اليابانية يوكو أوغاوا تواجه قسوة الواقع بمخيّلة طفولية

يوكو أوغاوا
باريس - انطوان جوكي |

نصوص الكاتبة اليابانية يوكو أوغاوا هي أشبه بلوحات رمزية- سورّيالية يغمرها نورٌ تأمّلي وتقطنها غالباً شخصيات تقف في إعاقتها على حدود الخارق. ففي قصة «الجفون» مثلاً، هنالك فأرٌ يعجز عن إغلاق عينيه بسبب جرح فوق رموشه، ما يجعله يرى كل شيء ببصيرة. وفي رواية «لاعب الشطرنج الصغير»، ثمة طفلٌ وُلِد بلا فم لكنه يتمتّع بحساسية مفرطة لكل ما يحيط به.


وإلى هذا النوع من الشخصيات ينتمي أيضاً العجوز عنبر الذي يملك عيناً مكوّنة جزئياً من مادة العنبر ويحيا فيها الأشخاص الذين فقدهم في سنوات عمره الأولى. شخصية نتعرّف إليها، إلى جانب شخصيات أخرى لا تقلّ سحراً، في رواية أوغاوا الأخيرة «لقطات من عنبر» (2015) التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار «أكت سود» الباريسية، وتستحضر أيضاً ببعض جوانبها رواية «بركة السباحة» التي تروي الكاتبة فيها قصة شابة متلصِّصة يتحوّل إحباطها إلى ساديّة توجّهها ضدّ الطفل الموكلة مهمة رعايته.

في «لقطات من عنبر»، هنالك أمّ تربي وحدها أطفالها الأربعة، بعد افتراقها عن زوجها، حين تخضع لصدمة نفسية إثر فقدانها يوماً طفلتها الأصغر سنّاً. وفاة تعزو سببها إلى كلبٍ شرير يتحوّل بسرعة إلى هاجس عصابي لديها يدفعها إلى سجن أطفالها الثلاثة الآخرين داخل منزل يملك حديقة فسيحة، وإلى حرمانهم من أي اتّصال بالعالم الخارجي. وكما لو أن ذلك لا يكفي، تعمل على محو لديهم كل ما يتذكّرونه من ماضيهم، بما في ذلك أسمائهم التي تقنعهم بأن مجرّد لفظها سيأتي بالكلب الشرير إلى داخل المنزل، فيضطرون إلى اختيار أسماء جديدة لهم من موسوعة علمية تركها والدهم خلفه. هكذا يصبح «أوبال» اسم الابنة البكر، و»عنبر» و»أغات» اسمَيّ شقيقَيها.

وضمن إطار الحدود التي تفرضها محظورات الوالدة، لن يلبث الأطفال الثلاثة (ويجب أن نقول الأربعة، لأن أختهم الصغيرة المتوفّية تبقى بطُرُق مختلفة حاضرة معهم) أن يخلقوا عالماً خاصاً بهم، متناغماً، مسحوراً، تثريه قصص أوبال ورقصاتها وعزف أغات وغناؤه. أما معارفهم فسيغرفونها من الموسوعات المصوَّرة الغزيرة التي ورثوها عن والدهم وتسمح لهم بتكوين فكرة عن غنى العالم الخارجي، إلى جانب تشكيلها ركيزة أساسية للألعاب والقصص التي سيبتكرونها.

العنصر المركزي في هذه السردية، الذي يشارك في خلق عالمٍ موازٍ وبديل لهؤلاء الأطفال، هو التحوُّل الذي يطرأ بسرعة على العين اليسرى للطفل عنبر ويمدّها بقدرة مادة العنبر على الإمساك بالأشياء وتجميدها إلى الأبد. تأويل استيهامي لاضطراباته البصرية؟ استعارة لقدرته على إسقاط صور حفظها من أخته المتوفّية على شاشة عينه المغبّشة؟ المهم أن عنبر لن يلبث أن يمارس هذه القدرة محبّةً بأمّه فيكرّس معظم وقته لرسم على هوامش الموسوعات المتوافرة في المنزل تلك الصور التي تحضر داخل شبكة عينه، وخلقِ وهم حياةٍ مستقلة وسعيدة للأخت الغائبة عبر قلبه صفحات هذه الموسوعات بحركة سريعة وماهرة من أصابعه.

هكذا ستمضي السنوات على هؤلاء الأطفال من دون أي نقاط استدلال زمنية غير زيارة سنوية لحمار تجلبه الأم إلى حديقة المنزل وتستبقيه فيها ريثما يقضم الأعشاب البرية التي تنمو فيها. حمار يتعلّق به الأطفال وينتظرون زيارته كل عام بشوقٍ كبير، إلى أن يقتحم العالم الخارجي منزلهم من طريق بائع جوّال، ثم قطٍّ صغير، ما يفتح فجوة في «الشرنقة» التي يعيشون داخلها ويمزّق غشاءها الواقي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن سردية هذه العزلة نتلقّاها بعد عقود طويلة من حصولها، عن طريق عازفة بيانو عجوز تروي فصولها كما تلقّتها من صديقها عنبر بينما كانا يعيشان أيامهما الأخيرة في دارٍ غُرَفها مرقَّمة وكل جناح فيها يحمل حرفاً من حروف الأبجدية. دار عجزة؟ مصحّ للمجانين؟ عيادة طبّية؟ ملجأ للمشرّدين؟ مثل نقاط كثيرة في الرواية، لا توضح أوغاوا هذه النقطة، بل تتركها لمخيّلة القارئ. لكن بفضل هذه العجوز، نُمنح فرصة ولوج الجهة الأخرى من المرآة وتأمّل الواقع الموضوعي المرعب الذي وقع ضحيّته أطفال تلك الأم المريضة نفسياً، وخصوصاً عنبر الذي سيبقى طوال حياته سجين طفولته غير العادية.

وعلى طول الرواية، تفتننا الكاتبة بحسّها الإبتكاري المذهل والرقّة الكبيرة التي تبديها تجاه شخصياتها، وبشعرية نثرها المنسوج بعناية والملوَّن بريشة حاذقة وإيحائية والمشبَع بصور مبتكَرة هي ثمرة مخيّلة جامحة وإدراكٍ حسّاس للعناصر التي تحيط بنا. هكذا تأخذ الأشياء الأكثر عاديّة معها أبعاداً خاصة تضفي عليها هالة سحرية وتمدّها بحياةٍ فريدة وغير متوقّعة. ومن هذا المنطلق، لا يسعنا عدم مقارنتها بأوبال، فمثل شخصيتها هذه، تبرع أوغاوا في سرد قصصٍ انطلاقاً من أشياء لا يلتفت إليها عادةً أحد. لا يسعنا أيضاً عدم الإشارة إلى التشابه الكبير بين الطريقة التي يبـــتكرها عنـــبر من أجـــل إعادة إحياء أخته المتوفّية، ومنهج عمل الكاتبة: رسم صورٍ وتحريكها بوتيرة صائبة تحيي سرديتها.

ومثل جميع قصصها ورواياتها السابقة، ترفع أوغاوا صرح عملها الجديد كحلمٍ يفعل فينا كعاملِ كشفٍ للعالم، حلم يتطلّب منا لدى ولوجه أن ندع عقلنا ينزلق على الجُمَل الملغَّزة، في أماكن الصمت وداخل الإضاءات الفجّة أحياناً، وأن نترك الأسئلة الكثيرة التي تراودنا لدى القراءة تعثر على أجوبة لها داخل النص، أو لدى استيقاظنا في نهايته.

أما ما يميّز «لقطات من عنبر» عمّا سبقها، فيكمن في موضوعها الرئيس، أي تلك القدرة المذهلة لدى الطـــفل على الالتفاف حول الواقع القاسي بالســـلطة اللامتناهية لمخيّلته. يكمن أيضاً في أسلوب الواقعية السحرية الذي اعتمده أوغاوا لمقاربة موضوعها، ويساهم في إحلال ذلك المناخ الغريب الذي تملك وحدها سرّه. وفي حال أضفنا ربطها هذا الموضوع بموضوعٍ آخر متواتر في معظم أعمالها، ونقصد الرغبة في إدامة الكائنات والأشياء التي نحبّها، بعد تواريها، لتجلّت لنا كل قيمة روايتها وغاية إدراجها تحت شعار الحجارة الكريمة، وخصوصاً العنبر القادر على حفظ أثر «ما كان وأبداً لن يكون».