إهمال تاريخ ألمانيا الشرقية... وبروز اليمين المتطرف

نيكولا أوفنستاد * |

تصدرت شمنيتز في ولاية ساكسونيا، شرق الجمهورية الديموقراطية الألمانية السابقة، والتظاهرات المعادية للمهاجرين فيها- وشارك في هذه التظاهرات اليمين المتطرف «بيغيدا» و «البديل من أجل ألمانيا»- عناوين الصحف منذ بداية الشهر المنصرم. ولكن كيف تحول ملعب كارل ماركس السابق في ألمانيا الشرقية، إلى مسرح مناوأة المهاجرين، بعد 30 عاماً على توحيد الألمانيتين؟ وكثير من أنصاب هذه الجمهورية الآفلة مهمل اليوم، وصارت مرافقها ومبانيها مهجورة.


ليست حوادث العنف العنصري في شرق ألمانيا جديدة. فإثر الوحدة، اندلعت حوادث عنيفة في هويرسويردا (في 1991) وروستوك (في 1992). وقبل بروز حزبي «بيغيدا» و»البديل من أجل ألمانيا»، بدأ الحزب النازي الجديد يرسخ قبضته في الشرق للسيطرة على مساحات «المناطق الوطنية المحررة»، وفق رطانة اليمين المتطرف. ولكن اليوم، ثمة سياق جديد تندرج فيه الأمور: حيازة اليمين المتطرف تمثيلاً في البرلمان الألماني مع وصول «البديل من أجل ألمانيا» إليه في 2017. وبعدها عاشت ألمانيا حوادث صادمة يسهل التوسل بها في البروبغندا، ومنها ليلة رأس السنة في كولونيا 2015، حين اعتدى رجال من اصول أجنبية على عدد من النساء، وهجوم سوق الميلاد في برلين في 19 كانون الاول (ديسمبر) 2016. ولم تجبه ألمانيا الشرقية ماضي المجتمع الألماني في عصر النازية، ومشاركة عامة الألمان في النظام هذا. وساهم عدم مساءلة النفس عما كانت فاعلة في الماضي وضلوعها بما حصل في نزع المسؤولية عن المواطنين الألمان، وإلقاء الشرور على الآخر فحسب: الفاشية آفة الآخرين. ولكن ما تقدم مبسط. فألمانيا الشرقية استندت إلى «مساءلة الذاكرة»، وتصدر خطابها مناوأة النازية، ولكن منطق هذه المساءلة كان مختلفاً عما كان في غرب ألمانيا. فهو استخف بالمقاومة غير الشيوعية، ولم يعر المحرقة الاهتمام.

وخصصتُ شطراً من كتابي، «بلد اندثر»، لمعلومات استقيتها من رحلة اكتشاف مديني. وهذا الميل الى اكتشاف المدن وسبر أغوار أمكنتها المهجورة بدأ قبل ثلاثين عاماً: زيارة الأمكنة المقفرة أو المهجورة من دون إذن من السلطات في المدن. وحركة اكتشاف الاجزاء المقفرة من المدن هي حركة دولية يتعاظم تمددها. وثمة جانب سياسي فيها يرمي الى رفع القيود عن قلب المدينة. وبعض مكتشفي المدن يمشون بمحازاة السكك الحديد ويزورون ورشات البناء. وثمة جانب جمالي في الحركة هذه يستقطب كثير من المصورين. فتصبغ الحركة هذه الركام بصبغة رومانسية، وتسلط الضوء على الأراضي البور. وهذه الرحلات هي صنو تنقيب عن آثار الحاضر. وزرت أكثر من 230 موقع في ألمانيا الشرقية السابق، ووقعتُ على أعمال أرشيفية وفنية. فهذا البلد كان يرفع لواء الثقافة من أجل الشعب، لذا، تنتشر الأعمال الفنية أينما تلفت المرء، في المقاصف والشركات والمستشفيات... وفي أمكنة مهجورة يقع المرء على تماثيل وفسيفساء وغيرها من الاعمال الفنية. وفي هذه الرحلات المدينية، وقعت على عدد من الأرشيفات المهجورة، أرشيف شركات، وثائق الحزب الشيوعي، النقابات... وملفات في كهوف رطبة، وملطخة بالوحل والغبار في مبان على شفير الانهيار. ووقعت على وثائق طبية، وملفات شخصية عن الموظفين في شركات ألمانيا الشرقية. ويبدو أن الشركات كانت تُطبق طوق الرقابة على موظفيها. وفيض الوثائق هذه ناجم عن غلبة البيروقراطية على ألمانيا الشرقية. وهذه الملفات كلها متروكة للنسيان والإهمال ولا تحمى للحفاظ على خصوصية المواطنين. وإهمال أرشيف المانيا الشرقية على هذا المنوال هو مرآة نزع المشروعية عن ماضيها والاستخفاف به. فطوال أعوام، لم توصف ألمانيا الشرقية إلا بصفات سلبية: بلد ديكتاتوري، وعملاء الستازي. وفي هذه الصور، تخرج صورة أبناء ألمانيا الشرقية إخراجاً سلبياً: كانوا شعباً صادعاً ومستسلماً يعيش في دولة فاشلة اقتصادياً يتنشر فيها الفقر وتعمها صفوف انتظار طويلة قبل بلوغ قعر الافلاس.

وعبارة «توحيد» ألمانيا ليست في محلها، ولا تناسب ما جرى: عدم الحفاظ على أي شيء من جمهورية ألمانيا الديموقراطية. وبعض المراقبين يدور كلامه على ضم ألمانيا الشرقية أو استيطانها. وأهملت الجوانب التقدمية في هذه الجمهورية، على غرار الحقوق الاجتماعية ومكانة النساء. وعلى رغم الإهمال هذا، لا تزال هذه السمات الإيجابية بارزة في شرق ألمانيا. فعلى سبيل المثل، لا تضاهي منظومة حضانات الأطفال في غرب ألمانيا نظيرها في الشرق.

وكان «توحيد» الألمانيتين عنيفاً. وفاقم طابعه العنيف بروز البطالة في شرق ألمانيا بعد أن كان مجتمعها لا يعرف بطالة. فحين عثرت على ملفات شركة مهجورة، تتبعت المسار المهني لمدمن كحول ، ووجدت أنه لم يكن يوماً عاطلاً عن العمل، ووسعه العثور على فرصة عمل تتناسب مع مرضه. وفشو البطالة كان صادماً، وتزامن مع صدمة اقتصادية ضخمة. وفي كتابي أروي قصة سيدة استناداً الى ملفها المهجور وسلسلة مقابلات حديثة معها: كانت في شرق ألمانيا محاسبة في شركة، وصارت عاملة تنظيفات في زمن التوحيد.

وتظهر الإحصاءات أن التباين بين الألمانيتين لم يتبدد، على المستوى الاقتصادي، بعد: ففي الشرق، العوائد أدنى من نظيرها في الغرب، ومعدلات البطالة أعلى. وقلة من الألمان الشرقيين يشغلون مناصب مدراء. والعنف يتفشى على الصعيد الشخصي: فمن العسير العيش في عالم كل ما عرفته عنه اندثر، أو خسر قيمته. ومن عمل في الصناعة في ألمانيا الشرقية، حاز على مكانة بارزة. وكانت سلع صناعية بازرة ومتينة في مثابة رموز انهارت من دون أن تخلف أثراً يذكر. ولكن مصير ألمانيا الشرقية ليس على هذا القدر من القتامة، فثمة مآلات ايجابية في المدن الكبيرة مثل دريسدن أو لايبزيغ. وتبددت ثقافة مادية: السلع كانت متينة وصلاحياتها تفوق صلاحية السلع في الغرب، ولم تكن الماركات كثيرة. وحاز الناس سلعاً متشابهة، وامتلكوا مرجعيات واحدة. وهذه السلع رميت في المهملات بعد 1990، وخسر الناس مراجعهم التاريخية المشتركة من أبطال الحركة العمالية. ولم تعد أسماء هؤلاء تطلق على الشوارع، واندثرت. وكان الناس يعقدون الآمال على الاشتراكية، على رغم أن دولتهم سرعان ما غرقت في الديكتاتورية والفاقة. وشطر راجح من ألمان الشرق حسبوا في 1989-1990 أن الاشتراكية الحقة ستبصر النور حين انهيار الجدار، وبرزت فكرة «الطريق الثالث»، بديلاً من ثنائية الرأسمالية، أو الديكتاتورية. وحسبوا كذلك أن في الإمكان الإبقاء على شبكة الحماية الاجتماعية ومكانة المرأة وإزالة الطابع القمعي في آن واحد.

وانشغل المؤرخون بتسليط الضوء على أرشيف الستازي. ولكن هذا الجانب منها، على أهميته، لا يختزل جمهورية ألمانيا الشرقية، على رغم أنه الجانب الأسوأ. واكتشف الناس قدراً من الرقابة كانوا يجهلون أنهم عرضة له وموضوعاً له. وإثر انهيار الجدار، رجحت كفة تاريخ «الديكتاتورية المزدوجة» كما لو أن الديكتاتورية الشيوعية هي تكملة للرايخ الثالث. ويقرن بعضهم بين الايديولوجية النازية والايديولوجية الماركسية، ويقول النازية -الماركسية كما لو أنهما صنوان. والجمع بين النازية والشيوعية في السردية التاريخية والخلط بينهما شائك. فلا أوجه شبه بين قمع الستازي والإبادة اليهودية وملايين القتلى الذين سقطوا في الحملات النازية التوسعية الحربية.

* مؤرخ، عن «ليبيراسيون» الفرنسية، 12/9/2018، إعداد منال نحاس


الأكثر قراءة في الرأي