صفقة حكومة العام الواحد

مشرق عباس |

يحاول قادة الاحزاب في العراق حرف الحقائق عبر تأكيد التزامهم بـ «مواصفات المرجعية لرئيس الوزراء»، وكعادتهم في اللعب على المفاهيم، يسعون ضمناً إلى محاولة إحراج مرجعية النجف ووضعها بموضع لطالما رفضت أن تكون فيه، فيما يخرجون الشعب ومطالبه الممتدة من المعادلة برمتها، ليقولوا زوراً «نحن الشعب».


الواقع أن السيد علي السيستاني عندما حدد مواصفات عامة لرئيس الحكومة، بأن يكون قوياً وحازماً ومن خارج الأحزاب، كان قد أعلن صريحاً اصطفافه الكامل مع مطالب الشعب العراقي المستمرة على امتداد الحكومات الماضية بإيقاف مهزلة المحاصصة الحزبية للدولة، وتمكين رئيس مهني ونزيه وصادق ومستقل من قيادة البلد.

ندرك أن معظم الاحزاب العراقية المتضامنة في سلوك إضعاف الدولة وتفتيت وجودها وتحويلها إلى ممتلكات حزبية خاصة هنا وهناك، لن تستسلم بسهولة، وهي تخوض منذ أسابيع لعبة النحت بإبرة للتخلص من محنة «مواصفات رئيس الوزراء»، وهي في الأساس محنة وجودية تتطلب إعادة إنتاج مفاهيم التقاسم من جذورها.

ومع الأخذ في الحسبان التداخلات الإقليمية والدولية التي دعمت الأحزاب العراقية، فإن القضية اليوم تتعلق بالعجز عن ترجمة المقاعد النيابية إلى مناصب في الدولة، وهو النظام الذي كان يضرب بعمق مبدأ الفصل بين السلطات.

إن طريقة توزيع المناصب اعتمدت في كل التجارب السابقة على نظام «التنقيط»، الذي يمنح كل منصب ابتداء من رئيس الجمهورية مروراً بالوزارات، وانتهاء برؤساء الهيئات ووكلاء الوزارات عدداً من النقاط بحسب وزن المنصب وأهميته ونوع المكاسب المتوقعة من خلفه، ومن ثم يتم تقسيم كامل النقاط الناتجة على عدد مقاعد البرلمان فيصبح لكل نقطة من مقعدين إلى ثلاثة مقاعد، وعلى هذا الأساس يكون على الأحزاب، والأفراد الطامحين، أو رجال الأعمال المتداخلين في اللعبة، محاولة جمع أكبر عدد من المقاعد للحصول على هذا المنصب أو ذاك.

هذا النظام لا يعترف بالكتلة الأكبر والأصغر إلا شكلاً، فهو يمثل بشكل دقيق آلية لحصول الجميع على مبتغاهم من مناصب الدولة، فحتى أؤلئك الذين لديهم مقعد واحد أو مقعدان، بإمكانهم المنافسة على منصب وكيل وزير أو محافظ، أو مدير عام يتم تعيينه بحسب صفقة متفق عليها. هذا واقع الحال، ولا جدوى من انكاره اليوم من أحد، فقد اصبح مكشوفاً لدى العراقيين، على رغم أن القوى السياسية تحاول تجميله بالحديث عن سياق عام في التجارب الديموقراطية لتشكيل الائتلافات وتقاسم الوزارات، متناسية أن تلك التجارب لا تعيد تفصيل مؤسسات دولها كل أربع سنوات بحسب التشكيلات الحزبية الجديدة، ولا تتجاوز على الهيكلية الإدارية الراسخة لها وإنما التغيير يتم في العادة في المناصب ذات البعد السياسي.

إن الخلل الذي فرضته حركة الاحتجاج العراقية على نظام التنقيط تمكن ملاحظته بعجز القوى السياسية اليوم عن إيجاد معادلة بديلة، فهي تتخبط ابتداء في صفقة انتخاب رئيس البرلمان الذي يواجه مراجعات حول فوضى جلسة انتخابه، ويمتد إلى سياق اختيار رئيس الجمهورية حيث لم تتمكن القوى الكردية من الاتفاق على موقف موحد بسبب غياب نظام التنقيط المتفق عليه بين الجميع، ويتوقع أن يمتد بدوره إلى منصب رئيس الوزراء والحكومة المنتظرة.

بعض التسريبات تتحدث عن نوع من الاتفاق بين القوى التي رضخت بلا اقتناع أمام موجة الاحتجاج المدعومة من المرجعية، لتمرير صفقة لعدد من المناصب بينها رئيس الحكومة لمدة عام واحد، يتم بعدها العودة إلى سياق نظام التنقيط السابق. وهذا الأمر ممكن ومتوقع في العراق، وفي حال كانت مثل هذه الصفقة حقيقية، فإنها يمكن أن تكون مقبولة شعبياً، شريطة أن لا تناصب الأحزاب الطامعة في الحكومة القادمة العداء، وأن لا تعيق حريتها في معالجة الأزمات المتراكمة، وأن لا تضع العقبات أمام طريقها لشن حرب بلا هوادة على الفساد والفاسدين، حينها فقط يمكن أن يقبل الشعب العراقي وقواه المخلصة صفقة العام الواحد، ويبرمها علناً مع القوى المتنفذة، ويتحمل مسؤوليتها، ويدافع عن منجزاتها بعد نهاية هذا العام المفترض.