بين مسخرة التاريخ وهزلية الدراما

من فيلم «الملاك» (الحياة)
القاهرة - شريف صالح |

ما الذي يدفع شخصاً إلى خيانة وطنه؟

وفقيوري بار جوزيف مؤلف كتاب «الملاك: الجاسوس الذي أنقذ إسرائيل»، الأسباب كثيرة أبرزها المال، الشعور بالكبرياء والانتقام ممن جرح «الأنا»، وكذلك الجاسوسية وكـ»فعل خير» باعتبارها قد تؤدي إلى سلام يفيد بلد الجاسوس نفسه.

منذ عام 2002 وحتى مصرع أشرف مروان بالسقوط ـ أو الإسقاط ـ من شرفة شقته الفاخرة في لندن عام 2007، انتشرت في إسرائيل مقالات وكتب حول حقيقة دوره، إلى درجة وصفه بأنه كان أعظم جاسوس لإســــرائيل، من ألقابه «العميل بابل» ثم «الملاك» وهو اللقب الذي حمله الفيلم الصادر حديثاً، بتوقيع المخرج الإسرائيلي آريل فورمين.


الفيلم مدته نحو مئة وعشر دقـــائـــق وجسد فيه الممثل «مروان كينزاري» دور البــطولة. وهــــو من الناحية السينمائية لا يتمــــتع بأي قيمة فنية، إنه في أفضل الأحــــوال دون المتـــوسط. ويفتقر إلى أي صدقية فنية ناهيك بأن شخصياته كلها تحكي تقريباً بلهجات «شــــامية» ثقيلة، لا علاقة لها من قريب أو بعيد باللهجة المـــصرية! كما يبدو فيه عبدالنــاصر والسادات أقرب إلى الحمقى!

ففي بداية الفيلم يجلس عبدالناصر مع فريق عمله بكل أريحية في سفارة لندن ويخوض نقاشاً بالغ الحساسية، ثم فجأة يرفعون أنخاب الويسكي في صحة منى ابنته زوجة مروان! وفي مشهد آخر يظهر القذافي محاطاً بالراقصات في صورة استشراقية ساذجة من وحي قصور بغداد في ألف ليلة وليلة!

كما يذهب ضابط المخابرات المصري الذي اكتشف صلات مروان المريبة بالموساد، لتبليغ الوزير المعتقل في السجن سامي شرف الذي كان سكرتيراً لعبد الناصر وسجنه السادات! بدلاً من إبلاغ المخابرات كما تقتضي أدبيات وظيفته!

بين الكتاب والفيلم

من الواضح أن الكتاب أكثر تشويقاً من الفيلم، ويقدم فصولاً ممتعة ليس فقط عن جاسوسية مروان، بل عن الرؤية الإسرائيلة للصراع منذ النكسة إلى ما بعد حرب أكتوبر. أما الفيلم فجاء مخيباً في بنائه الدرامي، وعاجزاً عن إدراك ماذا يأخذ وماذا يدع من فصول الكتاب الضخم. وكأنه عرض «بارودي» هزلي، بهدف «مسخرة «التاريخ»! لا يدفع إطلاقاً للتعاطف مع بطله، أو حتى الاشمئزاز منه، حتى لو كان شريراً وخائناً. فإحدى قدرات السينما المدهشة هي إثارة مثل هذا الإعجاب، بالقتلة والجواسيس وزعماء المافيا. مع الأخذ في الاعتبار أن الرواية والفيلم- كليهما- رؤية إسرائيلية خالصة.

اغتيال بطل قومي

في نهاية الفيلم إشارة إلى وفاة مروان الغامضة في ضباب لندن، وأنه «الرجل الوحيد الذي يعتبر بطلاً قومياً في مصر وإسرائيل على حد سواء».

جملة رومانسية لا تمت للواقع بصلة. حتى وإن كان الموساد- وفقاً لكتاب «الملاك»- يشيد بأعماله «الجليلة»، باستثناء أصوات قليلة اعتبرته عميلاً مزدوجاً، على رأسها رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية آنذاك، إيلي عزرا والذي لعب الدور الأكبر في كشف هويته.

أما «الرواية المصرية» فهي غير متوفرة على الإطلاق، باستثناء ما قاله مبارك ذات يوم بأنه «كان رجلاً وطنياً لم يحن الوقت لكشف دوره». شهادة مبارك، وحضور كبار رجال الدولة جنازة الرجل، بديا أقرب إلى إغلاق الملف، وعدم الحاجة إلى تقديم رواية مصرية مضادة.

ويستبعد يوري جوزيف أن يكون مروان عميلاً مزدوجاً، لصعوبة ذلك حتى بالنسبة إلى أفضل الأجهزة الاستخباراتية في العالم. كما أنه لا توجد إشارات من الجانب المصري عمن كان يجنده ويوظفه، أو توضيح لدوره الاستخباراتي الوطني.

كما يستبعد فرضية انتحاره، أو أن تكون الموساد اغتالته، على رغم أنه يبرر تعاون مروان الطويل، حتى بعد توقيع معاهدة السلام، وعدم احتياجه للمال، إلى خوفه من الاغتيال.

ويرجح أن تكون أيد مصرية وراء اغتياله، بعد فضح دوره المعادي لبلده، فهذا أسهل من فتح تحقيق حوله أو محاكمته، في ظل صلاته الوطيدة بشخصيات نافذة في عالمي المال والسياسة.

بينما فضل صناع الفيلم تجنب ترجيح أي فرضية، اكتفاء في سطور الخاتمة إلى «مصرعه الغامض». فلا يُعقل أن تغتال إحدى الدولتين من تعتبره بطلاً قومياً! كما أن السرد الفيلمي لم يتطرق إلى جانبين مهمين في شخصيته قد يوسعان من دائرة المتهمين، هما ثراؤه الفاحش جداً من طرائق غامضة، وشبكة علاقاته المعقدة في عالمي المال والسياسة.

الرواية المصرية

على رغم عدم وجود رواية مصرية رسمية عن دور مروان، يمكن استشفاف بعض الخيوط من الرواية الإسرائيلية ذاتها، والتي لامسها الفيلم في عدة مقاطع.

ففي بداية الشريط تم تقديم مروان كشاب طموح تزوج من ابنة أكبر زعيم عربي، لكنه يصدم عندما يدرك احتقار عبدالناصر له، ويسمع حواراً يحرض فيه ابنته على الطلاق. كما أن الرئيس، أثناء النقاش مع فريقه المقرب يسخر من رؤية مروان التي تدعو للتفاوض مع إسرائيل، والرهان على الأميركان لأنهم المستقبل وليس «الروس» لأنهم إلى زوال.

كانت تلك لحظة انكسار كبريائه، وهكذا بدافع من الطموح، والبعد عن أعين رجال عبد الناصر، سافر مع زوجته للدراسة في لندن. لكن سامي شرف ينجح في التقاط صور له في الملاهي وصالات القمار. وهو جانب آخر يشير إلى ولعه بحياة البذخ والمقامرة.

ثم في لحظة غضب داخلي يبادر بالاتصال من هاتف عمومي بالسفارة الإسرائيلية في لندن، كاشفاً عن اسمه. وعقب عودته إلى مصر مع وفاة ناصر وتولي السادات، يقوم بتسليم وثائق تدين سامي شرف وآخرين للرئيس الجديد، الذي سرعان ما تخلص منهم بالسجن، وكافأه بجعله سكرتيراً ومبعوثاً خاصاً له. لذلك حين عاد إلى لندن لاحقاً كان في مركز أقوى، فاتصل به الإسرائيليون وأسمعوه التسجيل القديم، فخضع لهم. وهذه التفصيلة مختلفة عن الكتاب تماماً حيث إنه هو الذي عاود الاتصال مجدداً بعد ارتفاع أسهمه في هرم السلطة. إنه الجاسوس «الطارق» الذي يطرق الباب ويعرض خدماته. من ثم كانوا مرتابين من فكرة أنه عميل مزودج سيمنحهم «طعم الدجاج» كي يصدقوه.

وبغض النظر عما قدمه لهم من «خدمات جليلة»، فالرواية الإسرائيلية لا تنكر دوره المهم في تعزيز نفوذ السادات والقضاء على مراكز القوى، وتوطيد صلاته بعدد من الدول العربية خصوصاً السعودية وليبيا، وكذلك دوره في صفقة الطائرات الحربية الفرنسية التي جاءت لمصر عن طريق ليبيا.

ويلفت في الكتاب الإلماح مراراً إلى قصة «الفتى الذي ادعى وجود ذئب»، إلى درجة أن مرشده «داني» أهداه نسخة من خرافات إيسوب، في دلالة على دوره المخادع، فتكرار إخبار إسرائيل بأن السادات على وشك الحرب، وإعطاء مواعيد يتبين لاحقاً عدم صحتها، جعل إخباره لهم في المرة الأخيرة أشبه بالتنويم المغناطيسي الذي شل حركتهم عن التصرف، ظناً أن المرة مثل سابقتها، إضافة إلى أنه أبلغهم متأخراً قبيل أقل من أربع عشرين ساعة فقط. وخلاصة الرسالة الإسرائيلية من وراء الفيلم، أن أشرف مروان خدم البلدين معاً خدمة جليلة، فهو منح إسرائيل كنزاً من المعلومات أفادها في «تقليل» حجم الخسارة الرهيبة في حرب أكتوبر، وفي الوقت ذاته ساعد السادات في بناء تحالفاته السرية وخطة خداعه، لإنجاز «حرب تحريك» تجبر الإسرائيلين والأميركان على التفاوض معه واستعادة سيناء وتوقيع معاهدة سلام.