قصائد شيركو بيكه س: سبعون نافذة متجولة

غلاف كتاب سفر الروائح
|

-1-

اليوم، في هذه المدينة، اليوم

فتاةٌ من غيم

قبل أن تهطل

ألقت بنفسها من شرفةٍ خضراء.


آه! لقد أطبقوا عليها السماء!

كانوا يراقبون

الفتاة من غيم من الشرفة:

في الأسفل، مثل زهر الختمية البيضاء

نمت وتفتّحت

وأزهرت ورداً حُمْراً

في الشارع وعلى عتبة البيت!

فتاةٌ من غيم!

-2-

قال الثلج:

اكتب بسيطاً ونقيّاً مثلي!

في الذوبان أيضاً، كُنْ مثلي

غُص عميقاً

في عالم الشعر

اخلق بحيرات ومحيطات!

-3-

في ليلة مقمرة مضيئةٌ

فجأةً

انقطع خيط عِقْدها!

بحث الجميع

عن حبات الخرز تحت الطاولة.

أمّا أنا، فأردتُ أن أعثر فقط على الخرزة

التي كنتُ أراها دائماً

تنام بين نهديها!

-4-

ذات مرّة، في شارعٍ

ضيّقٍ من دفاتري

التقت قصيدتي السياسية مع قصيدتي الغزلية.

حينما تكلمت الأولى

خرج من فمها لهيب نارٍ

أمّا الثانية، فنور قمرٍ عسليّ.

-5-

هذا المساء، كلّ المصابيح مضاءةٌ

ومع ذلك بيتي غارقٌ في العتمة

لِمَ لم تعودي؟!

هذا المساء، كلّ المصابيح مطفأة

ومع ذلك بيتي طافحٌ بالنور

أهذه أنتِ قد عدتِ؟!

-6-

لو لم أعرف ذاك التشرّد

لما أصبحتُ قطّ هذا الطريق

لو لم أعرف ذاك الظلام

لما أصبحتُ قطّ هذا المصباح

ولكن ها أنا الآن أرى

التشردّ والظلام

في عينيكِ!

-7-

حينما كنتِ هناك

وقفت كلماتي أمام نافذة الشعر

حائرة وقلقة دائماً

تسأل وحدتي:

متى ستأتي؟!

الآن وأنتِ هنا

ترحل ورود (أمستردام)

صوب المشرق

تسأل بائع الورد وسلّة الورد

تسأل أصيص الورد وسور الحديقة:

متى ستأتي؟!

لذلك رائحتك زكيّة

وأنتِ رقيقة وحنون

تختالين جيئةً وذهاباً

بين الورد والشِعر!

-8-

في حضرة ليمونتيكِ

حملتُ الليمونة التي على طاولتي، أخذتها إلى البيت

حينما أردتُ تقطيعها

صرختْ

حينما أردت أن أبقيها معي للذكرى فقط

عبست وغضبت منّي

لكن حينما أمسكتها

شممتها وقبّلتها

وعصرتُها بلطف

ضحكت فرحاً ملء غرفتي!

-9-

كانت هديّتكِ لي ربطة عنق

حينما أرتديها في لقاءٍ معكِ

وحاولت أن أستفزّكِ وأغضبكِ

وأُغيظُكِ

بقيتِ صامتة هادئة.

بدلاً من يديكِ،

كانت الربطة تضغط على عنقي

كما لو أنّها تخنقني!

-10-

«رأس» كِ قيثارة

أمسكُ شعركِ بلطف!

تصبح كلّ شعرة في يدي

وتراً

تصبح خصلاتك أوتار ألحانٍ

ورويداً رويداً

تعزف عليها أصابعي!

-11-

الإعصار أيضاً يكتب شعراً!

أحياناً يكتب سهلاً

ولكن حينما تقرأه

يُعمي الغبار والعجاج عينيك

ويغمرك الهشيم والتبن!

-12-

يتغلغل الخريف

ببطءٍ في جسدي.

ها هو الربيع

يسكنُ روحي أبداً.

معاً

تنهمر ابتسامةٌ هناك

ويتفتّحُ ألمٌ هنا.

أنا الآن فصلٌ

خارج الفصول.

أنا الآن قصيدةٌ

يكتبني الشروق والغروب معاً!

-13-

عند مدينة «القُرنة»

كلّ يوم

حينما يلتقي النهران

يتوجّه دجلة إلى الفرات

أو يقول الفرات لدجلة:

كنّا نهرين، هكذا أصبحنا ثلاثة

أنا وأنت ولكن النهر

الأكثر طولاً وعرضاً

هو ذاك الذي يتدفّق

من جسد أولئك الناس!

-14-

ساحةٌ

ومنارة

ومتجر.

في الساحة، وحده

«الرصافي» لا يزال واقفاً

ولم يذهب إلى بيته!

في وسط المنارة

تلوح فقط رقبة مذعورة

لحمامة نحيلة

ومتجرٌ وحيدٌ مفتوح الأبواب

كُتِبَ على واجهته

بخطّ عريضٍ وسيّئ:

بائع التوابيت!

-15-

كانت شجرةٌ معمِّرة نائمة.

هبّت «ريحٌ»

وهزّتها

أيقظتها

ثمّ همست في أذنها:

كم من الأيام يمكنكِ

أن تؤوي

عاشقين مُطارَدين من هذه المنطقة؟!

أعرفُ أنّك تلك الشجرة

التي من أجل عشق ساقيةٍ

قطعوا يدها اليمنى!

صمتت الشجرةُ المعمِّرة لبرهةٍ

ثمّ قالت:

وما فائدة هذا الجوف الدافئ

في أحشائي

إن لم يكن لهموم العشق؟!

ليس كم يوماً

بل إن شئتِ فليظلّا هنا

حتى يُولَد في جوفي

طفلهما البكر!

-16-

في النهار، ارتديتُ «الأزرق السماوي».

ابتسمت لي السماء كلّها.

وحينما حلّ الليل

وهبني القمر قصيدة زرقاء.

ارتديتُ الأخضر الصنوبري

تحوّلت كلّ الحدائق إلى عشّاق وعاشقات

ووهبتني قبلات خضراً وحمراً.

ولكن حينما

لبستُ «أسوَد الأنفال»

تلبّدت السماء بالدخان والضباب

وهبط القمر على كرميان

وأجهش الصنوبر بالبكاء

وصارت الحدائق أرامل!

-17-

تباهى الفيل بقوّته

وبخرطومه

اقتلع شجرةً من جذورها.

تباهى الأسد ببراثنه

وفي وثبةٍ

مزّق غزالاً.

ولكن طائراً هزيلاً مهيض الجناحين

جاء في إثرهم

وجلب بمنقاره غرائس

وزرعها بجانب الشجرة المُغتالة

ولساعات عدة

غرّد ألحاناً حزينة للغزال

ولم يتباه

بطيبة قلبه... أبداً!

-18-

بنسمةٍ واحدة

عرفتُ للمرّة الأولى أوراق خريفي المتساقطة

وبأوراق الخريف

عرفتُ للمرّة الأولى عزلتي

وبالعزلة عرفتُ الغربة

وبالغربة عرفت العشق

وبالعشق عرفتُ الشِعِر!

-19-

كلما سمعت الحديقة

حفيف الأوراق المتساقطة

تحت أشجارها

تبدأ بالدمدمة

وتحنّ إلى عودة ربيع الذكريات!

-20-

في هذا الشرق

فعلتُ كلّ شيء لكي

أضع أمام مرآةٍ واحدة

كلمتي «الحرية» و «المرأة»

على مقعدين متجاورين

ولكن عبثاً، في كلّ مرّة

تأتي كلمة «المجتمع» بشاربٍ متبجّحٍ

وتحت إبطها سجّادة

وتجلس في مكان المرأة!

-21-

امرأةٌ في هيئة

كمنجةٍ في زيّ الحداد

كلّما رأيتُها من بعيد

أصبحُ الأصابع النحيلة لقصيدةٍ

والنوتة التي أمامها

عشق ينتظر واقفاً

وذقني وسادة غيمٍ

لقامتها الحزينة

وإلى حين اختفائها

أكون أنا «الريح»

وهي أوتار

المطر

وأعزف عليها!

-22-

أمام «الكذب»

أريد أن أكون أصمّاً.

أمام موت عزيزٍ

شئتُ أم أبيت

أصبح أعمى، أصبح أبكماً.

وأمام «الحقيقة»

لا بدّ أن أركع

وأنحني

ولذلك

أيام صممي لا تُعدُّ ولا تُحصى

وأيام عماي وبكمي ليست قليلة

أمّا أيام ركوعي

فنادرةٌ... جدّاً!

-23-

شجرة «الصفاف الباكي» امرأةٌ

ركلها الرجلُ في ظهرها

شدّ الرجلُ شعرها

امتطى الرجل أعلى رقبتها

ولهذا هي متهدّلة الأغصان هكذا!

-24-

سقطت وردةٌ مُطارَدة

في طوق لهبٍ

وذبُلت،

منعوها من الوصولِ إلى عشقها.

لكنّها تركت خلفها

قطرة العطر تلك

من روح الذكرى

للحبّ العذري!

-25-

ما عساه أن يكون عشقك؟!

ما أعرفه هو

أنّه حدقتان إضافيتان لي

أذنان إضافيتان

جناحان إضافيان

ولكن ليس في صدري

قلبانِ... أبداً!

-26-

في ألياف ورقة واحدة

أرى غابة

في قطرة ماء واحدة

أرى محيطاً

في ذرّة ترابٍ واحدة

أرى الكرة الأرضية

في عينيكِ وحدهما

أرى كلّ السماء!

-27-

كان الوقت عصراً

أسرح على ضفاف الخيال

على جسرٍ، صادفني «خيالٌ» رشيقٌ ووسيم

أخضر العينين وجميل!

وقفتُ أمامه

رجوته، أن ينتظرني قليلاً

ريثما أجلبُ قلمي

كي ألتقط له صورة

كي أكتبه قصيدة.

ولكنّه كان مسرعاً جداً

وكأنّه «الريح»

لم يتوقّف، وأنا على ضفاف الخيال

اشتعلت فيّ نار الحسرة

وتحوّلتُ، في مكاني، إلى بخار!

-28-

برومانسية، في ليلة خلت. جلسنا، أنتِ وأنا،

على ضفاف بركة صغيرة:

كانت أنوار المصابيح، الخضراء والحمراء،

تتمايل، بهدوء، وسط الماء

نحن الاثنان، والطاولة أيضاً، كنّا نتحرّك

يتماوج انعكاس صورنا ببطء على صفحة الماء، لكننا لم نسقط

بدت صورنا في الماء خطوط ألوان.

جالت أسماكُ صغيرة بين خصلات شعرك

ظنّاً منها أنّها أعشاب مائية

واختفت في ظلّها!

كان الحلق في أذنيكِ، يتدلّى أرجوحتين صغيرتين

في البركة، تساقطت أوراق الشجر

وركبتها من حين إلى حين.

ومع كلّ نفثةٍ، تتّقد جمرة سيجارتي

في الماء، ولا تنطفئ.

فجأةً، ألقى صبيّ، في الجانب الآخر،

قطعة تفاحةٍ.

تلاطمت مياه البركة، وتحطّمت طاولتنا،

وتبعثّرت الأشياء، أمّا نحن،

فغرقنا، معاً، في الماء!

-29-

قصيدتي الفتيّة ذات الشعر الأخضر

أخذت معها قليلاً من

النسيم الأزرق

وزوجاً من الحمام الزاجل

وعدداً من شموع العشق

وسافرت إلى كرميان.

حينما عادت

إلى البيت

كانت محدّبة الظهر، غزا الشيب شعرها

وفي يدها عكازة

وقد أعادت معها

نسيماً أسود

وحمامتين سوداوين وشموعاً سوداً

وتحوّلت من قصيدة

إلى رواية «الأنفال»!

-30-

شجرة دلبٍ تسأل

والأزهار ترفع أيديها!

- لماذا

هذه البركة بقربنا

دائماً صامتة وحزينة هكذا؟!

أجابت زهرة الجلّنار:

- لأنّها تحنّ كثيراً

إلى منبعها الأمّ ولا

تستطيع العودة إليه!

- لا، لم تعرفي السبب!

وردة الختمية: ربّما

أزعجها

صيادو السمك!

- لا، لم تعرفي السبب!

زهرة الليمون: ربّما ويبدو

أنّ العاصفة لم تدعها تنام الليل.

- لا، لم تعرفي السبب!

- حسناً، قولي أنتِ، ما السبب؟

- اسمعن، ذات ليلةٍ،

بعد أن نام القمر وغطّى رأسه،

رأيتُ قبائل الدم تأتي

وتُغرق في البركة فتاة عاشقة!

-31-

الصور التي التقطتُها

لم يلتقطها سواي من قبل

صوّرتُ خرير الأمواج، لا الأمواج!

هيبة الجبل، لا الجبل نفسه.

ابتسامة الطفل، لا الطفل نفسه.

بكاء الخبز، لا الخبز نفسه

صرخة الحجر، لا الحجر نفسه

نشيج أوراق الشجر، لا الأوراق نفسها

صوّرتُ عشق حبيبتي

لا حبيبتي نفسها!

-32-

«بيشمركة» جريح

وقصيدة رقيقة جدّاً

والشاعر الذي كتبها.

أتذكّر جيّداً. كان البيشمركة

مستلقياً في ظلّ صخرة كبيرة

إحدى قدميه في الجبس، وإحدى يديه معلّقة برقبته

يُقبّل تلك القصيدة الجميلة

التي كتبها الشاعر له

ولكن الجريح المستلقي لم يكن يعلم

لم يكن يعلم أبداً

أنّ الشاعر الذي كتبها له

يتجوّل الآن

أمام «باب المعسكر»

وعلى كتفه بندقية

تماماً

كالبندقية التي أصابته البارحة!

-33-

في تلك الليلة الكئيبة

كلّنا معاً... للأسف، رغماً عنّا

هجرنا أنين صخور قريتنا... وصراخ أشجارنا

وعويل أنهارنا...

كلّنا معناً وفي رتلٍ واحدٍ

يمسك أحدنا بحزام الآخر

انحدرنا من الجبل.

كلّنا معاً

رفعنا رؤوسنا نحو السماء التي

مزّقتها الطائرات الشبيهة بصلبان الدخان.

كلّنا معاً

سمعنا أنين ونحيب الأنهار

والأنفاس المقطوعة للمرتفعات

ونشيج أوراق العشب

معاً، رأينا الجثث المتورّمة

للحيوانات في ودياننا

رأينا سواقينا المغتالة.

معاً، من قريبٍ ومن بعيد، سمعنا

أزيز (الريح) الفزعة

والصخب المرتبك لكلّ كرومنا.

كلّنا معاً، رأينا بُقَع الثلج المحروق،

وانتشار لهيب النار في هشيمنا.

إلا واحداً منّا

كان يرحل برفقتنا

ولكنّه لم يسمع ولم ير شيئاً

«مام بايز»

الضرير الأصمّ!

-34-

جليل قَيسي

مثل ريشة حمامة بيضاء في مهبّ الريح

بل أكثر بساطةً وهدوءاً من تلك الريشة.

جليل قيسي

غارقٌ في بحر الكتب

هو الثلج في تساقطه

الكلمة في أنينها

كان خياله أجمل من ليلة مقمرة.

جليل قيسي

الناي الذي بين يدي «القلعة»

كان عشقاً مزيجاً من الشفق وأوراق الخريف المتساقطة.

حكاية طويلة متعبة وجائعة.

كان سيئ الحظ أكثر من «كركوك»

ولكنّه أبداً

لم يغادر «سيئة الحظّ» تلك

ولو للحظة واحدة

جليل قيسي!

-35-

أعرف حصاناً،

حصانٌ، الآن، مريضٌ و «متقاعد»

أيام قمم الجبال والمنحدرات وساحات المعارك والظلام

أيام صعود المرتفعات الوعرة

كان صهيله والأناشيد

شعر رقبته وراية الكورد

بالمعزّة نفسها!

ولكن بعد أن

هبطت الجبال وصارت شوارعاً.

وأصبحت الكهوف بنوكاً

وغدا نشيد «أي رقيب» جيباً!

ربطوا الحصان إلى «النسيان»

وحوّلوا سرجه

إلى كرسيّ في مكتب بندقية

ولجامه إلى سوطٍ

وأخيراً، حينما سرقوا صهيله أيضاً

غدا الصمت والجوع

في كوخٍ معتمٍ منسي

قبراً له

وهو لمّا يزل على قيد الحياة!

تصدر المختارات عن دار «العين» - القاهرة ، ترجمة: حسين عمر