مركز فيينا لفن الخط... منارة ثقافية جديدة

خلال افتتاح المركز (الحياة)
علي عفيفي علي غازي |

يحظى فن الخط باهتمام كبير في الدول التي تعي تراثها المادي والثقافي، ومن ثم تفتتح المراكز المتخصصة لدراسته، والمتاحف لاقتناء مراحل تطوره، وفي ضوء ذلك شهدت العاصمة النمساوية حدثاً ثقافياً متميزاً وفريداً، هو افتتاح «مركز فيينا لفن الخط Vienna Calligraphy Center»، في شهر ايلول (سبتمبر) الجاري كمبادرة ثقافية غير ربحية من الفنان التشكيلي العربي، الأردني الأصل، عبد الوهاب مسعود، مدير متحف الخط العالمي بفيينا؛ ليكون المركز الأول من نوعه في الجمهورية النمساوية ووسط أوروبا؛ بهدف احتضان الحراك الفني والثقافي المرتبط بفن الخط بغض النظر عن اللغة التي يُكتب بها، وتوعية الجمهور بهذا الفن، وبيان أهمية النصوص المكتوبة بخط اليد، وتعزيز الاهتمام بالكتابة اليدوية. وذلك من خلال ورش تدريبية، وتنظيم المعارض والمحاضرات والندوات والمؤتمرات، وتدريس أساليب الكتابة باللغات، التي ينطق بها أعضاء جمعية فيينا العالمية لفن الخط، وذلك في خطوة تهدف إلى تعريف المجتمع بهذا الفن. وسيُقدم المركز العديد من النشاطات من أجل تعزيز أهمية التعددية اللغوية، والتفاهم بين الثقافات، والحوار بين الحضارات، والحفاظ على المعلومات الخاصة بتاريخ هذا الفن، ولأرشفة وتوثيق تاريخ فن الخط في الجمهورية النمساوية، وتقديم هذه المعلومات لزوار المركز، ولجميع المهتمين. كما يهدف المركز للتركيز على طرح موضوع فن الخط والفنون المصاحبة له، وإعداد البحوث المرتبطة بتاريخ فن الخط وفنون الحروفية.


تشهد الساحة الفنية النمساوية استقرار عدد من الخطاطين والحروفيين، الذين استلهموا فن الخط في أعمالهم الفنية، وفدوا من بلدان متعددة، وهو ما أوجد ضرورة الحفاظ على هذه الثروة والفنون متنوعة اللغات، مما أضفى على فن الخط في النمسا لمسات الحداثة والمعاصرة، ومن ثم يسعى المركز لأن يكون بوتقة تنصهر فيها الفنون والثقافات المختلفة والمتعددة، من خلال تقديم زخم فني فريد ومتنوع لتحفيز الاهتمام بفن الخط وبالفنون المرتبطة به، والاستفادة منه، ورعايته من قبل المجتمع المحيط، بهدف لتسليط الأضواء على أهمية الخط في العصر السيبراني، الذي يشهد سباقات كونية للتقانة والثورات الرقمية المهيبة، ومن ثم ساد فيه استخدام الخطوط الرقمية، فكان من الضروري الحفاظ على هذا الإرث القيّم، والمرتبط بفن الكتابة اليدوية للأجيال الجديدة كي يربطها بجذورها وبتراثها، كما يهدف المركز كذلك لنشر المهارات والمعارف المرتبطة بفن الخط العربي، ونشر المعرفة الخطية والترويج لها، ليكون مكاناً للثقافة والتعليم، ومساحة إبداعية مفتوحة لجميع المهتمين، لتبادل المعرفة والمهارات بين الفنانين والزائرين والطلاب. ويُمكن فيه تبادل الأدوار، والسماح للضيوف بمعرفة عميقة عن خلفية هذا الفن، وتمكينهم من النظر خلف كواليسه، إذ إن إدراك الجمهور أهمية الخط، وإيقاظ اهتمامهم بتعلّم أنماط الكتابة المختلفة أمر ضروري لإيجاد لغة الحوار بين الخطاط والمتلقي.

يسعى مركز فيينا لفن الخط من خلال نشاطاته لإيجاد مكان متميز بين المؤسسات المدنية الدولية المهتمة بفن الخط، وسينظم بالتعاون مع المؤسسات المهتمة بفن الخط، والفنون المرتبطة به، سواء في أوروبا أو في العالم العربي والشرق الأوسط نشاطات متنوعة بهذا المجال. وقد افتتح المركز أولى فعالياته بمعرض جماعي دعي للمشاركة فيه عدد كبير من المهتمين بفن الخط من كل بقاع الكرة الأرضية، سيستمر حتى شهر اذار (مارس) القادم (2019)، يضم 50 عملاً فنياً خطياً، لأعضاء جمعية فيينا العالمية لفن الخط، شارك فيه خطاطون وفنانون تشكيليون وحروفيون من النمسا، فنلندا، ألمانيا، هولندا، إيطاليا، سوريا، أميركا، أستراليا، الأردن، إيران، وسويسرا، ومن المشاركين مساعد رئيس جمعيه «إرسكربندي» الألمانيه، وجمعيه فن الخط السويسرية، ورابطة المرأة الأردنية النمساوية. حيث افتتحته رئيسة بلدية «مايدلينج Meidling»، الحي الثاني عشر، السيدة غابرييلا فوتوفا Gabriela Votava، والتي أعربت عن تقديرها فكرة المركز، التي سيكون لها اهتمام ليس فقط بالأشخاص البالغين بل بجيل اليافعين، الذي يُعاني من إدمان التكنولوجيا الحديثة: الهواتف النقالة أو الألواح الالكترونية أو أجهزه الحاسوب.

يُعرب عبد الوهاب مسعود، مدير المركز، بكلمته الترحيبية، بتقبل فكرة المركز كمؤسسه ثقافيه في العاصمة النمساوية، وأوضح أهمية دور المركز في الحفاظ على هذا الفن الراقي للأجيال القادمة، وتوثيق تاريخ فن الخط عامة، والخط النمساوي خاصة، وتسهيل الحصول على معلومات عنه للراغبين أو الدارسين، مؤكداً على ثقته بنجاح المركز في تحقيق أهدافه، وفكرته التي بُنيت على أُسس قوية من خلال المباحثات مع عدة مؤسسات ثقافية معنية بهذا الفن بأوروبا، وسيتم انطلاق عدد من المشاريع الفنيه والنشاطات العالميه، التي سيُعلن عنها قريباً، وكذلك تنظيم عدد من الندوات بشهر حزيران ( يونيو) القادم (2019) بالتعان مع المركز الدولي لأبحاث الخط التابع لإحدى الجامعات البريطانية، وأعرب عن أمله بأن يكون هناك تعاون مع المراكز العربية والآسيوية المعنية بفن الخط، وذلك لتقديم مخزونها للجمهور النمساوي المهتم بهذا الفن الأصيل. مشيراً إلى أنه سيتم بالتعاون مع البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون إعداد احتفالية باليوم العالمي للغة العربية، الموافق 18 كانون الاول (ديسمبر) من كل عام، وسيتم إطلاق ورشة عمل بالتزامن مع الاحتفالية على أيدي خطاطين عالمين؛ بهدف التعريف بالمركز ونشاطاته. وأخيراً رافق حفل الافتتاح عزف على الدُف للموسيقي حمید رضا أجاقی.

يقدم مركز فيينا لفن الخط للزائرين أمثلة فريدة من الكتابة اليدوية النمساوية المعاصرة والقديمة، التي تتكون من مزيج استثنائي من الأعمال الفنيه الخطية والحروفية والغرافيكية، التي تم كتابتها على أيدي الفنانين والخطاطين، الذين عاشوا أو يعيشون ويعملون في الجمهوريه النمساويه، وتتضمن المجموعه أعمال وكتابات تمثل الكتابه اليدوية في كل من آسيا وأفريقيا وأوروبا. ويرحب المركز بزواره، ويقدم لهم خدمة استخدام المكتبة، التي تتوافر فيها كتب ومجلات متخصصة بفن الخط باللغات الألمانية والإنجليزية والعربية والتركية، ويعمل المركز باستمرار على توسيع قاعدة مكتبته، إذ إن الهدف الأهم من وراء تأسيس مركز فيينا لفن الخط هو تسليط الضوء ليس فقط على تاريخ فن الخط النمساوي؛ بل وعلى الأشخاص الذين شاركوا بكتابه هذا التاريخ في الماضي، والفنانين المعاصرين؛ لجلب الانتباه لهؤلاء الفنانين وتقديرهم على ما قدموا ويقدمون لهذا الفن.

ويهدف البيت العربي النمساوي للثقافة والفنون، إلى أن يكون كياناً ثقافياً عربياً يوثق ويعمق العلاقات النمساوية العربية، ويعني بتقديم الثقافة العربية بشكل منهجي عبر الوسائط الثقافية المتعددة، ويأتي في مقدمتها المكتبة، والتي تعد ركن أساس في مشروع البيت، إذ يُخطط لها أن تحوي أبرز الإبداعات في كافة مجالات الآداب والفنون والعلوم الإنسانية والعلمية، المنتجة في العالم العربي، وجعلها متاحة للقراءة والاستعارة، وأن تكون قاعة المكتبة مكاناً لندوات متخصصة للتعريف بالمبدعين والكتاب العرب، واستضافتهم للتحاور معهم حول إبداعاتهم مع نظرائهم في النمسا ودول الجوار الأوروبي، ويوفر كذلك قاعة لعرض الأفلام والمسرحيات القصيرة المنتجة في العالم العربي، وإدارة النقاش حولها، وقاعة الاستماع الموسيقية، والتي تحوي مكتبة موسيقية تضم أعمال المبدعين العرب في هذا الجانب من جوانب الإبداع، كما تكون مكاناً للاستماع ودراسة الموسيقى العربية. ويخطط في إطار البيت العربي احتوائه على قاعة عرض لأعمال الفنانين العرب والأوروبيين، ويمكن أن تحوي كذلك مرسماً لرعاية الفنانين العرب في النمسا، ووحدة لتعليم الخط العربي. ويحوي البيت وحدة للبحوث والدراسات والنشر، تتولى إعداد الدراسات الضرورية حول القضايا والشؤون العربية، باللغة العربية، لخدمة التنوير والتثقيف في أوساط الأقلية العربية المقيمة في النمسا ودول الجوار، وبالألمانية للمهتمين من الجانب النمساوي خاصة والأوروبي عامة. كما تهتم بمتابعة ورصد ما ينشر في وسائط الإعلام النمساوية ودول الجوار حول القضايا والشؤون العربية، وتعمل الوحدة على تصحيح المفاهيم المغلوطة حول تلك القضايا. وتهتم بإقامة علاقات تعاون وتحاور مع دور النشر والمراكز الثقافية والوسائط الإعلامية النمساوية والأوروبية؛ لشرح وجهة النظر العربية. كما سوف يحوي المشروع وحدة طباعة مجهزة تخدّم على أهداف البيت، وتسوق لمشاريعه، وتقدم بعضاً من إنتاج وحدة الدراسات والبحوث به. وتوفير قاعة مجهزة لدراسة اللغة العربية، تقدم خدماتها للراغبين من النمساويين، المبتدئين والدارسين للعربية في المعاهد النمساوية الذين يحتاجون إلى تعميق دراستهم لهذه اللغة. ويحوي مكاناً مناسباً للالتقاء والتعارف في جو عربي، يتجاور فيه أبناء الثقافة العربية ومحبيها والراغبين في التعرف عليها، ويراعى أن يؤسس على الطراز العربي.