الشعبويّة بين ضفتي الأطلسي

مصطفى زين |

وصلت الأحزاب الشعبوية في إيطاليا وهنغاريا والنمسا إلى السلطة. بدأ تأثيرها يتعاظم في سائر القارة الأوروبية. وكانت «الجبهة الوطنية» في فرنسا سجلت تقدماً لا يستهان به في الانتخابات الرئاسية على حساب الجمهوريين والحزب الاشتراكي، الخصمين السياسيين التقليديين، وتقدم حزب «باغيدا» في ألمانيا. أما في بريطانيا، فلم يسجل حزب» الاستقلال» أي نجاح ملحوظ لأسباب كثيرة، أهمها أن اليمين المحافظ يتولى السلطة، وهو لا يقل شعبوية عنه. ولعب الحزب دوراً كبيراً في الاستفتاء على الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، بفضل نايجيل فراج الذي يشن حملة واسعة على النخب، مستعيناً بصداقته الحميمة مع دونالد ترامب وأركان إدارته.


المشترك بين هذه الأحزاب الشعبوية أنها كلها ضد الاتحاد الأوروبي، تأخذ على الطبقة السياسية والدولة العميقة أنها نخبوية، قيمها الديموقراطية وتسامحها أتاحا للمسلمين والمهاجرين من دول العالم الثالث «احتلال» القارة، ويجب أن تزول لتحل مكانها طبقة جديدة لها رؤاها وأيديولوجيتها وإعلامها وأساليبها المختلفة في الحكم، ولا تقيم وزناً لهذه القيم ولا تتورع عن طرد كل «غريب»، حتى لو كان ولد فيها، أو كان من الجيل الثاني والثالث من المهاجرين.

باختصار، يمكن مقارنة طروحات هذه الأحزاب بطروحات الفاشية والنازية التي سادت القارة في ثلاثينات القرن الماضي وأربعيناته، وكانت أحد أسباب الحرب العالمية الثانية.

عقدت هذه الأحزاب مؤتمرات عدة، في محاولة لتوحيد صفوفها، منها مؤتمر في بودابست، برعاية رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان، وحضور قوي لكبير مستشاري ترامب السابق ستيف بانون الذي انتقل من الولايات المتحدة إلى بروكسيل لدعم الأحزاب الشعبوية الأوروبية مالياً وإعلامياً كي تشكل الأكثرية في البرلمان الأوروبي وتفكك الاتحاد من الداخل. والتفكيك من الداخل نظريته عندما كان مستشاراً في البيت الأبيض وخلال الحملة الانتخابية، ويطبقها ترامب في الشرق الأوسط، بدلاً من شن حروب لا طائل منها تكلّف واشنطن بلايين الدولارات، فضلاً عن القتلى والجرحى، مثل حرب العراق المستمرة حتى الآن وقبلها حرب أفغانستان.

بانون يقول عن أوربان إنه «كان ترامب قبل ترامب، وهو بطل قومي كبير»، ويوضح أن «انتفاضة القوميين الشعبويين في أوروبا سبقت الرئيس الأميركي بسنتين بفضل نشاط فراج وأوربان وزعماء الأحزاب الإيطالية والجبهة الوطنية الفرنسية».

تطرح مفاهيم بانون وأقرانه ضد النخبوية في أوروبا وأميركا سؤالاً كبيراً: كيف تكون شعبوياً وأنت من النخبة المالية البعيدة من هموم الناس؟ وكيف تنشر أيديولوجيتك في أوساط الفقراء؟

قد يجيب عن هذا السؤال وصف ترامب بأنه يفتعل الشعبوية ويصدقها (pseudopopulist)، يستغل الجوانب الإيمانية لدى الشعب، مستعيناً بالدين، وربما بالخرافات التي ما زلت راسخة لدى الغالبية، حتى في البلدان المتقدمة (في البيت الأبيض حلقة دراسية تبحث في أساطير التوراة يرأسها نائب الرئيس مايك بنس)، كما يستعين بالرهاب من الأجنبي (مسألة المهاجرين المكسيكيين) وبنشر الرعب من كل ما هو غريب، والشك في أي قيمة غير القيم الأميركية التي يجب نشرها بالقوة في أنحاء العالم، ومن أجلها يضحي الجنود بأنفسهم، على ما تروّج البروباغندا الحربية الأميركة.

المفارقة الغريبة أن «الجماهير» تصدق هذه اللعبة المكشوفة، على رغم أن لاعبيها يكذبون، فترامب، على سبيل المثال، وعد الأميركيين، كل الأميركيين، بمن فيهم السود والهيسبانيول، بالرفاهية. لكنه ألغى ضرائب كثيرة تطاول الأغنياء، كما ألغى الضمان الصحي الذي يستفيد منه الفقراء الذين يعانون البطالة والمرض، إلا أنهم يصفقون له ولإدارته لأنه يطرد الغرباء ويفرض الحظر على دخول مواطني دول إسلامية إلى الولايات المتحدة.

وللمثال على الشعبوية أيضاً، يمكن العودة إلى استفتاء البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي، فأكثرية الموافقين كانوا من مزارعي الريف وسكان المدن الصغيرة والعجائز، حيث ينتشر الخوف من الأجانب. على رغم أن قوانين الاتحاد تلحظ مساعدات كبيرة لهؤلاء المزارعين.

الجهل والتعصب ينشر الشعبوية على ضفتي الأطلسي.