الانتخابات في العراق و «متاريسها» التلفزيونية

شيرزاد اليزيدي |

ألوان وشعارات ومناظرات وندوات وكرنفالات... خطابات وبرامج ووعود وحملات تشهير وتخوين وتنابذ وفتح دفاتر قديمة ونبش في الماضي، إذ لا صوت يعلو على صوت المعركة الانتخابية، فالفضاء العام كله مضبوط على وقع العملية الانتخابية ليكاد يتوقف كل شيء لمصلحة اشتغال آليات التنافس عبر الدعايات والمنافسات والمماحكات الانتخابية. ولئن قننت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات هذا الموسم الدعاية ومنعت وضع الرموز والصور واللافتات الانتخابية في الشوارع الرئيسيّة، لكن المعركة تبقى على أشدها في الفضاء التلفزيوني الذي هو ميدان المبارزات الانتخابي العتيد والأول. ليس في كردستان العراق فقط بل حول العالم بأسره. فالتلفزيون هو اللاعب الأبرز انتخابياً في مشارق الأرض ومغاربها.


والخرائط البرامجية التلفزيونية تتبدل كلياً وتتوقف البرمجة الطبيعية للشاشات والمحطات لتدخل في شهر الاستنفار الانتخابي، حيث كل قناة تلفزيونية أشبه بخلية نحل تعمل ليل نهار بلا هوادة، وينتشر المراسلون وتستحدث برامج وتدشن استوديوات جديدة خاصة بموسم الانتخابات.

وحتى القنوات العامة والترفيهية لا تبقى بمنأى حيث الدعايات والإعلانات الانتخابية المدفوعة الثمن تطالها في الدرجة الأساس.

واللافت هو التبادل الإعلاني. فهذه المحطة المستقلة اسماً والتي يمولها الحزب الفلاني، لا تتوانى عن بث إعلانات مدفوعة طبعاً لقوائم الأحزاب الأخرى، وتتكشف حقيقة التمويل الموارب فبعض المحطات التي تدعي الاستقلالية التحريرية، وفِي حمأة شدة التنافس، تضطر ولو مداورة إلى إماطة اللثام عن حقيقة كونها محطات ظل لمحطات حزبية عبر انحيازها الواضح للجهة التي تمولها، وعبر أفراد مساحات واسعة لطرح برامج ورؤى الجهة الممولة. فمثلاً تقوم بعض القنوات «المستقلة» بنقل مراسيم حفلة تخرج طلبة جامعة دهوك التي تتحول بقدرة قادر إلى منصة للدعاية الحزبية، إذ يعتليها أحد قادة حزب معين ويشرع في الدعاية لحزبه في خرق واضح لقداسة الحرم الجامعي واستقلاليته ولألف باء الممارسة الديموقراطية، وقس على ذلك.

وهكذا وعلى رغم صحية وجمالية المناخ الانتخابي والديموقراطي وتحديداً في شقه التلفزيوني الطاغي تتعدد كجاري العادة سقطات، كما حسنات المحطات الكردية في شكل عام خلال هذا المعترك الانتخابي الحامي الوطيس، فالتلفزيون بالمحصلة هو مرآة الواقع، يعكسه ويجسد علله وفضائله وهو يتحول، بخاصة خلال المعارك الانتخابية إلى المتراس الأول. وحدوث ارتكابات مهنية جسيمة يبقى جزءاً من المشهد الكلي الانتخابي الذي هو تشنجي وتحشيدي تعريفاً، لا سيما في ربوعنا ويبقى ملمحاً حاضراً، وإن كان تعبيراً عن ظاهرة غير صحية وغير سوية

وجديرة بالنقد والتفكيك. لكن يبقى دور التلفزيون المعرفي والجمالي عامة، وتحديداً خلال المحطات الانتخابية، دوراً محورياً لا غنى عنه.