مجلس السياسات

مشرق عباس |

المطالبة بتشكيل «مجلس السياسات الاستراتيجية» في العراق جاءت في هذا الموسم من «الحزب الديموقراطي الكردستاني»، بعد أن كانت مطلباً «سنياً» وجوهر صفقة تشكيل حكومة 2010، وفي ذلك الوقت كان اقتراح المجلس الذي يفترض أن يرسم خريطة سياسات الدولة العليا، يدخل في باب التسويات الحزبية، ولهذا سهل الطعن به دستورياً والتنصل عنه، بعد أن توقف الخلاف في نقطة صلاحياته وإذا كانت استشارية فقط أم ملزمة للحكومة.


ومع أن مبررات رفض هذا المجلس ما زالت مستمرة، وتستند إلى الدوافع نفسها التي طرحت عام 2010، فإن العودة إليه، وبحث إمكانيات تحقيقه اليوم، قد يكون ضرورياً، حتى لو تم الإقرار بصفته الاستشارية ولفترة موقتة يمكن أن تقتصر على 4 سنوات غير قابلة للتمديد، على أن يتحول إلى مجلس رسمي يجمع صناع الملوك في العراق الذين تحولوا إلى سبب رئيسي للأزمات، وعائق أمام تقدم الدولة.

إن «صناع الملوك» الذين تجتمع تحت زعامتهم قوى سياسية مؤثرة في المشهد، ومجموعات مسلحة جذرت وشرعنت حضورها في المشهد الأمني، وشركات حزبية صارت جزءاً أساسياً من الاقتصاد العراقي، وأيضاً ممثليات دينية وقومية ومناطقية، قد تزايد عديدهم، حتى أصبحت طبقة أوليغارشية غير معلنة تسيطر على القرار الحقيقي للبرلمان والحكومة والقضاء من خارجه، وتتسبب خلافاتهم في الأزمات التي مر بها العراق، كما أن امتناعهم عن تحمل المسؤولية الشخصية المباشرة، يفقد البلد فرصة اتخاذ قرارات مصيرية كبرى يشترك فيها ويتحمل مسؤوليتها الجميع، مثل تطوير المسار الاقتصادي، أو تعديل الدستور، أو إقرار قوانين ثورية في مجالات الاستثمار والعلاقات الخارجية والنهوض بالمجتمع والقضاء على الفساد.

وعلى رغم أن صناع الملوك في العراق يمتلكون مفاتيح القرار كما يمتلكون مفاتيح الاقتصاد والفساد، فإنهم «يختبئون» عملياً خلف كتلهم السياسية، ويشجعون بقصد أو من دون قصد الانغلاق السياسي، الذي لا يمكن تنفيسه من دون العودة إليهم لحسم القرارات المصيرية، ولهذا تحديداً لا نجد أن اجتماع زعماء كتل سياسية في البرلمان أو وزراء من أحزاب مختلفة في الحكومة، ذا قيمة واقعية لاتخاذ القرار، مقارنة بالاجتماعات النادرة التي تحدث بين المرجعيات السياسية لتلك الكتل.

على ذلك فإن «مجلس السياسات الاستراتيجية» المقترح لن يكون بحاجة إلى صلاحيات قانونية ملزمة للحكومة، شريطة أن يكون صناع الملوك الحقيقيين هم أعضاؤه، ولا يرسلون من ينوب عنهم، فقراراتهم سوف تمتلك قوة الإلزام مستندة إلى قوة تأثير أصحابها في المشهد السياسي.

المجلس يمكن أن يتكون من أعضاء الرئاسات الثلاث، إضافة إلى زعماء القوى السياسية الحقيقيين وهم اليوم يعدون بنحو 10 أشخاص، فيما اختصاصاته التي يمكن أن يتضمنها قانون إقراره، هي التأسيس لإعادة صوغ قواعد العملية السياسية، بما يشمل إكمال الاتفاقات على التعديلات الدستورية، وتحديد حزمة القوانين الرئيسية العالقة أو المقرة جزئياً أو المختلف حولها مثل قوانين «الانتخابات (المواد 20 و38 و49 من الدستور)، والأحزاب (المادة 39)، والمحكمة الاتحادية (المادة 92)، ومجلس الخدمة الاتحادي (المادة 107)، ومجلس الاتحاد (المادة 65)، وهيئة مراقبة تخصيص الواردات الاتحادية (المادة 106)، وهيئة ضمان حقوق المحافظات والأقاليم (المادة 105)، وقوانين الضمان الصحي والاجتماعي (المادة 30)، واستعادة أملاك الدولة (المادة 27)، وقوانين جديدة لتشجيع الاستثمار والنهوض بالاقتصاد وحماية رؤوس الأموال والضرائب (المواد 24 و25 و26 و28)، وتأسيس النقابات (المادة 22) وتنظيم ازدواج الجنسية (المادة 18)، والعلم والنشيد (المادة 12) وتنظيم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية (المادة 9) والقضاء العسكري (المادة 99) ومجلس تمثيل الدولة أمام القضاء (المادة 101) وقانون النفط والغاز (المادة 112) وإدارة الجمارك (114) وعشرات من القوانين الضرورية الأخرى.

قد يعد البعض هذا المجلس خطوة لتكريس الزعامات السياسية، لكن الواقع يثبت أن هذه الزعامات ليست بحاجة إلى التكريس، فهي تفرض وجودها وتوسع نفوذها مستندة إلى فوضى التأسيس، وأن الضغط الشعبي كفيل بإجبار «صناع الملوك» على التصدي المباشر للمسؤولية في هذه المرحلة، وعدم الاختباء خلف الدولة الهشة لإنتاج دول الظل، وتالياً التمهيد لانسحابهم التدريجي والآمن من المشهد برمته لمصلحة الأجيال الجديدة.