«قانون عمر»... مسلسل لا يعترف بقانون التمثيل

(الحياة)
القاهرة - «الحياة» |

في الفن عموماً والدراما بخاصة، ثمة قانون أو قاعدة بسيطة للغاية لكنها حاسمة ويمكن صوغها على النحو التالي: «لا تخبرني بغرابة ما ستقوله، لكني فقط أخبرني كيف ستقوله». الفكرة هنا أنه يمكنك أن تختار أشد الموضوعات أو الشخصيات غرابة لتقديمها مهما كانت بعيدة من منطق الواقع والحياة، شرط أن تصنع لها منطقها الخاص ومبرراتها الذاتية، بحيث تقنعني بها فأتفاعل معها وأصدّقها. وقد يحلو للبعض صوغ تلك المعادلة بطريقة أخرى قائلين: الأمر لا يتعلق بـ «ماذا»، لكنه يتمحور دائماً حول «كيف».


مسلسل «قانون عمر» لا يعترف بهذا القانون البديهي، فمضى بعيداً في الحبكة التي رسمها سيناريو فداء الشندويلي على نحو غريب للغاية، كأن صناع العمل يرفعون شعار: هذا ما لدينا وعليكم أن تتقبلوه كما هو من دون أي تساؤل مثل أطفال مهذبين يمتثلون لدواء ما قبل النوم. الشخصية الرئيسة (عمر) تتسم بالمثالية، ويتصف بأنه ابن بلد، طيب، محبوب، يسعى الى مساعدة الآخرين ولو على حساب نفسه. كيف تكونت شخصيته على هذا النحو وما هي المبررات النفسية والاجتماعية في زمن يصفه المصريون أنفسهم بأنه لا يعرف الرحمة؟ لا تسأل. هو أيضاً يعمل في مركز كبير لصيانة السيارات يتخذ منه بعض المتنفذين في المكان واجهة لأعمال غير مشروعة، فينتفض ويقرر ألا يسكت عن هذا الفساد على رغم أنه يجازف بمستقبله، لكنه لا يبالي. حسناً جداً، لكن لماذا؟ لا توجد أي إجابة. الأكثر إثارة للدهشة أن «مدام سارة» زوجة رجل الأعمال الذي يمتلك المركز، ولعبت شخصيتها التونسية فاطمة ناصر، تقع في غرام عمر وتدبر حيلة لكي يزورها في فيلتها المنيفة في القاهرة، بينما زوجها يبيت في الإسكندرية لإنهاء بعض الأعمال. السيدة الحسناء لا تملك وقتاً للتمهيد في الدخول بعلاقة مع شخص أقل منها اجتماعياً ومادياً، وتشرع في الاشتباك معه على غرار امرأة العزيز وسيدنا يوسف، وعلى رغم أن عمر ليس نبياً لكنه يتماسك في شكل أسطوري أمام امرأة صارخة الجمال، متفجّرة الأنوثة.

مرة أخرى لا يقدم المؤلف مبررات كأن يمهد للأمر مثلاً بأنه يعيش قصة حب عنيفة ويستعد للزواج من حبيبته أو لديه التزام ديني، ما يقف حجر عثرة بينه وبين «الخطايا». وما يزيد الحيرة أن عمر في حاجة ماسة الى المال لعلاج والدته، الذي يستنزف معظم دخله، كما أن العمر تقدم به ويجب أن يتزوج عاجلاً أم آجلاً.

يعد المسلسل الثالث لحمادة هلال في البطولات التلفزيونية المطلقة. هلال هو في الأصل مطرب شعبي استثمر شهرته ليصبح ممثلاً في السينما، ولأن الشاشة الكبيرة حساباتها كثيرة ومعقدة وسرعان ما يفقد نجوم الشباك بريقهم الذي يذهب الى نجوم جدد، استراح الرجل على مرفأ آمن هو المسلسلات. وبنى شهرته كمطرب على أغاني الحزن ومواويل الدموع، أو ما يسمى بالعامية المصرية «الصعبانيات»، والتي يعشقها أبناء الطبقات الشعبية، إذ يجدون فيها متنفساً عن أوضاعهم الاقتصادية الصعبة. يبدو أن وصفة النجاح الغنائي تلك هي ما يستنسخها النجم الشعبي هنا، فالبطل فقير تصاب أمه فجأة بالسرطان وحالتها متأخرة، ويعالجها بجلسات الكيماوي من دون أن تعرف شيئاً، كما أن الأشرار يدسون له شحنة مخدرات في سيارته فيدخل السجن ظلماً، وحين يقع في الحب ويتزوج يخططون لقتل زوجته وكادوا ينجحون في مسعاهم.

لم يكن أمام مخرج العمل أحمد شفيق، الكثير ليقدمه على مستوى الأداء التمثيلي، فالشخصيات من حول البطل نمطية للغاية ومكررة وذات بعد واحد، وبالتالي لم تكن هناك تناقضات من تلك التي تولد انفعالات استثنائية. سارة سيدة انتهازية وصولية، وصديق البطل – جسده مصطفى أبو سريع – ساذج سذاجة مطلقة. أما خاله، وقام بدوره حجاج عبدالعظيم، فبخيل بخلاً فاحشاً، بينما ابنة خال البطل التي هي جميلة جداً فتذوب عشقاً فيه على رغم أنه لا يعيرها أي اهتمام، ومع ذلك تطبخ له وتغسل وتكوي ملابسه وتنظّف حجرته. في هذا السياق، لا مجال للاندهاش إذا وجدت ممثلاً مخضرماً يمتلك أدواته مثل إيهاب فهمي يأتي أداؤه باهتاً، فهو الآخر يجسد شخصية بلا أبعاد أو ثراء درامي، هي شخصية كبير مهندسي مركز الصيانة وشريك سارة في جرائمها، ليست المشكلة أنه شرير بل المشكلة أنه شر مطلق بلا مبرر أو خلفية أو لحظة ضعف إنساني، شر للشر وفقط. ولا يقتصر الأمر على فهمي، بل ينسحب على بقية طاقم التمثيل الذي جاء أداؤه نمطياً، رتيباً، بلا عمق أو إحساس مختلف.