فلسطين تغريد دارغوث كما تبوح بها شجرة الزيتون

لوحات من المعرض (الحياة)
مهـى سلطان |

يكشف معرض تغريد دارغوث الذي يقام في غاليري صالح بركات في بيروت (لغاية 27 تشرين الأول/ أكتوبر) تحت عنوان «قياساً للحياة البشرية» عن قدرة البعد الدلالي للأشياء على إثارة الصدمة العاطفية التي تصيب معانيها المباشرة، لاسيما إذا تعلق الأمر بمسألة حق الوجود على الأرض التي تتعرض للسلب وطمس الهوية والاقتلاع بالقوة الذي يطول ليس الإنسان فحسب بل الأشجار. ولطالما ارتبطت فلسطين عبر تاريخها الطويل ومنذ فجر الأزمنة بقدسية شجرة الزيتون المباركة حتى أضحت رمزاً إنسانياً رديفاً للقضية الفلسطينية بنظر فنانيها وشعرائها ومثقفيها، يشتاقونها من منافيهم ومقترباتهم.


والمعرض يعكس في مضمونه أنساق التدرج التعبيري لتيمة شجرة الزيتون من الفضاء البصري إلى العمق التأملي الذي يرفد مسرح الوجود بمنظومة من المواقف والمواجهات التعبيرية. تلك المواجهات التي تبرز في وعورة السطح التصويري وتفاوت مستوياته وتقاطع الضربات اللونية التي تنهال عليه وتنوع الملامس بين المتموج والمستوي. إذ فضلاً عن قوة الرسم والإمساك بالشكل، تتبدى تلك النزعة التلقائية في لوحات غير ناجزة شبيهة برسوم تمهيدية، توحي في تقطّع لمساتها وحبال ألوانها السائلة عن عمد بأنها قيد الإنجاز (ولكنها يمكن ان تكون منتهية في تعبيراتها إذا نظرنا بعين الفيلسوف بودلير)، مما يتيح مزيداً من الحرية في إضفاء تأويلات جديدة على الخطاب الجمالي، وإن كان يكتسي ظاهراً برداء العنف والقتل.

استغرق العمل على المعرض نحو عامين، واللوحات منفذة كجداريات في فضاء مستقطع بين تيمات تبدو مترابطة، على رغم استقلالها بعضها عن بعض، في ظل استعارات تجعل التماثل هو جسر الرؤية والقياس والنقد والمقارنة. هكذا تبرز العلاقة بين جسد الشجرة الفلسطينية التي تتعرض للإقتلاع من العدو الإسرائيلي وجمجمة الإنسان في مرحلة الفناء الرمادي، وقطع اللحم الحمراء المعلقة كما لو أنها في مشرحة او مجزرة. فقد تخطت تغريد في عرض قطع اللحم موضوع الطبيعة الصامتة في أعمال كبار التعبيريين والمحدثين، نحو غرض التحريض والاتهام من خلف المباشرة ذات الفجاجة والقوة المنفّرة في براءة أسلوب العرض وسرديته الموصوفة بالطزاجة الدموية.

إنه العنف التعبيري الذي يعيد أيضاً تمثيل الحدث من خلال إظهار آلة الخراب الإسرائيلية التي عبثت بالأرض واقتعلت مئات أشجار الزيتون، فضلاً عن الدبابة والطائرة المتوحشة والكاتبيلر في صورة عن عمليات القلع والتدمير التي تجتاح جسد الشجرة الذي يتحول الى ذبيحة دموية. ثمة أوردة وشرايين في جسد الأشجار الخضر التي تنبري بتلافيفها وغصونها وعقدها الناتئة، وهي تنفي مقولة ان الأشجار تموت واقفة، لأنها الآن تُقطع من أوصالها وتقتلع من مكانها وهي المتجذرة والمعمّرة التي تلوّح لها مناديل الأمهات ويبكيها زيت الأرض.

تنتمي تغريد الى جيل من الفنانين الشبان الذين سعوا طوال عقدين من الزمن إلى تكريس أسلوب معاصر في المنصات الفنية الدولية يجمع ما بين مؤثرات التعبيرية الجديدة néoexpressionisme القائمة على التشخيص، واستثمار تضاريس اللون كقيمة تعبيرية مؤثرة تعكس لغز الحياة ومعاناتها، من خلال طرح موضوعات مثيرة للجدل مستوحاة من مناخات الحروب التي أضحت مادة للقلق تستمد منها تغريد لغة عصفها ورعودها وبروق ألوانها العاتية.

وهي من أكثر الموضوعات السائلة والجذابة في تداوليات المعاصرة وملهماتها. فقد رصدت في معارض سابقة قضايا اجتماعية تمحورت حول معاناة العاملات الاجنبيات وظواهر المبالغة في عمليات التجميل ومواجهة ابعاد القلق العالمي من الحروب النووية وأدوات الدمار التي تجلت في اشكال وحوش العصر التكنولوجي كالدبابات والطائرات المقاتلة واعتبارهما من مصطلحات إبادة الشعوب.

في نتاجها الجديد سعت تغريد إلى تقديم صورة بنيوية لسلسلة من اللوحات تتمحور حول فلسطين من خلال رموز شجرة الزيتون والجذوع المقطوعة ولا سيما جماجم الموتى بسبب الحروب التي راجت في نتاجات المعاصرة كرمز قديم vanitas، يتراوح بين الإلهي المقدس والدنيوي الفاني. إنها دلالات لا نهائية عن وقائع تبحث من خلالها عن عمق أنساق الآثار التي تتخطى الزمان والمكان، وهي تتنامى متكررة وسريعة كقراءات متعددة عن المتغيرات في تيمة واحدة تخاطب برمزية مآسي الاقتلاع.

كما لو انها قراءات لمصطلح واضح ومتحرك ومتحول ومتطور يعكس نوعاً من الخلخلة والتفكيك لنصوص الجذوع المقطوعة كدلالات للحروب المفتوحة دون ضفاف. فالجذوع اشبه بأقدام مقطعة، تتناثر كقطع اللحم الملتهب، لأطراف من بقايا ضحايا الحروب. أولئك الذين تركوا جذوع اقدامهم في جحيم بلا نهاية. والزمن لا يلتفت إلى الزمن بل يموج بالتشظي الذي يؤول نحو الفناء والعدم. هكذا تضعنا تغريد دارغوث أمام مفارقات تعبيرية حادة تعكس سؤال الحيرة إزاء العنف الذي يكتسح ايقاعات الحياة المتأرجحة بين الولادة والموت. إنها أسئلة الإنسان الذي يواجه مصيره التراجيدي في فراغات العزلة والصمت.