التديُّن الجَمْعي: المجال والتحرر

مسفر بن علي القحطاني |

في البداية يمكن أن أضع مسلَّمة اقتنع بها غالب البشر منذ أقدم العصور، وهي حاجة الإنسان إلى الدين أو في شكل أدق حاجته إلى الإيمان؛ وبما هو ورائي(غيبي) له قدراته العظيمة التي تمنح المؤمن الحب والخوف والرغبة في الطهورية والخلاص، هذه الحاجة الروحية إلى الإيمان تنامت معها الحاجات الأخرى للإنسان، وأقصد بها: حاجاته العقلية والنفسية، فالروح المستأثرة بالإيمان سمحت للعقل في البحث عن براهينه وحججه للتصديق والإثبات، وأنتج العقل الديني مع الزمن؛ التراث التفسيري المعروف لدى الأديان، وسمحت الروح أيضاً للنفس أن تحقق حاجاتها من هذا الإيمان؛ من خلال طقوس وممارسات بدنية تشبع المشاعر والعواطف بالوجد والحب والتماهي في الآلهة وفق طبيعة تلك الديانات ورمزياتها المتخيلة.


وفي هذا المقال سأسلط الضوء على علاقة التدين الذي نستنبطه من الإيمان؛ مع تلك الحاجات النفسية الباطنية المتلبّسة بأصل الدين، ومدى انعكاساتها على واقعنا المعاصر، وذلك من أجل فهم أعمق للظاهرة الدينية في إطارها الاجتماعي، هذا النزوع إلى دراسة التجارب النفسية للمتدين؛ ليس للحكم على الدين صحةً أو فساداً، وإنما محاولة لفهم الترابط النفسي بين الدوافع والاحتياجات النفسية وبين السلوك الظاهري للمتدين، وهو ما أصبح يطلق عليه بـ «علم النفس الديني» فمع أهميته البالغة في التحليل النفسي إلا أن حجم الاهتمام به في المجال الإسلامي لا يزال ضعيفاً للغاية، وفي صدد أهمية هذا العلم يعرّفه الدكتور سيريل بيرت بأنه: «علم يبحث في الظاهرة الدينيّة؛ نشأتها وتطوّرها ونموها بالتركيز على سلوك المتدين، وما يحكمه من عمليات ذهنيّة وانفعالات، وما يمكن أن يكون له من أثر في الحياة النفسية للفرد في شكل يساعد على فهمه وتفسيره والقدرة على التنبؤ به بغية إيجاد سبل ضبطه وتعديله والتحكم فيه.» (انظر: علم النفس الديني، سيريل بيرت، ترجمة سمير عبده، طبعة دار الآفاق الجديدة، ص 11)، وبناءً على هذا المنحى العلمي والنفسي في النظر إلى السلوك الديني، يمكن أن نجري مقاربة واقعية شاهدةً على هذا التداخل بين الدوافع النفسية وممارسة التدين في إطار جمعي عام، فالتجربة التدينية التي مرت بها الصحوة الإسلامية خلال فترة الثمانينات حتى بداية الألفية الثالثة، كانت من وجهة نظري مليئة بحالات نفسية اكتسبت طهورية تدينية بالغة في التأثير العام، وذكر الشواهد في هذا المقام ضروري لتقويم التجربة ونقدها، فالالتزام الديني واسع الانتشار آنذاك كان لدى البعض وسيلة لتحقيق الذات المهمّشة بالفقر أو الفشل؛ فيتم الهروب من هذا الواقع بالنزوع نحو التدين الظاهري الذي يرفع الفرد نحو البروز وعلو الشأن والتصدر في المجالس؛ يحصل ذلك بمجرد إطلاق لحيته ولبسه الجلباب والعمامة وترديد بعض الخطب الوعظية، كما برزت في الفترة ذاتها صعود الوعظ العام وشهرة القائمين به، مع سهولة التنافس والريادة على منابره السمعية والمرئية، فحتى الطبيب والمهندس والتاجر كان من السهل أن يصعد اجتماعياً من خلال هذه المنابر ويتحول إلى رمز جماهيري بتوظيف شكله أو صوته أو بلاغة حديثه في هذا المضمار الشعبوي؛ بل أصبح التيار التديني العام يفترض أحياناً أعداء وهميين لصناعة شعبية جماهيرية تحتمي برموزها من خلال التخندق معهم والسيطرة على عقولهم لأجل حمايتهم من ذلك العدو المتربص، ولا ننسى أن رواج تفسير الأحلام ومتخصصي الرقية على المرضى وادعاء شفاء جميع الأمراض المستعصية كان بارزاً في الحالة الجمعية للتدين آنذاك، ومن الشواهد المرَضية أن أسامة بن لادن في أحد تسجيلاته الشهيرة كان يقرر بكل اطمئنان يقيني أن الأحلام والرؤى تؤكد له ولأتباعه أنهم على الحق في ما يفعلونه من إرهاب وتدمير وحشي، كما أن الكبت الجنسي؛ وهو أحد العلل النفسية المنسية، كان دافعاً للبعض في معاركه مع المرأة (حجابها، وعباءتها، ورياضتها، وقيادتها للسيارة) في شكل خرج عن الواقعية إلى المثالية المفرطة، رافق هذه الحالة؛ مبالغة البعض في خطابهم الدعوي بالتركيز الإغرائي لأوصاف الحور العين؛ ربما أكثر من حديثه عن عظمة الرب سبحانه وتعالى. هذه الشواهد وغيرها كوّنت حالات تدينية نفسية واجتماعية، سرعان ما أصابها الذوبان عند نضج الإنسان عُمرياً، أو ضمور أحد الدافع النفسية لديه، أو وصوله إلى ما كان يطمح إليه، أو تعلقه بمظاهر مجتمعية أخرى أصبحت أكثر إغراء من التدين الجمعي الذي كان عليه، هذه التحولات أصابت التيار الصحوي العام بالضمور الذاتي بصورة أكبر من أي أسباب خارجية أدت إلى هذا الضعف.

وبعد هذا التوصيف الموجز للعلاقة النفسية بين التدين والدين، أحاول بناء بعض الرؤى التي يمكن أن تساعدنا في معالجة بعض ترسبات هذه الظاهرة في واقعنا المعاصر من خلال النقاط الآتية:

أولاً: لا يزال هناك البعض من المنتمين إلى بعض الاجتهادات الصحوية؛ أسرى مواقف وأحداث ساهموا في صناعتها لقناعاتهم السابقة بها، وتبين لهم مع الأيام والنقاشات التي حدثت في الماضي القريب خطؤها وعدم صلاحيتها، ومع ذلك لا يزال موقفهم صلباً في تأييدها وثابتاً في الدفاع عنها، وهذا الموقف المتصلب يبررونه ويدافعون عنه بأنه موقف أخلاقي ومروءة وشجاعة تقتضي البقاء والثبات، وأعتقد أن هذا الوهم النفسي لا يزال يتحكّم في الكثير ويجعلهم أكثر تردداً في الرجوع عن مواقفهم؛ لأنها تُفسّر عند البعض من أصحابهم؛ تخاذلاً وضعفاً، وغالب المنتمين إلى الحركات الدينية يقعون في هذا الفخ النفسي مع علمهم أنهم يعيشون مغالطة عظيمة مع أنفسهم وواقعهم.

ثانياً: هناك أنساق تدينية اجتهادية وسلوكات دينية متوارثة، من الصعب جداً مخالفتها، لأن تعاقب الأيام أكسبها قوة، والصمت عنها جعلها صامدة لا تتزحزح في الأذهان، وما إن يأتي أحد لفتح باب الجدال حولها إلا ويصاب بلعنة الإحداث أو الابتداع أو المخالفة؛ لأن تراكم الزمان وصمت الأجيال أوجد بيئة صلبة تشكلّت حول تلك الأنساق، التي يعيش عليها الكثير، ومنها يكسبون قوتهم ومناصبهم وحظوظهم الدنيوية، فأي محاولة للتغيير أو حتى التشكيك؛ فإن جيشاً مجهزاً بأسلحة السب والشتم والهرطقة قد تصيب أولئك المغامرين. ويمكن أن نفسّر تراجع الإمام ابن عقيل الحنبلي عن بعض آرائه عندما قال: «كان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً، فأوذيت من أصحابي حتى طلب الدم» (ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب، طبعة مطبعة السنة المحمدية القاهرة 1953م، 1/ 143) حتى أعلن توبته، وكتبها بخطه سنة 465هـ، وبغض النظر عن قناعته أو اضطراره للتوبة، هناك تأثير نفسي هائل يصيب الإنسان عندما يرنو التحول عن اجتهاداته وآرائه خصوصاً تلك التي حصلت في إطار التدين الجمعي، والشواهد التاريخية كثيرة؛ فقد حصل لابن تيمية من تشويه السمعة والرمي بالسجن حتى توفي رحمه الله عام 728ه كان السبب في ذلك؛ أراؤه الفقهية المخالفة لما توافق عليه المجتمع الديني من موقف صلب، مثلما حدث في مسألة عدم وقوع الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد والحلف بالطلاق وغيرها من المسائل الكلامية.

ثالثاً: هناك شاهد مهم في هذا السياق يعتبر من أبرز وأهم الشواهد على صعوبة الانعتاق من أنساق التدين الجمعي؛ وهو ما يحصل هذه الأيام من كل عام في ذكرى عاشوراء الغارقة في الاستلاب العقلي والواقعة في الارتهان النفسي العاطفي وفق مورثات الصراع السياسي الذي يجب أن يعيشه كل شيعي ويحي ذكراه كل عام وفق تنامي مطرد بين كثرة الطقوس المغيبة للعقل وما يقابلها من جدل عقلي في أصل الحادثة ورواياتها وصدقية حدوثها في هذا الشكل الملحمي، هذه الحالة لا يمكن أن تخفف من غلواء الصراع المذهبي في أي مكان يجتمع فيه السنة والشيعة، ولا يمكن أن نتصور تعايشاً حقيقياً يمكن بناؤه في أرض الواقع؛ وموقد ملحمة عاشورا لا يزال يتأجج كل عام ليثير الأحقاد والمواجهات كي تعود للمشهد السياسي كلما سنحت فرصة الانتقام من أعداء الحسين رضي الله عنه المتخيلين، هذه الحالة الواقعية تقابل من كثير من علماء وعقلاء الشيعة بالنقد وضرورة المراجعة، لكنها تستلزم شجاعة وقوة، كي تقاوم عاطفة المهووسين بتلك الطقوس الثورية، فالعقل كثيراً ما يخسر جولته الأولى عند التهاب العواطف، ولكنه يكسبها عندما تضعف تلك الثارات من النفوس. وهذا هو المأمول من أجيال الانفتاح والتعايش أن تكسب الرهان لمصلحتها بدل العيش في حقب الوهم سنين أخرى.

وختاما... نحتاج في معالجة هذه الظاهرة إلى أن نعيد الاعتبار والأهمية لأصل الدين والأيمان، هذا الأصل النقي في منبعه والظاهر في دلالته التي لا تستغلق في فهمها على الصغير والكبير، وتؤسس في الأتباع صدق الإتّباع لله تعالى ولرسوله الكريم الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق، فما أن يعود المجتمع إلى هذا لأصل إلا وسيجد أن قلاع الوهم النفسي التي بنيت حوله قد زالت في أول خطوة صادقة نحو العودة إلى نبع الإيمان الصافي. يقول العالم النفسي اللاهوتي كارل غوستار يونغ (1875-1961م) :» على حين غرّة بعد أن درست الكتب الفلسفية وفرضيات الفلاسفة الخيالية عن الله أدركت أن الله على الأقل بالنسبة إلي أحد أكثر التجارب الموثوقة غير المحتاجة إلى وسيط» (كتابه: الذكريات والرؤى والأفكار ص 60، منقول من مجلة الاستغراب عدد الربيع 2016 ص 75)، وصدق الله تعالى:» اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ» (سورة الأعراف، 3).