الحوار من أجل السلام

عبدالعزيز التويجري |

كلما تَصَاعَدَت موجات الكراهية والعنصرية والتمييز بين البشر، وتَفَاقَ مَت الأزمات التي تعاني منها شعوب العالم واستعصت على الحلول المجدية الناجعة، وارتفع منسوب العنف والتطرف، وانتشرت ظاهرة الإرهاب على نطاق واسع، بما في ذلك الإرهاب الذي يمارسه الأفراد، أو الجماعات المتطرفة، أو التنظيمات الإرهابية، أو الإرهاب الذي تمارسه بعض الدول، متحديةً كل الأعراف، ومنتهكة للقوانين الدولية، اشتدّت الحاجة إلى تعزيز قيم الحوار بين الثقافات والتحالف بين الحضارات وبين أتباع الأديان كافة.


ولقد شاركت في مؤتمر دولي عقد في مدينة فاس، العاصمة العلمية والثقافية للمغرب، خلال الفترة من 10 إلى 12 أيلول (سبتمبر) الجاري، حول حوار الثقافات والأديان، تحت رعاية جلالة العاهل المغربي الملك محمد السادس، وبالتعاون بين وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المغربية، والمنظمة الدولية للفرانكفونية، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة -إيسيسكو. واختير موضوع «سؤال الغَيْري» عنواناً للمؤتمر.

والحق أنه في ظل ما يعيشه العالم اليوم من صراعات بين الجهالات، ومن حروب مفروضة على عدد من الشعوب، ومن مواجهات صدامية بين القوى الكبرى، تزداد أهمية الحوار بين الثقافات وأتباع الأديان، باعتباره أداةً تساهم في نشر الوعي السليم للحدّ من تداعيات هذه الصراعات والتوترات التي تهدّد استقرار المجتمعات البشرية، وتؤجّج الأزمات الإقليمية والدولية وتُخِلُّ بالسلام العالمي، وتؤثر سلباً على تنمية الشعوب وعلى الجهود الإنمائية الدولية التي تبذل في مجال محاربة الفقر والمرض والجهل.

فليس الحوار بين الثقافات وأتباع الأديان عمليةً تفاعليةً ثقافيةً فحسب، ولكنه منهجٌ قويمٌ للحياة الآمنة المستقرة، وأسلوبٌ راقٍ للعيش المشترك، يؤدّيان إلى توفير مناخ عام تَتَقَارَبُ فيه الاتجاهات الثقافية والسمات الحضارية، ويتفاهم فيه المتحاورون في أجواء من التسامح، للعودة بالأديان إلى أصولها التي تقوم على الإيمان بالخالق، سبحانه وتعالى، ربّ العالمين، الذي من أسمائه الحسنى “السلام”، وعلى مكارم الأخلاق، وعلى المبادئ السامية التي تُعلي من قيمة الإنسان، وتحترم كرامته، مصداقاً لقوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً». فالكرامة إنعامٌ من الله، عزَّ وجلَّ، للبشر كافة، لا تمييز بينهم في اللون واللغة والدين.

والحوار، بهذا الاعتبار، وبهذا المعنى العميق، ليس مسألة ثقافية وأخلاقية فقط، وإنْ كان هو من فضائل الأخلاق، ولكنه إلى ذلك، مسألة سياسية بالدرجة الأولى، بالمفهوم الرشيد للسياسة التي تبني الوئام، وتصنع السلام، وتَتَجَاوَزُ الخلافات، وتتغلب على النزاعات، وتمهد السبيل أمام إقامة الدعائم للتعايش الإنساني الخلاّق. ولذلك كان الحوار الجادّ والمثمر والهادف، يتطلب إرادةً سياسيةً واعية، فلا يكون مبادرةً لا ضوابط لها تتمّ خارج التوجّه السياسي المسؤول، حتى يكتسب الحوار قيمتَه المثلى وتكون له أهميتُه البالغة.

ومن هنا جاء التأكيد على ضرورة تعزيز قيم الحوار بين الثقافات وأتباع الأديان، في شكل مستمر، من خلال عقد المؤتمرات الدولية، وتنظيم الندوات الإقليمية، وإقامة الحلقات الدراسية التي تتناول قضايا الحوار الثقافي والديني، بمفهومه العام ومدلوله الشامل، ومن جوانبه كافة، ومنها مؤتمرُ فاس الدوليُّ، الذي استضافته الجامعة الأورو- متوسطية، في تلك المدينة التاريخية التي صارت منذ أزمنة بعيدة، منتدًى للحوار بين الثقافات والحضارات والتعايش والوئام بين الأمم والشعوب. جاء في الرسالة التي وجهها جلالة العاهل المغربي إلى المشاركين في المؤتمر: “إن اختيار هذه المدينة العريقة لاحتضان المؤتمر الدولي حول الحوار بين الثقافات والأديان، ليس وليد المصادفة، فقد ظلت فاس على مر العصور، أرضاً للحوار، ورمزاً للتسامح والتعايش وإشاعة القيم الروحية”.

لقد مضى قرابة عقدين على انطلاق الحملة العالمية للحوار بين الثقافات، التي تعززت بالحملة المماثلة للتحالف بين الحضارات، ثم تطورت إلى الحوار بين أتباع الأديان الذي كان قد بدأ بصيغة الحوار الإسلامي- المسيحي. لكنّ حدّة الصراعات والصِدامات تفاقمت، وبدا كما لو أن الجهود الحثيثة التي بذلت على نطاق عالمي في هذه المجالات، لم تُجدِ نفعاً، في حين أن حركية الحوار على المستويين الثقافي والديني لا تتوقف. فالحوار يلقى تجاوباً يتوسَّع مداه باستمرار، ومنتديات الحوار في مختلف أنحاء العالم لا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد، على مستويات عدة، والكتب والدراسات التي تنشر حول حوار الثقافات والأديان وتحالف الحضارات، وبشتى اللغات، لا تكاد تُحصى. وهو الأمر الذي يؤكد أن مضاعفة الجهود الدولية لتعزيز ثقافة الحوار من أجل السلام العالمي، ضرورة أخلاقية أكثر ما هي ضرورة سياسية وأمنية.

إن العالم يمرّ اليوم بأزمات عدة، غالبيتُها نشأت من التطرف الديني، ومن التمييز العرقي، ومن دعوات الكراهية والعنصرية وانتهاك القوانين الدولية. ولا سبيل لمواجهة هذه التحدّيات إلاّ عبر تضافر الجهود الدولية، وعلى جميع الصُّعُد، من أجل تعزيز قيم الحوار الثقافي والحضاري والديني، وتعميق مفاهيمه، وترسيخ قواعده، حتى تكون أساساً للسلام العالمي، ولبناء علاقات إنسانية سلمية بين الأمم والشعوب، في ظل التعدّدية الثقافية والحضارية والدينية التي يسود فيها الاحترام المتبادل والوئام، ويزدهر التنوُّعُ الثقافيُّ الخلاّق. وتلك هي مسؤولية النخب، بل هي مسؤولية المجتمع الدولي بكامله، لأنها من المهام المشتركة التي لا يُعذر أحدٌ في عدم المشاركة فيها.

* أكاديمي سعودي

الأكثر قراءة في الرأي