نزع «النووي» الكوري الشمالي... بعيد

فيليب بونس * |

لم تعد الأزمة النووية الكورية الشمالية معركة شد حبال بين هذا البلد من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، بل صارت أقرب إلى مسألة محورية تتقاطع عندها الخلافات بين قوى المحيط الهادئ: التنافس بين الصين والولايات المتحدة، بين الصين واليابان، وبين كوريا الجنوبية واليابان. وهذه التحديات الأمنية والاقتصادية - وتؤجج نيرانها النقمة الموروثة من الماضي في حال الصين واليابان وكوريا - تعقّد المعادلة الكورية أكثر فأكثر. وروسيا هي طرف وازن في هذه المعادلة. وتقتضي هذه التحديات صوغ رؤية استراتيجية طويلة الأمد وإبرام اتفاق إقليمي متعدد المستويات يحل محل النظام الموروث من الحرب الباردة. ونزع السلاح النووي الكوري الشمالي هو أبرز أركان توازن جديد في شمال شرقي آسيا. لكن يجافي الصواب حسبان أن حل مسألة النووي الكوري الشمالية، يسير. وإذا أبصرت النور عملية نزع السلاح النووي في يوم من الأيام، يقتضي انعقاد ثمارها سنوات طويلة. وفي الأثناء، تبرز الحاجة إلى إرساء نظام سلام واستقرار في شبه الجزيرة الكورية، وهو ما دعا إليه بيان قمة سنغافورة. لكن مثل هذا «النظام» متعذر ما لم يطوَ النزاع الذي بدأت فصوله الأولى بين 1950 - 1953، ثم عُلق أو جمد في اتفاق وقف نار فحسب، ولا تزال القوات المسلحة متأهبة للهجوم على جانبي الحدود.


ورمت قمة كيم – ترامب إلى مد جسور الثقة في مرحلة أولى، وفي مرحلة ثانية المبادرة الى التزامات ملموسة. لكن مع مرور الوقت، يتعاظم سوء التفاهم بين البلدين أكثر فأكثر. فعبارة «نزع التسلح النووي الشامل في شبه الجزيرة الكورية» صارت لازمة البيانات الأميركية والكورية الشمالية. ويُقصد بها في أميركا النزع الأحادي للسلاح النووي في كوريا الشمالية، بينما ترى بيونغيانغ، شأن بكين وسيول، أن القصد منها هو نزع السلاح النووي من كامل شبه الجزيرة الكورية، بما فيه رفع المظلة النووية الأميركية عن كوريا الجنوبية. ومع ارتفاع نبرة خطابها، شددت واشنطن في الأسابيع الأخيرة على ما ترمي إليه: «النزع النووي الشامل نزعاً بائناً ولا عودة عنه». غير أن بيونغيانغ تدعو واشنطن الى التزام ما التزمت به في سنغافورة وبدء علاقات جديدة بين البلدين تستهل بتوقيع شرعة سلام تضع أسس اتفاق مرتقب.

وإلى قمة سنغافورة، كانت الصين تتعاون في فرض العقوبات الأممية على كوريا الشمالية - والعقوبات هذه مبدئياً لم ترفع بعد. لكن إثر اللقاء بين كيم وترامب، تقربت بكين من بيونغيانغ، وعُقدت ثلاثة لقاءات بين رئيسي البلدين في العام الحالي. ويمثل لي سهونشو، «الرقم 3» في هرمية الحزب الشيوعي الصيني، شي جينبينغ في الذكرى السبعين لتأسيس جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية (كوريا الشمالية) في التاسع من أيلول (سبتمبر).

ولا تشجع الحرب التجارية التي بادر إليها دونالد ترامب الصين على المساومة في المسألة الكورية. ولا شك في أن بكين لا ترغب في كوريا شمالية نووية. لكن المسألة هذه لا تتصدر أولوياتها. فهي تريد تجنب عرقلة النمو في شمال شرقي البلاد نتيجة زعزعة استقرار الجار الكوري الشمالي. وترى بكين أن الأزمة الكورية قد تفضي الى نظام جيو - استراتيجي جديد في شمال شرقي آسيا، ومثل هذا النظام قد يصبّ في مصلحتها. وفي المسألة الكورية، يبدو إقناع الصين بقبول التعاون مع أميركا في القريب العاجل، عسيراً، يقول يون سون من مركز ستيمسون في واشنطن. وتبدو العودة الى إحكام الطوق على بيونغيانغ من طريق «الضغط الأقصى» (العقوبات والضغط العسكري) متعذرة اليوم. فبكين وموسكو تعارضان مثل هذا الإحكام.

ويغر تحديث القوات البحرية والقدرات الباليستية الصينية توازن القوى في المنطقة. والحق أن تغير موازين القوى لا يقوّض التفوق الأميركي ولا يضعفه، لكنه قد يشكل قوة رادعة: الترسانة الصينية حين تطويرها قد ترتقي إلى مصاف قوة ردع تحول دون إمكان تدخل عسكري أميركي في كوريا. ويواصل الرئيس الكوري الجنوبي مساعي المصالحة مع بيونغيانغ من أجل إبرام اتفاقات اقتصادية. فالتقارب بين الكوريتين، الجنوبية والشمالية، يقلص أخطار حرب إذا ما اندلعت، ذهبت الكوريتان ضحيتها.

* مراسل، عن «لو موند» الفرنسية، 11/9/2018، إعداد منال نحاس.


الأكثر قراءة في الرأي