إضافات على هامش كتاب «خطاب الرحلة المغربية إلى الحجاز»

(ويكيبيديا)
الحسن الغشتول |

عندما تصفحت مواد العدد 20224 من جريدة «الحياة»، ليوم السبت 17 آب (أغسطس) 2018 الموافق لليوم السابع من ذي الحجة 1439هـ، ووقفت عند الدراسة القيمة والمتأنية للأستاذ الدكتور عصام السعيد عن مؤلفي «خطاب الرحلة المغربية إلى الحجاز»، ألفيت رغبة في أن أتحدث في مقالي هذا عن بعض أوجه الصلة بين الرحلة والتاريخ، إكباراً وتقديراً من جهة، للمجهود العلمي الرفيع الذي يقدمه الدكتور عصام أستاذ تاريخ مصر والشرق الأدنى القديم في جامعة الإسكندرية، ومدير مركز الخطوط في مكتبة الإسكندرية، وسعياً من جهة أخرى إلى تعميق الحوار في قضايا وظواهر تاريخية تظل مثار اهتمام الباحثين، خصوصاً من يهتم منهم بعمق الصلات الثقافية بين المشرق والمغرب.


فلعلنا نخطئ إذا سعينا إلى قراءة الرحلة العربية في حدودها الجغرافية الضيقة، حيث إن الصلة بين علماء المغرب والمشرق العربي لم تنقطع قط حتى في أحلك الظروف وأشدها بلاء. ومظاهر هذه الصلة القوية ما خلت منها نصوص رحلية مجدت عالمها الروحي الأمثل، واستمسكت بثوابتها، وما لمسنا قط وجود قطيعة أحدثتها لغتها وأوفاقها مع الشرق.

فما من مزية أو خاصية جمالية تفردت بها هذه النصوص، إلا وهي إضافات ابتكارية ترى كلما انعقدت موازنة صحيحة، لا تشيل في الميزان. ويكفي هنا أن نستدل على ذلك بالرجوع إلى أصحاب هذه الآثار، وتحديداً إلى معارفهم الخلفية التي هي مصدر كثير من الأحكام والقيم والمعايير بالنسبة إليهم؛ فهذا صاحب رحلة الرياحين الوردية محمد المكي بن ناصر الدرعي ممن لا يكلفون سيرة الفرد المجرد عن تاريخه الروحي، أو وطنه الثقافي الكبير. ولعل الطريف في مؤلفه فتح الملك الناصر، كما يقول د. عبدالله المرابط الترغي أنه ليس إجازات تخص رجلاً واحداً معيناً، وإنما هي أسرة متعددة الفرد، فيها الآباء والأبناء والأحفاد، وتشمل المدة الزمنية التي تنتمي إليها هذه الإجازات قرناً من الزمن تقريباً وتمتد إلى منتصف القرن الثاني عشر للهجرة وتتسع رقعة انتمائها فهي صادرة من شيوخ مغاربة ومشارقة.

إن أدب الرحلة عامة هو وليد التاريخ، والرحلة العربية في العصر الحديث على الأخص، لا تفهم مقاصدها إلا باستيعاب العمق التاريخي للمرحلة التي عاش فيها الرحالة، بمختلف آثارها وامتداداتها؛ وفي هذا الصدد يذكر جمال زكريا قاسم أن التدهور الذي أصاب العالم العربي في القرن السادس عشر، يمكن إرجاعه أساساً إلى ما أصاب الخليج من غزو استعماري واقتصادي ممثلاً في طلائع البرتغاليين إثر اكتشافهم طريق رأس الرجاء الصالح ونجاحهم في السيطرة على نقاط الخناق العربية في البحر الأحمر والخليج العربي، إحكاماً لسيطرتهم الاحتكارية وضماناً لتحويل تجارة الشرق إلى الطريق الجديد. ونجد في إشارته هذه ما يهدينا إلى ضرورة استحضار البعد التاريخي للرحلة العربية في زمن تغيرت فيه موازين القوى لمصلحة الغرب. ويندرج ضمن هذا مطلب البحث في صفة الاعتداد بالذات، من خلال كتاب ناصر الدين أو مختصر كتاب رحلة الشهاب الذي يكتسي أهمية خاصة لكونه «أهم مصدر تاريخي أندلسي كُتب بعد صدور قرار النفي، فصاحبه يتكلم وهو بمنأى من محاكم التفتيش، يجادل المسيحيين واليهود، ويستعرض من خلال ذلك ما فعله الإسبان بالموريسكيين، وظروف انتقال هؤلاء إلى شمال أفريقيا». فهذه الرحلة موشوجة إلى تاريخها الخاص والعام؛ حيث يدافع صاحبها عن عمقه الموريسكي، ويتصدى للاتجاه الداعي إلى أفول الحضارة العربية. ويهمنا أن الحجري جعل مقام رحلته يتسع، ليستوعب حكيه عن المناظرات التي أجراها مع غير المسلمين، متخذاً من هذه الرحلة مناسبة لبيان صحة آرائه وبطلان آراء خصومه، استناداً إلى جملة من البراهين والحجج. لهذا، يفصح عن نيّته في أن يكون خطابه الرحلي شديد الصلة بروح المناظرات.

غير أننا نعتقد أن مزية الكتابة السردية عند الحجري، لا تكمن في الجدل وحده، بل في ما تحمله أيضاً من قيم معرفية وحضارية تتمثل في وصف هذا الرحالة لبعض البلدان وصفاً يلمّ بذكر حال النظم والسياسة والعادات والمذاهب المتبعة فيها. لا نلمس الجدوى في البحث عن معنى هذا الخطاب في منأى من التاريخ. بل لا معنى لما يقوله الحجري فيه، إلا من خلال الحقائق التاريخية الظاهرة والمتسترة التي تحملها ملفوظات تلونت بلون سردي وتوشت بوشي بلاغي. لذلك، نعتقد أننا لا نجافي الحقيقة حين نرى أن لتحشية الحجري رحلته ببعض الأخبار التاريخية، وببعض الظواهر المتعلقة بتاريخ الأديان، مقاماً في السَّنن التأويلي. بذلك، تكون عملية بناء المعنى التي يقوم بها القارئ هنا، عملية إرجاعية.

ولا أستطيع أن أتوسع في بيان علاقة الرحلة العربية بسياقاتها التاريخية من دون أن أعبر عن إعجابي بما اختزله الأستاذ الدكتور عصام السيد عن الرحلة الإبريزية لأبي الجمال الفاسي، من خلال محورية الصدق في الإعلام.

ولسنا من المغالين إذا قلنا إن خطاب الرحلة الإبريزية، له صلة وطيدة بالأحكام والتصورات التقويمية الخاصة بالمرحلة التاريخية التي ينتمي إليها. لكننا لا نستطيع أن نستوعب ما جاء في هذه الرحلة الاستيعاب الصحيح الذي نقدر به الأشياء حق قدرها، ونتجنب فيه قياس الأفكار والظواهر الثقافية، على مقاييس وأحكام يعظم حولها الخلاف، إلا إذا درسناه بوصفه سيرورة أفعال واستجابات لا تنفكّ مواثيقها عن مقاصد العملية التخاطبية في الرحلة برمتها. فلا بد لنا من أن نعد هذه الرحلة اتجاهاً متنامياً يستفيد منه القارئ معرفة مؤسسة تتحصل لديه بعد جولانه الفكري بين أطوار النشأة والتوجيه والتسخير. ونقدّر أن يكون القارئ في جولانه ذا بصيرة لغوية وذا حاسة نقدية، حتى لا تكون قراءته ضرباً من ضروب الاجتراء في تأويل المعنى تأويلاً مغلوطاً بأن يقوِّل صاحبه ما لم يقله، أو ضرباً من الاجترار حيث لا ينفرد عمله بخصلة علمية جليلة.

لا نفهم الرحلة الإبريزية إذاً، من غير استحضار النشاط الديبلوماسي المقترن بها، وفهم ما قد يترتب عنها، وما قد توحي به من الشعور بالحاجة إلى تأسيس كيان قوي يضاهي الغرب، علماً منا أن الحاجة إلى هذا الكيان القوي فُسّرت تفسيراً عملياً ببذل الدولة المغربية - لاحقاً - لجهود إصلاحية ترمي إلى خلق توازنات جديدة تتمثل في إعادة المغرب الاعتبار لنفسه، وتصديه للنفوذ العسكري والحضاري الأوروبي. وبعبارة أخرى، نقول إنه كان على المغرب أن يتحفظ في علاقته مع الغرب الاستعماري، وكان مقضياً عليه في الوقت ذاته أن يقتبس من آلياته ونظمه، ويقيس تقدمه عليه في مجالات عدة.

أعود إلى إشكال الخاصية الأدبية وموازين التاريخ، لأشير إلى أن الرَّحّالة العربي الموضوعي لا تخرجه عن مجرى التاريخ منازع الوصف والتخييل التي يختارها، ولا يبعده من روح العلم إيغاله في عرض مشاهداته العينية طالما اهتبل فرصة التقائه بالآخر ومعاينته آثاره وأسراره التاريخية وآدابه ومأثوراته. ليس من شيء يستطيع أن يجرده من العلم في ذلك كله، بل هو أحرى أن يسلك مسلكه في ظلال من المتعة والتأثير، فيقدم المادة التاريخية التي تنكشف للناظر عن بهاء في اللغة وحلة في التصوير. وما من شك هنا، في أن الأسلوب الأدبي هو الذي يلائم زمن الرحلة الذي يتراءى فيه اشتباك العوامل النفسية وانصهارها بالعقل والخيال. كما لا نحتاج إلى استجماع الأدلة لنثبت ما نقول، وإنما يكفي أن نتفهم سر التأثير البلاغي للرحلات الاستكشافية الغربية بدافع التمهيد للاستعمار.

لهذا، من المفترض أن ينساق الرَّحّالة إلى الكتابة وهو مزود بقدر من المعرفة التاريخية. وهذا يعني أننا نتشوف إلى أن يكون خطاب الرحلة في العصر الحديث جواباً أو رداً ضمنياً على أسئلة الوجود التاريخي.

فعلى هذا الوجه، يستقيم النظر إذاً، إلى النصوص الرحلية من موقع تفاعلها داخل سياقها العربي العام، من المحيط إلى الخليج، من دون إغفال لمواطن الخصوصية التي تسم قطراً من الأقطار وذاتاً أدبية ضمن الذوات.

من هذه الناحية، يكون أول ما نتنبه إليه ونحن نقف عند إشكال الخاصية الأدبية وموازين التاريخ، هو الوشيجة التي تربط الرحالين بفكرة المصير التاريخي المشترك؛ حيث واجهت جميع البلاد العربية في عصرها الحديث مصيرًا واحداً، إذ كانت وجهة للأطماع الاستعمارية، فالإنكليز يسعون من جهة إلى السيطرة على سواحل الخليج وتأمين معابرهم إلى الشرق، وهولندا تتحالف من جهة أخرى مع بريطانيا من أجل ضرب الأسطول البرتغالي المنافس لهما عام 1635، بعد إذ أضحى النصف الأول من القرن السابع عشر بداية العصر الذهبي للأراضي المنخفضة، حيث دخلت فيه الأقاليم الهولندية في حرب مع إسبانيا للحصول على استقلالها. ولم يمض وقت طويل حتى كانوا وضعوا قدماً راسخة في التجارة الشرقية.

ونشب خلاف بعد ذلك بين الإنكليز والهولنديين لتصل حدة التنافس بينهما إلى حرب اندلعت عام 1652.

ثم لم تعد لهولندا سيطرة على الخليج العربي، خصوصاً أن الحروب أجهدتها، كما صارت فرنسا قوة استعمارية منافسة جديدة، مع تنامي نشاط شركة الهند الشرقية الفرنسية East India Company, French التي تأسست عام 1664. وبظهور الإمبراطورية البريطانية في الهند إلى الوجود، أصبح من المحتم أن تكتسب منطقة الخليج العربي أهميتها السياسية والاستراتيجية بالنسبة إلى تلك الإمبراطورية بسبب قرب موقع المنطقة من خطوط المواصلات البريطانية إلى الهند.

واحتد الصراع بين الإنكليز والفرنسيين ودخل البلدان في نزاعات كبيرة شجعت على اشتعال فتيل الحرب، وكان أن شهد العالم فصلاً دموياً جديداً للصراع الطويل بين القوتين الاستعماريتين، فقامت حرب السنوات السبع ما بين 1756 و1763، وهي التي حاربت فيها فرنسا، والنمسا، والسويد، وروسيا، وساكسونيا ضد روسيا، وهانوفر، وإنكلترا.

ولم يستقر هذا التنافس على حال، إذ بعد ثورة بونابارت عام 1789، عملت فرنسا على توسيع مناطق نفوذها من أجل تحقيق حلم الإمبراطورية العظيمة، فأولت الخليج عناية كبيرة. وهذا ما تصدت له بريطانيا بأن سخّرت سياستها لنهب خيرات الشرق والخليج بخاصة. وبعد حملة نابليون على مصر عام 1798، قوت إنكلترا حضورها وثبتت أولويتها في منطقة الخليج ضد الوجود الفرنسي. ثم طغت على مسرح التاريخ أحداث جديدة هي وليدة الواقع؛ فقد صار النفوذ البريطاني مثلاً في الساحل الجنوبي للخليج العربي غير قادر على كبح نزعات التحرير، بل لما باتت السفن البريطانية العابرة في مياه الخليج مستهدفة ومهددة تهديداً حقيقياً، ومن ثم سعت الحكومة البريطانية في عام 1805 - وفق ما تذكر الوثائق التاريخية - إلى التصدي الجذري لخطر القرصنة.

قلت أن مصير البلاد العربية كان واحداً، ومن ثم لم تكن بلاد المغرب في معزل عما يتم تدبيره من مخططات تستجيب لمطامع المستعمرين. ولقد جسدت رحلات في هذا السياق وعياً عميقاً بلحظتها التاريخية الدقيقة، ومن تلك الرحلات رحلة إتحاف الأخيار للجعيدي. ولعلها رحلة تستدعي إحاطة شاملة ودقيقة بالمرحلة التاريخية التي واكبها الجعيدي، والتي شهد المغرب فيها صراعاً ديبلوماسياً مع قوة غربية تسعى إلى بسط نفوذها، وتثبيت امتيازاتها في المغرب، مع تعبيدها الطريق أمام تفكيك أوصال الدولة المغربية لاستيطانها استيطاناً نهائياً في المرحلة الأخيرة من تطبيقها مخططها الاستعماري.

لقد كان التوجه نحو إصلاح نظام الحماية في عهد السلطان الحسن الأول رد فعل طبيعياً تمليه طبيعة التحديات التي كانت تواجهها دولته. بل إن هذه الدولة دخلت منذ أواخر القرن التاسع عشر في طور الاتصالات الديبلوماسية التي يفترض أن المغرب قدر فيها ما يهيئه له الغرب من مخططات لمغالبته، وإذلاله قصد التحكم في شؤونه الداخلية تحكماً مطلقاً.

وفي هذا المنحى، نؤثر التماس النظر إلى نواة فكرة الإصلاح والتحديث من خلال الرحلة ذاتها. فهل نشأت تلك النواة ونمتْ وهي مقترنة بالموقف الرسمي وحده، أم كانت أمارة دالة على اختمار وعي حضاري عميق له وشائج قوية بالحركة الذهنية للمجتمع المغربي برمته؟