صيحة شباب الفن السابع قبل نصف قرن في مصر

هاشم النحاس (الحياة)
القاهرة - هاشم النحاس |

منذ بدايات انطلاقتها، حظيت «جماعة السينما الجديدة» - التي تذكرناها قبل ملحقين لمناسبة مرور نصف قرن على ظهورها كرد فعل سينمائي على هزيمة يونيو (حزيران) - باهتمام بعض كبار المثقفين المصريين، ومنهم الناقد رجاء النقاش الذي كان وقتذاك رئيس تحرير مجلة «الكواكب»، وكنتُ أنشر في المجلة مقالاتي النقدية للأفلام وأنقل إليه أخبار الجماعة باعتباري أحد أعضائها.


وفي لقائي معه وأنا أسلمه أحد مقالاتي، تطرق الحديث عن الجماعة وجديد أخبارها، وسألني النقاش: «ماذا لو أتحنا للجماعة صفحتين، يكتب فيهما أعضاؤها ما يروق لهم من أفكار... وتكون أنت المسؤول عن الاتصال معهم... وتحرير الصفحتين؟!». ثم سألني «ماذا نطلق على هاتين الصفحتين؟!»، وقبل أن أجيب عن سؤاله، بادر إلي بقوله «لنطلق عليهما اسم مجلة الغاضبين»...

صدر أول أعداد المجلة في (9 تموز/ يوليو 1968) في صفحتين متقابلتين وسط مجلة «الكواكب» بعنوان «مجلة الغاضبين» تحت إشراف جماعة السينما الجديدة. واستمر عملي في إصدار المجلة أسابيع عدة، حتى وقع خلاف بيني وبين مجلس إدارة الجماعة، تركت على أثره هذه المهمة التي أسندوها من بعدي إلى الناقد فتحي فرج الذي واصل إصدار المجلة حتى العدد الأخير منها (22 نيسان/ أبريل 1969)، وكانت فرصة له بوجه خاص ليُعلن عن أفكاره التي أظهرت موهبته في الكتابة النقدية.

بدايات بعض الكبار

اشترك في كتابة أعداد المجلة (26 كاتباً تقريباً)، وكلهم أصبحوا من الأسماء المعروفة في سماء السينما، مثل سعيد شيمي ومحمود عبدالسميع في التصوير، وأحمد متولي وعادل منير في المونتاج، وفتحي فرج وسامي السلاموني وصبحي شفيق وعلي أبو شادي في النقد، يوسف شريف رزق الله في الثقافة السينمائية، أحمد راشد ونبيهة لطفي وهاشم النحاس في إخراج الأفلام التسجيلية، وخيري بشارة وغالب شعث في إخراج الأفلام الروائية.

كتبوا في المجلة ما يقرُب من (105 موضوعات) عبروا فيها بوضوح عن أفكارهم ورؤاهم النقدية التي ترفض السينما التقليدية وتريد تجاوزها، وعبروا أيضاً عن شكل السينما الجديدة التي يريدونها.

وتنوعت الأشكال الفنية التي يصبّون فيها أفكارهم وتنوعت كذلك موضوعاتهم. منها ما كان في شكل مقابلات ولقاءات مع شخصيات تعبر عن السينما الجديدة في العالم مثل «حوار مع أنطونيوني/ ترجمة إدوار الخراط»، أو التعرف إلى السينما الجديدة في بعض البلدان الأجنبية مثل مقال «السينما في بولندا/ عادل منير»، و «السينما الجديدة في ألمانيا/ غالب شعث». أو الكتابة عن شخصيات تقارب في أفكارها وآرائها مواصفات السينما الجديدة مثل «عالم غودار السينمائي»، و «لويس بونويل فنان له عالم خاص» بقلم نبيهة لطفي. كما قاموا بتحليل نماذج من أفلام مصرية قصيرة ظهرت أخيراً تتسم بمواصفات السينما الجديدة مثل فيلم «حياة جديدة» إخراج أشرف فهمي، وفيلم «طبول» إخراج سعيد مرزوق.

وكان شكل المقال هو الشكل الغالب في معالجة الموضوعات كافة داخل المجلة، ومنها ما كتبه كاتب هذه السطور في مقال «النقد الذي نريده» قائلاً فيه: «النقد الذي نريده هو هذا النقد التحليلي الذي ينقسم إلى فرعين أحدهما التحليلي التكنيكي والآخر التحليلي الأيديولوجي، وأهمية النقد التحليلي التكنيكي أنه يكشف للقارئ عن الوسائل الفنية التي يلجأ إليها فنان الفيلم للتعبير عن قضيته، بغض النظر عن مدى اتفاقنا على أهمية هذه الفكرة وصدقه أو اعتراضنا عليها، والناقد في هذا النوع من النقد يجيب عن أسئلة مثل: كيف استطاع الفيلم استخدام المؤثرات الصوتية؟ وهل قامت الموسيقي بدورها حقاً؟ والحوار هل هو زائد عن الحاجة أم أقل؟ وهل هو سلس في الانتقال بين الأفكار أم يقفز بينها؟ وهل يتفق الحوار مع طبيعة الشخصيات أم هو مقحم عليهم؟ هذا عن شريط الصوت، أما عن شريط الصورة فهو يجيب عن أسئلة حول زوايا التصوير، وتكوين الكادرات، والحركة داخلها، والتمثيل، والتتابع بين اللقطات وبين المشاهد.

وخارج حدود الصوت والصورة، هناك المعالجة الأدبية للموضوع وتشمل رسم الشخصيات ونموها مع الأحداث وحبكتها، وإذا كان الفيلم مأخوذاً عن قصة أدبية فيجب بيان مدى تطابقه مع أفكارها أو اختلافه عنها. المهم في تناول كل هذه الجوانب علينا الإجابة عن سؤال «كيف» وهو ما يميز النقد التحليلي بفرعيه.

الأوهام والجمهور

وفي مقال بعنوان: «قصور الأوهام وأسطورة الجمهور»، يقول فتحي فرج بعد أن يسخر من تصورات التقليديين للسينما باعتبارها تسلية وقتية: «إننا لا يجب أن ننظر إلى ما يُسلي الجماهير، ذلك أن الفن ليس تسلية فقط وإنما إمتاع أيضاً، لأن التسلية جُهد سلبي للمتلقي، غايته قتل وقت الفراغ والهروب من مشكلات الحياة، إنما المتعة فعل إيجابي، يهدف العمل السينمائي من خلاله إلى منح المتفرج لذة فنية والارتقاء بذوقه، وفي الوقت ذاته يثير فيه حس التأمل ويدفعه إلى رؤية أعمق وأوضح لواقعه، فيزيد من إيجابيته في المشاركة الفعالة من خلال علاقاته داخل المجتمع».

وفي مقال «الألوان والفيلم المصري»، كتب سعيد شيمي يقول: «بنظرة على الألوان في الفيلم المصري نجد أنها لم تخرج عن كونها إطاراً زخرفياً يحلي الصورة ويجعل منها كرنفالاً ملوناً... ويرجع ذلك أساساً إلى الأيديولوجية التي تحكم عقول أسطوات السينما القديمة الذين لا يعنيهم استخلاص أي شيء فعال جديد، بقدر ما يهمهم إنتاج كليشيهات مُكررة تعودت عليها العين ولا تعرف غيرها ولا تحاول حتى بذل المجهود للتعرف إلى غيرها...». وفي مقال «أرني بطاقتك الشخصية»، كتب صبحي شفيق: «حركة السينما الجديدة في مصر هي حركة تقوم على أسس منهجية علمية، أي على استقراء لخبرات السينما العالمية في ظروفنا المعاصرة وعلى إدراك للإمكانات الهائلة التي يتيحها التعبير بالصورة السينمائية، وعلى فهم لوظيفة الفن في حياة أي مجتمع، وعلى وعي حقيقي بالموقف الذي يجب أن يتخذه الفنان المصري إزاء واقعه وواقع الإنسان المعاصر. إنها إذاً لا تختلف في معاييرها عن حركة الموجة الجديدة في فرنسا ولا عن حركة السينما الحرة في بريطانيا ولا عن حركة السينما الجديدة في نيويورك».

سلاح الخبرة

وفي مقال عنوانه «عندما يُشهر السينمائيون سلاح الخبرة في وجه الشباب»، كتب خيري بشارة «الخبرة التي يتشدق بها «الأسطوات الحرفيون» في صناعة السينما هي مجرد أضحوكة لا مثيل لها، بل دليل دامغ على احتكارهم الفن... فليست الخبرة المطلوبة في السينما هي الإلمام بنظام العمل وكيفية تشغيل المعدات وإدارتها وفهم دقائق الحرفة من خبرة الأسطوات القدامى. مثل هذا الدرب يؤهل الشباب فقط للترقي من درجة صبي مساعد إلى أسطى كبير مثل من علمه... وباختصار يؤهله ليكون حرفي مُقلد وليس فناناً مبدعاً. الخبرة التي يطالب بها الأسطوات ما هي إلا نوع من التحصين والوقاية لهم، لضمان أكبر وقت ممكن يمارسون فيه حرفيتهم بمأمن من طموح شباب الجيل الواعد... نعم، سنوات الخبرة هي القتل البطيء بجرعات من السم المُركز لحماسة الشباب وجرأتهم وتحليلهم وجدلهم... كيف نتصور أن الرسام يشكل خــــبرته من خلال مناولة رسام آخر الفرش والألوان؟! خبرة الرسام تتولد من خـــلال إبداعه التشكيلي المستمر الذي يمر بمراحل شتى من المُعاناة والانفعال العاطفي...».

من الملاحظ أن المجلة قد تضمنت بوضوح رؤية شباب السينما الجديدة، لكنها لم تتضمن رأي أصحاب السينما التقليدية المُعارض، إلا في مقالة واحدة لمدير التصوير عبدالعزيز فهمي بعنوان «عبدالعزيز فهمي... ونظام أفلام المقاولة!»، يقول فيها رداً على مقال فتحي فرج: «نظام المقاولة أو بدعة المقاولة كما يسميها السيد كاتب المقال السابق – يقصد فتحي فرج - هو حر في الاقتناع أو عدم الإقناع به، المُهم أن يأتي لنا بنظام إنتاجي أكثر صلاحية من هذا النظام الذي يعترض عليه... أما ما جاء في مقالته بخصوص الصراع الدائر بين عبدالعزيز فهمي مدير التصوير، وعبدالعزيز فهمي المُنتج، فأنا لا أجد ما أرد به عليه خيراً من عملي طوال 30 سنة، أعتقد أنني اكتسبت فيها خبرة تؤهلني لتقديم عمل فني ناجح في إطار اقتصادي ناجح».

ومن يتابع السينما المصرية بعد ذلك بعينٍ فاحصة، لا يمكن أن ينكر أثر هذه الجماعة على مسار السينما المصرية ككل، وإن جاء هذا الأثر حثيثًاً يظهر في بعض أعمال المخرجين الجدد وقتذاك مثل عليّ بدرخان في «الحب الذي كان» 1973، «الكرنك» 1975، «شفيقة ومتولي» 1978.

والمخرج أشرف فهمي في «ليل وقضبان» 1973، «مع سبق الإصرار» 1979. كذلك في سيناريوات رأفت الميهي التي كتبها للمخرج كمال الشيخ مثل «غروب وشروق» 1970، «شيء في صدري» 1971، «الهارب» 1974، و «على من نطلق الرصاص؟» 1975، هذا غير ما كتبه الميهي وأخرجه بنفسه من أفلام مثل «الأفوكاتو» 1983، «للحب قصة أخيرة» 1986، «السادة الرجال» 1987، و «سمك لبن تمر هندي» 1988...

ولا شك في أن تيار الأفلام الذي عُرف باسم «الواقعية المصرية الجديدة»، في ثمانينات القرن الماضي، كان ثمرة الرؤية التي طرحتها «جماعة السينما الجديدة»، كما ظهرت عند محمد خان، في فيلم «ضربة شمس» 1980، الذي كان تصويره كاملاً في الشارع خارج الاستوديو، وهي سمة أساسية نادت بها جماعة السينما الجديدة، فضلاً عن مطالبتهم باشتباك الفيلم مع قضايا المجتمع وما ينتابه من تغيرات، وهذا ما تم في أفلام عاطف الطيب، وخيري بشارة، وداؤود عبد السيد.