ظاهرة طلاق القُصّر تتفاقم في العراق

حالة طلاق محمد وعبير ليست بالأمر الغريب في المحاكم العراقية (شبابيك)
بغداد - خلود العامري |

بأصوات مرتفعة، كان الزوجان يتبادلان الشتائم والتهم، فيما حاول المحاميان المرافقان لهما ولعائلتيهما تهدئة الموقف وتذكير الزوجين بالاتفاق الذي تم قبل يومين لتسوية الطلاق وإنهاء الموضوع عند هذه النقطة.


من ينظر إلى عبير ومحمد لا يظن للوهلة الأولى أنهما متزوجان، إذ يبدوان طفلين قاصرين لم يكملا دراستهما الثانوية. لكن الحقيقة أنهما متزوجان منذ عام، وقررا أخيراً أن يتطلّقا بسبب استحالة استمرار الحياة بينهما، وبقناعة ذويهما الذين كانوا قد وافقوا على ارتباطهما.

كان محمد في السادسة عشرة حين تزوّج خارج المحكمة واكتفى بمباركة رجل الدين قرانه، بعدما رفض القاضي عقده على الفتاة التي اختارها له أهله كون الاثنين قاصرين، إذ لم تتجاوز عبير آنذاك الخامسة عشرة. لكن القاضي نفسه اضطر إلى عقد القران بعدما حضرت الزوجة إلى محكمة الأحوال الشخصية في الرصافة وادعت ضد زوجها لأنه تزوّجها خارج المحكمة. وأحضرت تقارير طبية تثبت حملها منه، وهي حيلة قانونية يلجأ إليها المحامون لتوثيق زواج القُصّر.

عائلتا الزوجين كانتا مصرتين مثلهما على إتمام الطلاق. وكان والد الفتاة يثير زوجها بالقول: «سأزوّجها سيد سيدك»، فيما كانت أم الزوج ترد عليه بعبارات تنتقص فيها من ابنته. وبعد مضي أكثر من 15 دقيقة، خرج الزوجان من المحكمة بعدما وافق القاضي على انفصالهما وتنازلت الزوجة عن نصف مهرها المؤخّر، وفق الصفقة التي عقدها محاميا الطرفين.

آلاف حالات الطلاق تحصل سنوياً بين متزوجين قُصّر في محاكم بغداد وباقي المدن العراقية، إذ تكشف وزارتا العدل والتخطيط عنها، استناداً إلى إحصاءات دورية تعلنها كل ثلاث سنوات أو خمس سنوات أو أكثر قليلاً، تثبت مدى تفاقم ظاهرة الطلاق بين المتزوّجين القُصّر، ومنها المقارنة التي أوردتها تقارير وزارة التخطيط وتظهر ارتفاع حالات زواج القُصّر من 15 في المئة عام 2004 إلى 28 في المئة عام 2013.

وتؤكّد المنظمات الناشطة في مجال حقوق المرأة أن الإحصاءات تفوق المُعلن رسمياً، لأن زواج القُصّر يتم خارج المحاكم ولا يعقد القران داخلها إلا عند حدوث الحمل، وأحياناً يُعقد بعد سنتين أو ثلاث حين يبلغ الزوجان سن الرشد. لذا، فإن غالبية حالات الطلاق تتم خارج المحاكم أيضاً.

الباحثة الاجتماعية سهام علي محسن التي سبق أن عملت في محاكم عدة مختصة بالأحوال الشخصية في بغداد، تؤكّد أن أحد أهم أسباب الطلاق بين المتزوجين القصّر يعود إلى تدخّل عائلاتهم في شؤونهم الشخصية وسكن الزوجين في بيت عائلة الطفل أو الطفلة، فضلاً عن شبكات التواصل الاجتماعي التي باتت من أبرز أسباب الخلاف الذي يؤدّي إلى الطلاق.

وتضيف محسن: «حتى لو لم تكن هذه الأسباب موجودة، فإن الطلاق مصير محتوم للزواج في عمر مبكر، لا سيما أن الزوجين لم يتعديا عمر الطفولة ولا يعرفان شيئاً عن مسؤوليات الحياة وتقاسم همومها. فهما يملكان روحاً طفولية، ما يسهّل وقوع الطلاق بسبب عدم النضوج».

كما تكشف تلك الإحصاءات والأحداث أن طلاق محمد وعبير الذي تم وهما لم يبلغا السن القانونية، ليس بالأمر الغريب في المحاكم العراقية. فقد تزوّج محمد بناء على رغبة أسرته وهو في سن الرابعة عشرة وانفصل عن زوجته بعد ستة أشهر بطلاق خارج المحكمة. لكن توثيقه يبدو أمراً مستحيلاً إلا في حال حصوله داخل المحكمة. لذا، تلجأ منظمات المجتمع المدني إلى الدراسات الميدانية والاستبيانات لكشف الأرقام ولا تكتفي بالمتوافر منها رسمياً.

بصق محمد بقوة على شريكة حياته التي فارقها أمام باب المحكمة بعد توقيعهما قرار الطلاق، فيما تدخّل والده لمنع وقوع نزاع آخر بينه وبين عمه (والد الفتاة). وأوقف سيارة أجرة واستقلها وعائلته مغادراً المكان.