مزيد من التكريم للسينمائيين العرب

من فيلم «الكيت كات» (الحياة)
إبراهيم العريس |

من الواضح أن التكريمات التي يكرسها مهرجان الجونة منذ دورته الفائتة للسينمائيين العرب، تختلف عما يشبهها في المهرجانات الأخرى وتحظى بثناء كبير. ذلك أنها تبدو مختارة بعناية ودقة ومتنوعة نوعياً وجغرافياً، إلى حد لافت. هذا العام يكرم المهرجان في دورته الثانية السينمائية والمنتجة والمنشطة التونسية المعروفة درة بوشوشة إحدى المساهمات الأساسيات فيما وصلت إليه السينما التونسية من مستوى رفيع، وذلك إلى جانب المخرج المصري داوود عبدالسيد، ولئن كنا سنعود إلى بوشوشة في كتابة لاحقة، نتوقف هنا عند عبدالسيد وسينماه كنوع من تحية منا إليه لمناسبة هذا التكريم الإستثنائي.


يبدأ داود عبدالسيد عادة حديثه عن دخوله عالم السينما، بالقول إن هذا الدخول كان بفعل الصدفة، هو الذي بعد مرحلة أولى من الانصراف إلى تحقيق عدد لا بأس به من الأفلام التسجيلية، التي تتيح للسينمائي حرية التجريب من دون خوف من الخسارة المادية، راح يجهز نفسه لخوض مغامرة السينما الروائية. ويتعلق الأمر هنا بمغامرة لأن فترة الحماسة الأولى لسينما الواقعية الجديدة المصرية، كانت قد بدأت تذوي. ومع هذا جاء فيلمه الروائي الطويل الأول «الصعاليك» (1985) ليحييها من جديد. ولكن إذا كان هذا الفيلم يحمل رسمياً تاريخ العام 1985، فإن تصويره تأخر ثلاث أو أربع سنوات عن تاريخ إنجاز عبدالسيد لكتابة السيناريو. كذلك سوف نراه ينتظر ست سنوات تالية قبل أن يحقق فيلمه الروائي الطويل الثاني «البحث عن سيد مرزوق» (1991).

لكن اللافت هنا هو أن عبدالسيد حقق في هذا العام الأخير نفسه فيلمه الثالث «الكيت كات» (1991) الذي سيعرض على أي حال، قبل «البحث عن سيد مرزوق» بثلاثة أشهر، ما سيجعل كثراً يعتبرونه فيلمه الثاني– وهو لا يزال حتى اليوم يعتبر فيلمه الأشهر والأكثر نجاحاً، وربما الأكثر جمالاً أيضاً. وبعد «الكيت كات» بعامين حقق عبدالسيد فيلماً روائياً رابعاً هو «أرض الأحلام» (1993) ليتبعه بعد عامين بـ «سارق الفرح» (1995) الذي اضطر بعده إلى الانتظار خمس سنوات قبل أن يحقق تاليه «أرض الخوف» (2000)، ثم «مواطن ومخبر وحرامي» (2001) الذي سبق تاليه «رسائل البحر» بتسع سنوات، حيث أنه حقق هذا الأخير في العام 2010، قبل أن يضطر للانتظار ست سنوات أخرى قبل تحقيق «قدرات غير عادية» في العام 2016.

والحقيقة أنه إذا كانت سينما داود عبدالسيد متفاوتة في الوتيرة الزمنية لتحقيقها وعرض أفلامها، من الممكن القول إن هذا المخرج كان من ذلك الصنف النادر من المخرجين المصريين الذين لم تعرف أفلامهم تفاوتاً ملحوظاً في المستوى الفني أو الاهتمام الدقيق باختيار المواضيع، حتى وإن كنا نعرف أنه لم يكتب كل أفلامه بنفسه. صحيح أن القسم الأكبر من هذه الأفلام يحمل اسمه ككاتب سيناريو وحوار وصاحب قصة، مع ذلك ثمة من بين أفلامه ما يشذ عن هذه القاعدة. فمثلاً اقتبس «الكيت كات» عن رواية «مالك الحزين» للراحل إبراهيم أصلان، كما اقتبس «سارق الفرح» عن قصة للراحل خيري شلبي. أما «أرض الأحلام» تجربته الوحيدة مع فاتن حمامة، وآخر أفلام سيدة الشاشة المصرية، فكان من سيناريو وحوار هاني فوزي. وهنا لا بد أن نذكر أن فيلم «البحث عن سيد مرزوق» إذا كان يحمل توقيع عبدالسيد ككاتب للسينايو، فإنه في الحقيقة يعتبر نوعاً من الاقتباس الموارب عن فيلم الأميركي مارتن سكورسيزي «بعد الدوام».

واقعية ونجوم

ولمناسبة ذكر تعاون داود عبدالسيد مع فاتن حمامة في فيلمه الرابع، لا بد من الإشارة إلى أن هذا المخرج تعامل دائماً في أفلامه مع كبار النجوم، بل أنه منذ «الصعاليك» وكان، بعد، مجهولاً في الحياة السينمائية المصرية، تمكّن من أن يجمع نجمي تلك الحقبة الكبيرين نور الشريف ومحمود عبدالعزيز، إلى جانب يسرا، في بطولة الفيلم. وهما سوف يعودان إلى سينماه بعد ذلك، كما أنه سيحقق فيلماً من بطولة أحمد زكي («أرض الخوف»)، وسيجد، حتى دوراً، لنجم النجوم الجماهيريين في الغناء، شعبان عبدالرحيم (في «مواطن ومخبر وحرامي»).

إذاً، منذ بداياته، ظهر داود عبدالسيد مخرجاً محترفاً يمكن المراهنة الإنتاجية عليه، لكن هذا لا يمنع القول من إن النجاح الجماهيري لم يكن دائماً من نصيبه. والطريف في حالته أن كبار النجوم (فاتن حمامة أو أحمد زكي) لم يسعفوا أفلامه التي حققها معهم. ولكن في المقابل، عرفت سينما عبدالسيد كيف تحقق دائماً نجاحاً نقدياً مميزاً، ناهيك بالجوائز العديدة التي كانت من نصيب أفلامه، لا سيما منها أفلامه الأولى.

ولئن كان «الصعاليك» قد شكل بانتقاده العنيف لانتصار سياسة «الانفتاح» وتصويره الصراع الذي تنتهي إليه شراكة إثنين من كبار «الانفتاحيين»، فإن «الكيت كات» يمكن اعتباره مثالاً يحتذى في الكيفية التي يمكن بها لفيلم سينمائي أن يتعامل مع نصّ أدبي. فهذا الفيلم أتى في العام 1991، ليشكل ذروة في تيار «الواقعية الجديدة» الذي كان واحداً من أقطابه إلى جانب علي بدرخان وعاطف الطيب وخيري بشارة ومحمد خان وغيرهم، واعتبر عشوائياً فيلم واقعية جديدة، على رغم أن هذه الصفة بالكاد تنطبق عليه. هو، بالتأكيد، فيلم حارة ويغوص في الحياة اليومية للبسطاء، غير أنه في الوقت نفسه يتجاوز هذا كثيراً، ليصبح أقرب إلى أن يكون فيلماً رؤيوياً يحمل قبساً من تلك الواقعية السحرية التي ميزت بعض آداب أميركا اللاتينية، ثم بعض سينماها بعد ذلك. إنه أقرب– أيضاً– إلى أن يكون أمثولة أخلاقية وفلسفية: عملاً عن الإنسان في جوانيته وإقباله على الحياة. أي: الحياة كما هي وليس كما يجب أن تكون من منظور أيديولوجي. ومن هنا نكاد نقول إن «الكيت كات»– ومثله نصه الأصلي «مالك الحزين»– عمل يقف خارج التصنيف، كما حال كل عمل إبداعي كبير.

مصري مئة بالمئة

أما بالنسبة إلى «البحث عن سيد مرزوق»، فإنه على الرغم من علاقة النسب بينه وفيلم سكورسيزي، مصري من ألفه إلى يائه، مقتبس عن الواقع المصري كما أراد ان يعبر عنه مبدع كان يرصد هذا الواقع بقوة ويعتبر سينماه وسيلة للتدخل فيه. بل لنقل أن هذا الفيلم، من وجهة نظر ما، قد يكون أكثر الأفلام التي حققت في زمنه، مصرية، وارتباطاً بتراث الحكي الشعبي ذي العلاقة المباشرة بألف ليلة وليلة وبالخيال السحري الذي تبدعه الشعوب عادة.

أما بالنسبة إلى «أرض الأحلام»، فيمكن القول إن داود عبدالسيد تعامل معه كمخرج تقني لا أكثر، إذ أن الفيلم لم يُصنع أصلاً إلا من أجل عودة فاتن حمامة إلى الشاشة بعد غياب طويل. وسيقول عنه عبدالسيد إنه «كان الفيلم الوحيد الذي تحرك من خارجي، أنا الذي لا أعمل عادة إلا انطلاقاً من داخلي»... وتبعاً لنوع من موضوع يناسب فاتن حمامة. والحقيقة أن خلفية «سارق الفرح» لم تكن مختلفة كثيراً عن خلفية «سارق الأحلام»، ومن هنا يفضل داود عبدالسيد في غالب الأحيان ذكره بكل خير إنما من دون التوقف عنده طويلاً. أما تاليه «أرض الخوف»، فربما يكون الفيلم الذي أثار أكبر قدر من التفسيرات في مسيرة داود عبدالسيد السينمائية.

ذلك الفيلم الظريف

ولئن تلا «مواطن ومخبر وحرامي» «أرض الخوف» مباشرة، فإن الطريف هو ذاك الانتقال، في سينما عبدالسيد مباشرة من أكثر أفلامه غموضاً وجدية إلى واحد من أظرف الأفلام التي أنتجتها السينما المصرية عند بدايات القرن الجديد. فالحال أن «مواطن ومخبر وحرامي» ينتمي إلى ما يمكن تسميته بالواقعية الساخرة. وبعد «مواطن ومخبر وحرامي» غاب عبدالسيد ثمانية أعوام ليعود هذه المرة بفيلم «إسكندراني» في «رسائل البحر» ثم بأخيره «قدرات غير عادية» الذي لم يرو ظمأ محبي سينما هذا الفنان المبدع.