أحوال النساء والأفلام والحروب على شاشات متواطئة

ملصق لبعض الافلام العربية المعروضة في المهرجان (الحياة)
مونتريال - علي حويلي |

اختتم مهرجان تورونتو السينمائي الدولي عروضه المختلفة التي استمرت عشرة أيام (من 6 أيلول/ سبتمبر الى 16 منه)، واشتملت على أكثر من 300 فيلم من 74 بلداً. واستقطب المهرجان ككل عام، مشاهير من صناع السينما العالمية من مخرجين ومنتجين وممثلين.


وشاركت السينما العربية هذا العام، بعدد وفير من الأفلام الطويلة ذات الطابع الدرامي والكوميدي. وتألق الفن السابع اللبناني بفيلمين، أحدهما «صعود غيرمرئي» للمخرج غسان حلواني. ورصد فيه ووثّق، للمرة الأولى، حالات آلاف الأشخاص الذين اختفوا خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990) ليقول أنهم رحلوا بأجسادهم ، إلا أن أرواحهم لا تزال باقية في قلوب أحبائهم. وجروحهم الحزينة لم تندمل في نفوسهم. والمؤلم أن جثثهم كما يقول الفيلم، لم تكتشف بعد عقود من الزمن. والأخطر، ربما، أن مفاعيل تلك الفترة المثيرة للجدل، لا تزال تؤجج الصراعات الطائفية، في شكل أو في آخر، في أوساط المجتمع اللبناني.

يسجل حلواني من خلال تصويره الفوتوغرافي، لوحات انطباعية «غير مرئية» من الاستشهاد والروايات الوطنية. ويطرح العديد من الأسئلة المتعلقة بآلام الخطف والتعذيب والقتل العبثي وما شهدته طوبوغرافيا بيروت من جرائم ضد الإنسانية واستهتار بقيم الاستشهاد النبيلة.

أما الفيلم الآخر فهو «كفرناحوم» لنادين لبكي، والذي قدمت فيه طفلاً قرر مواجهة أفراد عائلته ورفع دعوى قضائية ضدهم، ظناً منه أنهم تسببوا بمجيئه الى عالم زاخر بالقسوة والعنف. وتجري أحداث الفيلم، على ما يبدو، في بيروت التي عاشت ظروفاً قاسية من النواحي الأمنية والسياسية والاجتماعية. وركزت لبكي على الصور المأسوية التي تصدم المشاهد: طفولة معذبة، عمالة أجنبية بائسة، عنف أسري، تزويج قاصرات، وجمعيها تحاكي العالم الذي يعيش فيه (زين) الطفل (السوري) مشرداً من دون سند عائلي أو اجتماعي، مفتقراً الى أدنى درجات الحنان والعطف والأمل. هذه الصورة القاتمة للطفولة البريئة ولدت لدى بعض النقاد الكنديين «مشاعر معقدة وصورة مؤلمة تنم عن قلق وحيرة وانفعالات قاسية».

أما السينما المغاربية، فقدمت «ريح ربّاني» وهو فيلم خيال طويل (93 دقيقة بالأبيض والأسود) للمخرج الجزائري المخضرم مرزاق علواش. وتدور أحداثه حول شاب وشابة يدخلان في علاقة قوية تمهد لتكليفهما بإطلاق عمل مسلح يستهدف مصفاة تكرير نفط في صحراء شمال أفريقيا، على رغم عدم وجود اتصال مسبق بينهما، ما يشكل خطراً على حياتهما. والفيلم يستكشف روابط النسيج الاجتماعي في الحياة الجزائرية ويسبر أغوار النفسية المضطربة من خلال شخصية «أمين»، أحد الشباب الذين لا يتكلمون كثيراً، ويقيم بقرية صحراوية صغيرة، ويقضي معظم وقته في تلاوة القرآن وأداء الصلاة قبل أن يلتقي بإحدى الشابات( نور) التي تعاني هي الأخرى من مشاكل نفسية معقدة.

وفي رد فعل على هذا الفيلم، يرى الناقد الكندي في جريدة «لو دوفوار» فيليب ديبوا، أنه «يطلق صورة شاعرية مغلفة بأفكار سياسية. وأن علواش يفتح باب الأسئلة الصعبة حول قوة الحب بأبعادها العاطفية والمدمرة».

ومن الجوار الجزائري، قدم المخرج التونسي نجيب بلقاضي فيلم «في عِينيّا»، وهو العربي الوحيد المشارك في اللائحة الرسمية للمهرجان. وتدور أحداث الفيلم بين فرنسا وتونس حول شخص يدعى لطفي، وهو مهاجر ممزق بين الحياة التي تركها في تونس وصعوبة الحياة التي اختارها لنفسه في مرسيليا، لا سيما بعد وقوعه في حب فتاة جعلت إقامته مثقلة بالهموم والمتاعب. وهو في هذا الإطار، يجد نفسه عند مفترق طرق حاسم يضطره للعودة الى تونس للاعتناء بابنه المصاب بمرض التوحد.

وتتعثر حياة لطفي وينتابه الغضب وتستبد به الحيرة، الى درجة وجد نفسه ممزقاً بين مكانين وعائلتين وحياتين. ويرى الناقد الكيبيكي روبير بوراسا، أن «هذا المشهد الدراماتيكي يلخص مسار الفيلم بأدائه القوي وانفتاحه على الأسئلة حول الرجولة والرعاية والواجب».

أما المشاركة المصرية، فاقتصرت على «ليل خارجي» للمخرج أحمد عبد الله. وتدور أحداث الفيلم حول مخرج مصري يخوض رحلة غير متوقعة تتقاطع فيها أزماته المهنية والشخصية مع أزمات المجتمع ومشاكله في آن واحد. وتتمحور أحداث الفيلم حول 3 أشخاص وهم: مو، وتوتو، ومصطفى، يلتقون في ظروف غير متوقعة تتحكم فيها مشاهد من الإثارة والتشويق والصراعات الخفية التي تدور في كواليس صناعة السينما. فخلال تصوير أحد الأفلام، يكشف النقاب عن فساد المنتجين والطرق غير المشروعة التي يلجأون إليها للحصول على تمويل الأفلام، وغيرها من الخبايا التي لا يعرفها الجمهور. واللافت، أن إدارة المهرجان اختارت الممثل المصري الشاب في هذا الفيلم، أحمد مالك، ضمن «نجوم المستقبل الواعدين»، بين ثماني مواهب من مختلف أنحاء العالم.

والى هذا، عرضت شاشات تورونتو فيلمين، أحدهما «أكاشا» للمخرج حجوج كوكا، كتجربة كوميدية جديدة ونادرة. وتدور أحداثه حول قصة حب غير تقليدية في منطقة سودانية وقعت تحت يد الثوّار.

ويروي الفيلم قصة (عدنان) أحد أبطال الحرب الثوريين، والذي يعشق القتال بقدر عشقه لحبيبته «لينا» التي عانت معه طويلاً، وعندما يتأخر «عدنان» عن العودة بعد إجازته الى وحدته العسكرية، يصدر قائد التعليمات «أكاشا» أوامر تقضي بمطاردة الجنود المتغيبين والقبض عليهم.

وفي هذا السياق، توقف الناقد الكندي جان روي، عند «قصة الحب الاستثنائية والساخرة في زمن الحرب الأهلية السودانية، بما فيها من معاناة، ومقاومة، واستمرار للحياة في ظل قسوة الحرب».

أما الفيلم الآخر، فهو «ملاعب الحريّة» للمخرجة نزيهة عريبي التي رصدت مجمل الحياة الاجتماعية والسياسية في ليبيا بعد الثورة. وطرحتها من خلال قصة فريق كرة قدم نسائي تصارع عضواته في مواجهة المجتمع الذكوري والنظرة المتخلفة السائدة للمرأة لدى بعض الشرائح المجتمعية، التي لا تزال ترفض خوض المرأة ميادين الحياة كافة.

يشار الى أن الصفحة الرسمية لمهرجان تورونتو قد نشرت صورة من كواليس هذا الفيلم الوثائقي، وعلقت عليها بعبارة: «ملاعب الحرية جوهرة سينمائية وعمل وثائقي مميز ونادر».