عينان في العدم

سوار ملا |

فتحَ عينيه في الصباح المتأخِّر، قبل أن تحلَّ الظهيرةُ الصيفيّة القائظةُ، وهيَّأ نفسه، كما جرت العادة، ليحدِّق في سقفِ الغرفةِ الناصع، بيد أنَّه هذه المرة لم يفلح في الروية، لم يستطع رؤية أي شيء، فظنّ، بادئ ذي بدء، أنه لم يفق بعد جيّداً، حطّ إبهاميه على جفنيه وراح يفركهما بعشوائية، كرَّر ذلك لدقيقةٍ ربّما أو أكثر قليلاً ومن ثم عاود فتح عينيه، فلم ير شيئاً قطّ. لم يتمكّن في البدءِ من فهم الأمرِ بصورة جيدة، لأنه، هكذا بغتةً، مثل كل صباحٍ مضى، فتح عينيه، لكنه وحسبُ هذه المرة لا يبصر شيئاً إطلاقاً، مجرد سواد باهت يسوِّرهُ، سواد ضارب إلى الرمادي المُغبر يصنعُ سياجاً مبهماً حول بصرهِ. لسوء حظه أيضاً أن أحداً من صحبه الذين يسهرون في العادة في منزله، وكثيراً ما يبيتُ بعضهم عنده، لم يكن هناك في تلك البرهةِ. لذا، كان عليه أن يقوم بمهمّة شاقة، أن يخرج من باب غرفته ويتجه نحو الدرج النازل إلى الطابق الأرضي لمنزله المكوّن من طابقٍ وغرفة بلا نوافذ على السطح حيث ينامُ، وبعدئذ ينبغي أن يدير بجسده نحو الممرّ الجانبي الذاهب نحو الباب المفضي إلى حديقة كبيرةٍ تسبق الباب الخارجيَّ، حتى يصرخَ هناك فيسمعه أحد المارّة ويهرع لنجدته. عمليَّة معقَّدةٌ بحق. فكّر أن يصرخ داخل غرفته، لكنه أدرك أنه مجرد جهد عبثي، فالغرفة بلا نوافذ وبعيدة تماماً عن الشارع، وصخب المدينة في تلك الأثناء لن يدع مجالاً لأيّ انتباه محتمل. إنَّه داخل مأساة مركّبة، مأساة أنه لم يعد يرى شيئاً ويسكن في منزلٍ مرفَّه يُبعده في هذا الشكل المبالغ فيه عن الخارجِ، حيث الناس العاديون في صبيحة يوم عمل عادي.


فتح عينيه على آخرهما، فأغرقته الظُلمةُ في محيطِها المهول. إنَّني في مصيبةٍ لا أفهمها، ردَّد في نفسه وراح يشعرُ أنّ قواه تخورُ مع كلّ تكة لعقارب الساعةِ المعلّقة فوق رأسه تماماً. كلُّ ثانيةٍ تُخدِّرُ خليةً في جسده. مع كلّ ثانيةٍ يلتهمه الضعفُ. بعد مضيِّ بعض الوقتِ فكِّر أن ينهضَ ليمشي في جهة الباب، لكنه تفاجأ بتخاذل جسده الرهيب. ما من عضو يتحرَّكُ مثلما يَشَاءُ. ما من رغبةٍ تُطاعُ. جسده ثورة الضعف على القوّة. جوارحه شعبٌ «أسقطَ نظامَه». لا شيء غير عقله يعملُ، كذلك إحساسه بالوهنِ والجوع. لم يكن قادراً سوى على البقاء ممدداً في فراشه، كجثّة لم تزل تعيش. يقرضه التعبُ كجرذٍ في ذروة نشاطه، ويقضمُ الجوعُ مخيِّلته. لم يعد يفكر سوى في أن تسقط لقمة في فمه الذي لا يعرف تماماً إن كان مغلقاً أم مفتوحاً، لكنه حسبه مفتوحاً لشدة جوعه.

بعد وقت وجيز فقد القدرة على تحريك جفنيه أيضاً، فبقيا مفتوحين كمغارتين للخيبةِ والرجاء.

أخذ جسده مع مضي السّاعات يتقلّص، يقلُّ بالتدريج، ولما وصل المساءُ كان قد أصبح أشبه بصندوقٍ مرمي في الزاويةِ. نسي كيف ينامُ، فظلَّ مستيقظاً في جوف العتمةِ والشلَل. لا إحساس سوى بالجوعِ. لا رغبة تتملّكه سوى رغبة سقوط لقمةٍ ما في فمه، أو حتى قشرة من دهان السقف. لا تجوب مخيّلته غير أشكال الأطعمةِ وألوانِها الطبيعيّة الجميلة. اختُزل تاريخه الشخصي في أطعمةٍ تناولَها، كلُّ البشر الذين التقاهم في حياته غابوا فجأة عن باله، وكلّ الأمكنة التي أحبَّها وكان فيها ذات مرّة. استحالَ الأسود الذي يغمره كتابوتٍ، ألوانَ وجباتٍ غذّته خلل حياتِه. ولما حلَّ الليلُ لم يكن ثمة سوى صمت تكسره تكات الساعةِ التي لا تني تضاعفُ تراجيديّته.

تملًّكه إحساس مؤلم بأن قدميه أخذتا تنعدمانِ في حوضه الضيّق، ويديه تضمحلان داخل قفصه الصدريّ، وفمه الجاف ينفخُ بأسىً في الهواء:

من يصلُ إليّ الآن، من يقدر أن يصبح بطلاً حقيقيّاً لمرة واحدة خارج الخيال والأمنيات.

إنني أحتاج بطلاً من لحم ودم، من مادةٍ حيّةٍ ملموسة، يأتي وينقذني من الظُلمةِ والجوع والتعب. أنا مسجونٌ في قوايّ الخائرة وعيني المفتوحتين على الفراغ. أنا كائنٌ يضمحلُ جوعاً في منزلٍ فخم، براده مملوءٌ بأطعمةٍ شهيّة، لكن تعوزه الطاقة ليصل إليه، أعتازُ طاقة تسيّرني خمسة أمتار فحسب، أحتاجُ، على الأقلّ، عيناً أبصرُ بها، لمرّة أخيرةٍ، هيئتي قبل أن تنعدمَ.

آهٍ، لا أبطال، كما يبدو، في العالم، البطل كذبة الآدميّ على ذاتِه، خدعته لنفسه، البطولةُ وهمٌ والضعف قوّة لا تُقهَر.

إنّي أنتهي في هذه اللحظةِ، لا أحد يراني، ولا حتى أنا نفسي أتمكن من رؤية العدم وهو يسدُّ عيني ويجرّني خارج الزمن والمكان، صوب مأواه الأزليّ، الذي ما برح يتشعّب كالطاعون.

العدم، هذه الجغرافيا الممدودة للجياع ومعدومي القوة في عالم لا يفتح ذراعيه سوى للأقوياء والمُشبعين.

عمَّ الصمت.

أُقفِلَ فمه في ساعة الفجر الأولى،

وهكذا، مبللاً بالندى، تحت ضياء قمر فتي، نهض ليخرجَ من باب بيته ماسكاً بيد العدمِ كعروسٍ وهبتها الطبيعةُ للاطبيعةِ.