرائم الفترة الثورية بفصل عنوانه «أهل مصر للبطلجة واستخلاص الحقوق»، وهو اسم صفحة ذاع صيتها على «فايسبوك» في عام 2011. صاحب الصفحة في ما يبدو بلطجي ولكن على طريقة «روبن هود». فكّر في تجارة رابحة في مجتمع تحكمه ثقافة الفساد وينقصه إعمال القانون، فقرر أن يُحل محله القانون الغائب في مقابل مادي.

بدل ضرب سائق الميكروباص أو التاكسي الحرامي 500 جنيه، تأديب أستاذ الجامعة المتعسّف 400 جنيه، استرجاع سيارة مسروقة 2500 جنيه، وهلم جرّا.

وقد جرى العرف أن تمضي قضايا الفساد في مصر قدماً من دون معلومات كثيرة أو تحليلات وفيرة، لا سيما حين يتعلّق الأمر بشخصيات مسؤولة. لكن السنوات القليلة الماضية غيّرت تراث الفساد وقلبت سبل التعامل معه رأساً على عقب. فمن مدير عام مشتريات في مجلس الدولة عُثر في شقته على 24 مليون جنيه، و4 ملايين دولار، ومليوني يورو، ومليون ريال سعودي، إضافة إلى كيلوغرامات من المجوهرات والمشغولات الذهبية وعقود امتلاك فيلات وشاليهات وشقق فارهة، وذلك في مقابل تمرير اتفاقات وعقود على حساب خزينة الدولة، إلى وزير الزراعة الأسبق صلاح هلال الذي ألقي القبض عليه في ميدان التحرير ظهراً في قضايا فساد أيضاً في مشهد سينمائي أعجب المصرييين كثيراً، ولم يكن قد مضى عليه في الوزارة سوى أشهر معدودة، تدور قضايا الفساد موديل ما بعد ثورة يناير.

وما قبل تلك الثورة، اعتاد المصريون، أو بالأحرى سلموا بفساد الكبار وبعدم جواز محاسبتهم، هذا الكم من الفساد لكن من دون محاسبة. ويكفي أنه طوال وجود وزير الزراعة الأسبق يوسف والي (1982- 2004) وعلى رغم كم الفساد المذهل والاستيلاء على أراضي الاستصلاح الزراعي وغيرها، لم تضبط الرقابة الإدارية موظفاً كبيراً متلّبساً برشوة.

ويوضح الكاتب أنه على رغم وجود فساح كبير يصيب ذمم الكبار وتصرفاتهم يحقق أرباحاً طائلة على حساب الدولة، وآخر صــغير يقتات عليه صغار الموظفين لإنهاء عمل أو تقديم خدمة، إلا أن الأخطر هو فساد النظام العام، وهو ليس رئيس دولة أو حكومة، لكنه أداة من القوانين والإجراءات والآليات لإدارة الموارد والبشر، وإن فسدت الأداة وتفلتت تخرب دوران عجلة الحياة اليومية.

وتشي هذه العجلة بتناقضات كثيرة قاتلة. المجتمع الذي غرق في تديّن رهيب منذ أواخر سبعينات القرن الـ20، أفرز مصطفى (65 سنة) بائع الفول والطعمية الذي قتل طفلة صغيرة تسكن مع أسرتها في العمارة أعلى المطعم. سرق مصوغاتها الذهبية، ثم فض بكارتها بأصابعه وألقاها في صندوق القمامة. وأثناء التحقيق معه، نفى عن نفسه تهمة الاغتصاب، وقال: «لم أغتصبها، فقط فضيت غشاء البكارة بأصابعي. مش عارف ليه. ربنا عايز كده. أنا عارف ربنا وباصلي (أصلي)».

ويعلّق الكاتب على الجريمة: «تخيلوا معي مجتمعاً يتحدّث أفراده في الدين ليل نهار، ولا يخلو فيه شارع أو زقاق من مسجد أو كنيسة، ولا يجرى حوار من دون ذكر الله أو الاستشهاد بآية، وتحاصره عشرات القنوات الدينية، ولا يكف شيوخه عن الكلام، وترفع جماعاته الدينية شعار «الشعب الذي يريد الإسلام حلاً»، وعلى رغم ذلك تنتشر فيه جريمة التحرّش الجنسي كالنار في الهشيم. وباء مخيف لم يحدث أن تفشّى مثله من قبل».

ولم يحدث من قبل أن انتشرت جريمة قطع الطريق كما حصل في سنوات ما بعد ثورة يناير 2011. وعلى رغم توضيح الكاتب أن قطع الطريق يحدث في بلدان عدة، وكان يحدث في مصر قبل ثورة يناير لأسباب تتراوح بين مطالبات عاملية أو فئوية أو حتى طائفية، أو لغضب على مسؤول كبير، أو لأسباب تتعلّق بالثأر بين عائلتين، إلا أن ما جرى في إحدى قرى سوهاج (صعيد مصر) كان مؤشراً إلى نوعية فريدة من أسباب قطع الطريق. فقد نفّذ السكان ذلك اعتراضاً وغضباً على قتل الشرطة مجرم سوابق ومسجلاً خطراً ومتهماً في 13 قضية بين قتل وشروع في قتل وتجارة سلاح.

وما جرى في سوهاج يشبه إلى حد كبير تجمهر مواطنين من أهل قرية ميت سلسيل (الدقهلية) أمام قسم الشرطة اعتراضاً على توجيه تهمة القتل إلى مواطن اعترف بقتل ولديه.

ومن الدفاع المستميت من مواطنين عن قتلة ومجرمين، إلى شعور بعضهم باليأس الكامل من فرصة أو الحصول على حق ما يدفع أحياناً إلى خيانة الوطن أو الهروب منه تحت شعار أن الوطن خانهم. وبعد سرد عدد من القصص في هذا الشأن، يقول الكاتب: «الأوطان لا تخون. الوطن لن يخون يوماً. ولا يمكن اختزاله في بضعة أشخاص أساؤوا إليه وغدروا به ونهبوا بنوكه وسرقوا خيراته، أو سهلوا الفساد لمن وهن ضميره، أو لم يعملوا على إنقاذه من رمال التخلّف الناعمة».

وينهي عمر تشريحه لقاع المجتمع بقوله أن الكتاب ليس دعوة إلى الإحباط أو اليأس، لكنه أمل في تصحيح المسار وإعادة التفكير في الحياة ومسارها، من خلال النظر إلى ما طرأ على عالم الجريمة من تغيّرات.

غلاف الكتاب