مصر تختبر نظاماً تعليمياً يواجه «تحديات جديدة» ... والطلاب مشتتون

داخل إحدى المدارس المصرية (ويكيبيديا)
القاهرة – رحاب عليوة |

مع مطلع أيلول (سبتمبر) الجاري، انتظم محمود هاني (16 عاماً) في دروس خصوصية لكل المواد في منزل أحد أصدقائه في إحدى قرى المنوفية (دلتا النيل) لبدء تدارس منهج الصف الأول الثانوي قبل نحو ثلاثة أسابيع من إطلاق العام الدراسي رسمياً في 22 من الشهر.


وعلى رغم أن الانتظام في تلك الدروس قبل بدء العام عادة ترسخت في مصر منذ سنوات، مع الإقبال المكثف على الدروس، ما يستدعي سرعة البدء لضمان موقع في إحدى المجموعات، كان حرص هاني وزملائه على الخضوع للعادة نفسها ذلك العام، وهم الدفعة الأولى التي ستخضع لتغيرات في التعليم الثانوي، إذ إن القائمين على التعليم في مصر راهنوا على أن تقضي المنظومة الجديدة تلقائياً على الدروس الخصوصية وإحداث ثورة هائلة في التعليم، ومجرد أن الإيمان ذاته لم ينتب الطلاب والأهالي الذين لجأوا كالعادة إلى تلك الدروس، فإن ذلك يضع النظام الجديد محل شك وتساؤلات!

والحقيقة أن ليس الشك فقط ما ينتاب النظام الجديد، بل التشتت أيضاً، إذ يقول هاني لـ «الحياة»: «بدأت الدروس قبل أسابيع على المناهج القديمة، حتى ونحن نعلم أن المناهج قد تكون تغيرت في النظام الجديد، لكني لم أملك خياراً آخر». وهو لا يملك معلومات كافية عن النظام الجديد إلا أن الطلاب سيتسلمون «تابلت» مع بداية العام الدراسي يعتمدون عليه في الدروس. وأشار هاني إلى تلقيه وأصدقائه معلوماتهم عن النظام الجديد من المدرسين، وأوضح: «هم أيضاً ليست لديهم معلومات دقيقة حوله، كلنا نترقب بداية العام الدراسي لاختباره».

وطبقت مصر منظومة تعليمية جديدة تسعى إلى تقويض الحفظ والتلقين مقابل ترسيخ مبادئ الفهم والبحث، وذلك على الملتحقين بالمرحلة التمهيدية (رياض الأطفال) وبالصف الأول الابتدائي (التعليم الأساسي) ذلك العام، وكذلك على الملتحقين بالتعليم الثانوي (الصف الأول الثانوي). وعلى رغم محاولات وزير التربية والتعليم المصري الدكتور طارق شوقي تقديم شرح للنظام الجديد في مناسبات عدة من بينها مؤتمرات صحافية متتالية استبقت إطلاق العام، وعلى رغم تدريب الوزارة المعلمين على استخدام التكنولوجيا وتوظيفها في العملية التعليمية، ما زال الغموض يغلف النظام الجديد، والتحديات تحيطه.

وكانت وزارة التربية والتعليم أعلنت تسليم الطلاب الملتحقين بالثانوية العامة جهاز»تابلت» مجاناً مع بدء العام الدراسي الجديد، لكن عملياً لم تستطع الوزارة توفير الأجهزة كما أنها لم تنته بعد من إعداد الشبكات الداخلية في المدارس، والتي ستتيح للطلاب الاطلاع على مادة علمية ضخمة داخل «بنك المعرفة»، وهو يضم مقاطع مصوره لمحتويات مواضيع المنهج الدراسي لكن بتوسع أكبر، كما يحتوي على مناهج النظام التعليمي الأميركي مترجمة، كما تم توفير «16 ألفا و700 فيديو للأطفال على البنك»، وفق الوزير الذي طالب الأهالي بـ»الأخذ بيد الطفل للاستفادة من تلك الثروات الحقيقة».

وعملياً، أصاب إخفاق الوزارة الأول في تسليم الطلاب «التابلت» في المواعيد المحددة سلفاً، كل أضلع المنظومة التعليمية من أساتذة وأولياء أمور وطلاب بالإحباط ومزيد من التخبط، ما حاول رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي نفسه امتصاصه بالخروج في مؤتمر صحافي في 12 أيلول الجاري (الأول منذ توليه الحكومة في حزيران/ يونيو الماضي)، قائلاً: «لا يجب اختصار كل ما يتم من جهد لتطوير منظومة التعليم الثانوي فى موضوع «التابلت»، القضية في تطوير التعليم ليست في وجود التابلت، لكن الهدف هو القضاء على مفهوم امتحان الثانوية العامة، إذ إن المنظومة تستهدف البناء على أداء الطالب خلال فترة دراسته وإزالة الضغط النفسي والعصبي عن الأسرة وإتاحة الفرصة للطالب الذي لم يوفق في امتحان أن يكون لديه الفرصة لتعويض ما فاته، لافتاً إلى نظام جديد لأسلوب تقييم الطلاب على مدار السنوات الثلاث ما يساهم فى تخفيف العبء على الطلاب وأسرهم.

وتعتمد منظومة الثانوية العامة الجديدة على نظام تقويم تراكمي لمتوسط أفضل نتائج الطالب على مدار الثلاث سنوات الدارسية، وبذلك يتجاوز منظومة التقويم ذات الفرصة الوحيدة، حيث امتحان الشهادة الثانوية في نهاية العام الثالث، والتي بموجبها يحصل الطالب على مجموع يؤهله للالتحاق بالجامعة.

وحدد رئيس الحكومة موعداً جديداً لتسليم الطلاب التابلت، قائلاً: «سينتهي إعداد شبكة الإنترنت داخل المدارس كافة في غضون 4 شهور تحديداً في منتصف كانون الثاني (يناير) المقبل، والانتهاء من توريد أجهزة التابلت خلال شهرين من نهاية أيلول الجاري»، ما يعني أن شهرين آخرين من الضبابية وغياب وسائل النظام الجديد حتى مع سريانه نظرياً في انتظار الطلاب والمعلمين.

ويقول أستاذ المناهج ومدير الأكاديمية المهنية للمعلمين الدكتور عيد عبد الواحد إن كل عمليات التطوير تواجه ببعض التحديات، وفي المنظومة التعليمية الجديدة والتي تبدو مثالية نظرياً، ثمة تحديات عدة على أرض الواقع تصنف كتحديات بشرية ومادية وأخيراً فنية. وأوضح ان التحديات المادية تتمثل في قدرة الوزارة على توفير أجهزة «التابلت» للطلاب، والقدرة على صيانتها أو إتاحة البديل إذا ما تلف الجهاز أو فُقد من الطالب، وتساءل: «هل لدينا العدد الكافي من الفنيين على مستوى مدارس الجمهورية لمواجهة أي مشكلات فنية في الأجهزة أو المنظومة بالسرعة المطلوبة، وهل لدينا الخطة لمواجهة مثل تلك المواقف بحيث لا يتحول جهاز التابلت إلى عبء إضافي على كاهل الأسرة، خصوصاً في النجوع والقرى الفقيرة التي تفتقر إلى مراكز الصيانة ما يتطلب نقل الجهاز إلى المدينة لإصلاحه في عملية قد تستغرق أكثر من أسبوع؟».

وحول ما إذا كانت رواتب المعلمين المتدنية جزءاً من التحديات المادية في نجاح المنظومة، إذ يحض النظام الجديد المعلمين التخلي عن الدروس الخصوصية والتفاعل مع المنظومة الجديدة في حين لا يحقق أي طفرات في الرواتب، قال عبد الواحد: «هذه نقطة أخرى يجب الالتفات لها، صحيح أن لدينا من المعلمين الشرفاء من لديهم استعداد التفاعل مع المنظومة الجديدة، لكن لا يمكن أن نترك الأمور تسير وفق ضمير كل معلم، فيجب وضع آليات للرقابة على المعلم ومدى تفاعله وتوقيع عقوبات على مانحي الدروس الخصوصية للقضاء عليها، وذلك لا يحدث».

وكان وزير التربية والتعليم قال خلال أحد المؤتمرات لشرح المنظومة الجديدة إن 70 في المئة من مانحي الدروس الخصوصية غير أكاديميين وليست لهم صلة بالتعليم، وأضاف: «نحن نظلم المعلمين بالحديث عن مافيا الدروس الخصوصية»، وأوضح أن المنظومة الجديدة لا تتضمن نظاماً رادعا أو متعقبا للدروس الخصوصية قائلاً: «ما نقوله للآباء والطلاب هو أن الدروس الخصوصية بشكلها السابق القائمة على الحفظ والتلقين لن تفيده في شيء وستكون مجرد إهدار للوقت والمال، لذا لن نتعقبها، فعلى الأهالي أنفسهم أن يقاطعوها»، وتابع: «إذا كانت تفيدك في شيء وفق المنظومة الجديدة وتدعم ما نهدف إلى تحقيقه من قيم الفهم والبحث والتقصي فليأخذ الطالب تلك الدروس».

لكن على رغم تأكيدات الوزير يشير الطالب محمود هاني الى أن المعلم رفض استقبالهم في منزله لتقديم الدرس (حصة دراسية نحو ساعتين في مجموعة تتكون من 10 إلى 15 طالباً بمقابل مادي نحو دولار ونصف في الحصة)، وذلك خوفاً من أن يبلغ عنه أحد فيتعرض للعقاب، وفضل أن يعطي الدرس في منزل أحد الطلاب. وتجدر الإشارة إلى أن الدروس الخصوصية في العاصمة تمنح في الشائع داخل مراكز مخصصة على مرأى ومسمع من الجميع، ويرتفع فيها عدد الطلاب ليصل إلى المئة.

وينتقل الخبير في المناهج عيد عبد الواحد إلى التحدي البشري الذي يواجه النظام التعليمي الجديد، قائلاً: «ثمة تحد بارز في تدريب المعلمين على المنظومة الجديدة، إذ لا توجد دلائل قوية على أن هناك تدريباً حقيقياً للمعلمين في الميدان، كثير من المعلمين ممن تواصلت معهم من محافظات مختلفة قالوا إن التدريبات شكلية، كما أن المناهج لم تصل إلى المدارس بعد، فالمعلمون والموجهون في الوزارة أنفسهم لا يعلمون حتى الآن هل هناك تغيير في المناهج أم أن التغيير فقط في الوسيلة التي ستقدم بها تلك المادة.

وتابع: كان لابد من إدارة حوار وطني في البداية، وأن يتم تطبيق القرار على بعض المحافظات ثم يتم تعميمه، لكن تعميمه مرة واحدة جزء من المخاطرة بمنظومة التعليم.

وعلى رغم التحديات التي تواجه المنظومة التعليمة الجديدة في مصر، لكن سلوك منهج مختلف والسعي إلى ثورة تعليمية، وإن كان تحقيقها أمراً مشكوكاً فيه، لم يكن رفاهية، بل ضرورة حتمية في ظل تردي أوضاع المنظومة التعليمية. المصريون يدركون أوضاع تعليمهم وكل عام تخرج الجامعات آلاف الطلاب غير مؤهلين لسوق العمل وليس لديهم من الثقافة سوى ما سعت قلة منهم لاكتسابه بأنفسها، أما حال التعليم في مصر لمن هم خارجها فيظهر عبر تقويمات عالمية لجودة التعليم، عادة ما تأتي مصر في ذيل قوائمها، ذلك إذا جاءت من الأساس، إذ إنها خرجت من التصنيف كلاً في العام 2015.

وكانت مصر احتلت المركز الأخير في تقرير التنافسية العالمي لجودة التعليم الذي يصدر عن المنتدى الاقتصادي العالمي سنوياً، في العام الدراسي 2013- 2014، وفي العام التالي 2014- 2015 جاءت مصر في المركز 141، في حين يعمد التصنيف إلى ترتيب 140 دولة، أي أنها جاءت خارج التصنيف، وفي العام التالي «2015- 2016» احتلت مصر المركز 139 من بين 140 دولة، وفي العام 2016- 2017 قفزت مصر إلى المركز 134 من ضمن 139 دولة في مؤشر جودة التعليم الابتدائي (الأساسي).

ويؤكد وزير التربية والتعليم المصري الدكتور طارق شوقي أن المنظومة التعليمية الجديدة سترفع مستوى التعليم الحكومي (المجاني) إلى أقصى درجة ممكنة، وخلال مؤتمر للشباب في جامعة القاهرة في تموز (يوليو) حاول طمأنة الأهالي قائلاً: «ليس لدينا شيء لنخسره، فالمنظومة التعليمية في مصر متردية للغاية ونحن الآن نحاول إصلاحها».