سيد سعيد الكاتب المأخوذ بالفن الشامل

(الحياة)
محمود قرني |

قبل أكثر من سبعين عاماً كتب طه حسين مقالاً عن المجددين في الفكر والفن واعتبرهم «قلة ليست آمنة ولا مطمئنة على مُثُلِها العليا ومذاهبها في التفكير والتعبير، إنما هي عرضة دائماً للمقاومة والمناوءة والكيد والدس وما إلى ذلك كله من ضروب الخصومة الشريفة وغير الشريفة». وأظن أن المحاذير التي ساقها العميد لم تكن بعيدة من فكرة «تغييب المثال» التي عملت عليها السلطات السياسية المتعاقبة لسنين طويلة؛ انتهت بتجريف غير مسبوق في تاريخ الثقافة المصرية. ولا أظن أن حالة مخرج ومثقف استثنائي مثل سيد سعيد (1939) بعيدة مِن ذلك الإرث الصعب، على رغم أنه، من واقع خبراته وموهبته وكتاباته، يبدو فناناً شاملاً ومشاركاً فاعلاً في قضايا مجتمعه. ربما كان الخطأ الأكبر الذي ارتكبته السياسة يكمن في تحويل الثقافة إلى مضامين طبقية شديدة البؤس يرفضها سعيد ومن نهجَ نهجَه، حيث يتواصل الفصل المستمر والمتنامي بين ما يسميه تيري إيغلتون بـ»الثقافة العليا» في مقابل «الثقافة الشعبية».


صحيح أن التجليات العميقة للمعنيين تبدو أشمل من مفهوم الطبقة، لكن هذا الصراع في الثقافة المصرية لم يأخذ من المعنى إلا أكثر مضامينه سوءاً. وهي إشكالية لم يمسها أحد من المعنيين بعلم اجتماع الأدب أو سيسيولوجيا الثقافة. وأنا هنا أسجل انطباعاتي كشاعر لا يدعي امتلاك أدوات الباحث وإن امتلك حُرقَة الخائف المرتاب في صورة الثقافة ومثقفها بعد ثورتين كبيرتين شهدتهما مصر بين عامي 2011 و2013. فخطورة تغييب «المثال» في ثقافتنا علي مدار أكثر من أربعين عاماً هو ما دفع الشعبيين إلى صناعة أنبيائهم واصطفاء رموز من بينهم، وما كل مدارس الفقه التكفيري، متعددة المرجعيات، سوى واحدة من تلك التجليات.

في هذا السياق، ربما يمكننا فهم الأسباب التي تدفع بتجربة مثل تجربة سيد سعيد إلى أن تظل بعيدة من مداراتها وتأثيراتها المنتظرة.

فمن يتأمل تجربة هذا الفنان في فيلم «القبطان» (1997) سيتأكد أننا أمام عمل سينمائي استثنائي بما ينطوي عليه من فرادة في الرؤية، فضلاً عن بكارة الاكتشاف والرصف التركيبي للمشهد وكذلك ثرائه التخييلي، واستمساك اللغة السنيمائية بسحرية خاصة هي خليط من الاعتيادي والتركيبي والأسطوري.

وعلى رغم أن سيد سعيد ممسوس باللغة الصوفية التي تستبطن أكثر مما تُجْلِي وتفصح، فإن وعيه بالوظيفة الجمالية لم يحول الزمن الفني إلى زمن ميتافيزيقي؛ لأن وعيه بالواقع يبدو أكثر طغياناً وأكثر تأثيراً وحضوراً. ففيلم «القبطان» منذ أول مشاهده حتى نهايتها يبدو مرتكزاً على أحداث تمثل ترجيعاً عاماً ساهمَ في صوغ وعينا بهزيمة الهوية على أكثر من صعيد. ربما لهذا السبب لم أتعاطف كثيراً مع القراءات التي تحيل إلى فكرة اللامكان في فيلمه، لأنه حتى في أعلى حالات الوعي، يدرك أن إنسانية العمل الفني تنبع من خصوصيته المحلية، وربما كان يرد في ذلك على الاعتقاد بأن خفض الرمز المحلي إلى أدنى حضور له يدفع العمل السينمائي إلى مراتب العالمية. وأظن أن سعيد في فيلمه هذا يدرك جيداً تلك المفاضلات وغواياتها المضللة، فكان انطلاق عمله من قصة حرب 48 وقضية التهجير الفلسطيني ثم دور الاحتلال وأعوانه في الداخل متمثلاً ذلك في الصراع الذي يدور طيلة الفيلم بين الحكمدار (الممثل أحمد توفيق) ممثل السلطة الفاشية والتابعة وبين البطل الزوربوي القبطان (الممثل محمود عبدالعزيز)، الذي يبدو كعنقاء تُبعث من رمادها كلما احترقت، ما جعل الفيلم يبدو موسوماً بقلق الاكتشاف، في مواجهة سينما شائعة وغارقة في ابتذالها، ومع ذلك تتمسح بحداثة بعيدة المنال. وعلى رغم التأثيرات الواضحة للسينما العالمية على سيد سعيد كفنان ومثقف واسع الثقافة؛ إلا أنه يعيد اكتشاف طاقاته الجمالية والمعرفية داخل شروط ثقافته بتجليها الاجتماعي والسياسي، مع إدراك شديد الوعي للتقاطعات الحضارية التي تمثل القيم الجمالية أهم تجلٍ لها.

سيد سعيد ليس مخرجاً فحسب؛ بل هو كاتب ومثقف كبير وصاحب مساهمات نقدية فريدة في الفنون كافة تقريباً، فضلاً عن وعيه السياسي ذي الجذور اليسارية والذي تسبب في اعتقاله في عهد السادات. من هنا تبدو علاقته بالواقع علاقة مركبة. فهي بمقدار وعيها بفكرة الحتمية نجد أنها في الوقت ذاته ترفض خضوع التاريخ لمقولات النقاء الخالص. هو يمنح نفسه قدرة فريدة على المغامرة، ويستعيد في الوقت نفسه تأويلات السؤال الوجودي ويبجل الجهد البشري المبذول في فك طلاسمه، لأنه ببساطة يرفض تثبيت السائد أو التكريس له.

وربما سنتفهم ذلك في شكل أوضح عندما نصادف آراء سعيد في قضايا الفن، وكذلك عندما نتابع تطبيقات ذلك في أعماله. فعلى رغم أن النقد العربي في مجمله لم يأبه بفكرة التخييل بسبب استغراقه في الخضوع شبه المطلق لنظرية اللغة، إلا أن سيد سعيد يكرس لتلك القضية جانباً كبيراً من اهتمامه وله فيها آراء شديدة الأهمية.

وهو في ذلك لم يتأثر فحسب بموقف كوليردغ أو وليم بليك، بل تأثر أيضاً بموقف الفلاسفة المسلمين الذي تأثروا كثيراً بالموقف الأرسطي من نظرية المحاكاة؛ لكنهم استطاعوا أن يتعاملوا للمرة الأولى مع الفن عموماً والشعر بخاصة باعتباره جزءاً من نظرية المعرفة. يقول سيد سعيد في كتابه «شعرية السينما»: «الخيال هو أحد مصادر الشعرية باعتباره يجسد القدرة على الجمع بين التناقضات وعلى إحضار الغائب وتغييب الحاضر وتفجير براكين اللغة. الشعري يأتي من هناك، من المكان الذي أطلق عليه فرويد «المشهد الآخر»، حيث يتعامل الشاعر مع المواد المحدودة للانطلاق إلى اللامحدود وحيث يظل المعنى الشعرى نقياً من المرجعيات كافة ومن الحقائق المسبقة». والمتأمل حديث سيد سعيد سيتأكد أن مفهومه للفن يتأسس على مستويين من الوعي أولهما يتحقق خارج ما هو فني ويتأثر في شكل أكثر جلاء بالموقف من العالم وجوداً وعدماً، ويتجلى ذلك في الموقف من قضية الإنسان في مواجهة سؤال الطبيعة الأوسع والأكثر سطوة الذي تمثله القوى الخارجية التي تعتبر الغيرية عادةً. وثانيهما يتحقق في سياق ما هو فني وتتحدد تجلياته محكومة بتقنيات النوع وجمالياته التي تقع في قلب اللحظة الحداثية بكل ما تعنيه من طاقات تدميرية للأبنية والسياقات المستقرة بما في ذلك استنهاض الطاقات التخييلية، وسنرصد ذلك في قوله: «الشعر يجانس المتنافر، وينافر المتجانس، الشعر يعافر».

وأعتقد أن اهتمام سيد سعيد بالشعر يتأتى من بابين؛ الأول اعتباره أقرب الفنون إلى السينما، والثاني مِن أنه لا يؤمن بنقاء الأنواع الأدبية، فالفن عموماً يقوم على فكرة الاستبصار التي تقابل الحدس في النقد الغربي. لذلك سيتبدى العمل الفني لدى سيد سعيد عصياً على التصنيف لأنه غير خاضع لنمطية التعريف عبر أدوات النوع المستقرة. من هنا سيظل مفهوم وظيفة الفن غير مرتبط بالضرورة بأدواره الاجتماعية وإن كان يعتني بها، لأن الوعي الذاتي، لا الواقع الخارجي هو محوره الأساس. وأظن أن هذا هو نتاج موقف سعيد الذي يرُد الفن إلى المعرفة النوعية بموضوعها ولغتها، لا إلى المعرفة الكلية التي تتزايد قيمتها؛ حسب ماركس؛ عبر الأنظمة الطبقية باعتبارها أثراً فنياً لمعرفة كلية. وربما بدا سيد سعيد هنا أقرب إلى رؤية مخرجين كبار مثل يوسف شاهين في قناعته بأن الفن لا يخدم المجتمع قدر خدمته الإنسان.

ضمن أحد تعريفات إليوت للثقافة أنها: «الكُرُنب المسلوق، موسيقى الشعب، الموانئ، حارات ومدقّات الأجداد، دورات الألعاب الرياضية». والمعنى هنا أن تعريفات الثقافة لا تبقى صفوية سوى عند النخبة التي تحافظ دائماً على تعاليها بحيث تظل مفصولة عن محيطها الشعبي. ربما من هنا يمكننا تفسير موقف سيد سعيد السلبي من النخبة عندما يقول: «لا يوجد نظام كلي القدرة وهناك مناطق يمكن العمل فيها بعشرات الأساليب والطرق فأين أنتم نخبتنا بشعاراتكم ومواقفكم من الشوارع والحواري؟ أخرجوا من مكاتبكم وقاعات اجتماعاتكم واقرأوا الشارع ليقرأكم الشارع». هذا ما يفسر موقف سيد سعيد المناهض للمثقفين الذين يناضلون للالتحاق بما تمكن تسميته بالثقافة العليا، لأن هؤلاء ارتكبوا أخطاء تاريخية باحتقار طبقتهم والانسلاخ عنها، وهذا هو المثقف الذي أطلق عليه غرامشي «الهارب الطبقي»، وكان الشاعر والناقد ماثيو أرنولد يطلق على هؤلاء «أصحاب الرفْعَة المسروقة».