خطاب القرآن عند نصر حامد أبو زيد

غلاف الكتاب (الحياة)
القاهرة - سحر الببلاوي |

أبحاث مؤتمر «ما بعد مفهوم النص» الذي عقدته «مؤسسة أبو زيد للدراسات الإسلامية»، عام 2016؛ صدرت أخيراً في كتاب «القرآن من النص إلى الخطاب» عن دار «العين» في القاهرة في 245 صفحة. وهذه المؤسسة تحمل اسم الباحث المصري الراحل نصر حامد أبو زيد (1943 – 2010) الذي كان يرى أن «النص أداة اتصال ويقوم بوظيفة إعلانية ولا يمكن فهم طبيعة الرسالة التي يتضمنها إلا بتحليل معطياته اللغوية في ضوء الواقع الذي تشكّل من خلاله». وبحسب أبو زيد فإن القرآن قابل لأن تُطبّق عليه مناهج تحليل النصوص اللغوية. يضم الكتاب 11 بحثاً؛ 9 منها بالعربية واثنان بالإنكليزية. والأبحاث بالعربية هي: «صوت الإنسان في الخطاب الإلهي» لابتهال يونس؛ أستاذة الأدب الفرنسي في جامعة القاهرة، و «النص والخطاب في دراسات نصر حامد أبو زيد» للباحث الشريف منجود، و «آليات الانتقال من النص إلى الخطاب عند نصر حامد أبو زيد» لأشرف البولاقي، و «القرآن بين النص والخطاب في رؤية محمود طه ونصر أبو زيد» لبهاء الدين مزيد وحمدي الشريف، و «مِن النص إلى الخطاب: نصر حامد أبو زيد نموذجاً» لحسام الحداد، و «التاريخانية في مفهوم نصر حامد أبو زيد من خلال كتابه مفهوم النص» لسعيد تومي، و «القرآن الكريم بين الشفهية والتدوين» لسعد محمد صبري، و «هل القرآن خطاب ساميّ؟» لعبدالرحمن أبو المجد صالح، و «الإسكندر وقارون في القرآن: خطاب الإسلام وتاريخ العالم» لوليد الخشّاب. والبحثان بالإنكليزية هما لميشيل ماكو ومحمد عبدالمجيد.


قدّم للكتاب محمد حربي، فركّز على الرصد واستخلاص الفائدة من البحوث وتقديمها بأكبر قدر من الإلمام عرضاً وشرحاً وربما تفسيراً، وتساءل عن مدى انتقال أبو زيد في درسه للقرآن الكريم من فكرة «النص» التي تعني عند التراثيين الشيء المنتهي بذاته الذي لا يحتاج إلى تفسير من خارجه، أم إنه كان على وعي مبكر وهو يكتب كتابه الأساسي «مفهوم النص» بطبيعة الخطاب في النسق القرآني؟ وأشار حربي إلى تطور نوعي في اقتراب أبو زيد من النص القرآني، من اعتباره خطاباً إلى التعاطي معه بوصفه نصاً مفتوح الدلالات متعدد الخطاب يمتلك رؤية، في حين أن هناك من الباحثين مَن يرى في هذا الصدد أن نصر أبو زيد لم ينتقل على مستوى الفكرة بل انتقل على مستوى الإجراء الدراسي. ويضيف حربي أن هؤلاء الباحثين لاحظوا أن أبو زيد أشار إلى طبيعة الخطاب في النسق القرآني في كتابه «مفهوم النص» الذي حاول فيه الوقوف عند طبيعة النص الحاكم، ومنهم سعيد تومي وأشرف البولاقي وحسام الحداد. ويقول حربي: «ما الذي سيختلف عندما نقرأ القرآن كنص أو كخطاب؟ والإجابة: إذا اعتبرنا القرآن نصاً فقد صار سلطة حاكمة وإذا قرأناه كخطاب صار فضاء مفتوحاً للجدل والحوار وإمكانية التأويل». وكانت رحلة نصر حامد أبو زيد الفكرية – وفق مقدمة الكتاب - محاولة للإجابة عن طبيعة مركزية النص القرآني وكيف استقام كعمود خيمة لا يمكن الاستغناء عنه، ثم كيف تحول من ساحة مفتوحة لإنتاج الدلالات والمعاني والأفكار وساحة لإنتاج القيم إلى مظلة لفرض السلطة باسم التأويل حيناً وباسم لجم العوام عن علوم الكلام دائماً، وكيف تحوّل النص من فكرة عن الألوهية قوامها الإنسان إلى فكرة عن الألوهية قوامُها السلطة. وكانت ضغوط الواقع يقول - محمد حربي - سبباً في إنتاج الكتاب البالغ الأهمية في خطاب نصر أبو زيد الفكري، لكن الأخير لم يستسلم لهذه الضغوط وحاول تفكيك المشهد الواقعي برده إلى الجذور التي تنتج تديناً متشدداً يفضي وفق تصورات بعينها إلى استباحة المخالف في جسده وماله، ولمّا كان كل تطرف أو إرهاب منسوباً إلى ذلك الكتاب المبين ظلماً فكان من الضروري آنذاك أن يبدأ أبو زيد المشوار الطويل بمحاولة فهم النص. وبحسب المقدمة كذلك؛ ينطلق أبو زيد في دراسته النص القرآني من كون النص سلطة معرفية مركزية، لذلك اشتغل على علوم القرآن القديمة بمناهج لاستجلاء المفاهيم الفاعلة في إنتاج دلالات القرآن الكريم مستوحياً خط أستاذه والأب الروحي لهذه المدرسة أمين الخولي؛ الشيخ الجليل الذي أطلق مفهوماً معرفياً ذا دلالة يصلح لمعالجة العلاقة المتوترة دائماً بين الجديد والقديم عندما قال: «أول الجديد قتلُ القديم فهماً»؛ لكن العرب قديماً وحديثاً وقفوا بالقتل المعرفي عند عتبة التاريخ ولم يقتلوا القديم فهماً بل قتلوا الجديد بوقف الاجتهاد وتثبيت معنى للتاريخ يناقض التاريخ ذاته عندما وجدوا في التاريخ انهياراً متتالياً.

وتحت عنوان «رحلة السندباد الأخيرة»؛ يرصد فصلٌ في الكتاب رحلة نصر حامد أبو زيد، حيث يذهب الكثير من الباحثين إلى وصف نظرة أبو زيد القرآن بأنها بدأت مِن «النص» وانتهت إلى «الخطاب»، ولكن هل تم هذا الانتقال فجأة؟ الحقيقة أن هذا تمّ بالتطور التدرجي عبر مراحل متتالية حدّدها الكتاب في دراسة أبو زيد للماجستير ثم دراسته لابن عربي ثم كتابه «مفهوم النص» عام 1990 ثم إلقائه محاضرة بالإنكليزية عام 2000 بعنوان «القرآن: التواصل بين الله والإنسان»، ثم إلقائه محاضرة في العام ذاته في دمشق لمناسبة مئوية عبدالرحمن الكواكبي تحت عنوان «إشكالية تأويل القرآن قديماً وحديثاً»، وبعد ذلك في عام 2003 تقديمه لورقة بحثية لندوة دعي إليها في باريس حول سبل تجديد الخطاب الدينى بعنوان «نحو منهج إسلامي للتأويل»، ومحاضرة ألقاها كأستاذ كرسي عام 2004 في جامعة الإنسانيات بأوترخت بعنوان «إعادة التفكير في القرآن: نحو تأويلية إنسانية». أما آخر تلك المراحل فكان عام 2008 عندما دعته مكتبة الإسكندرية إلى أن يلقي أربع محاضرات ضمّنها أربع مراحل من تفكيره في الظاهرة القرآنية، فمن تأويل المتكلمين في المحاضرة الأولى إلى تأويل البلاغيين، ثم التأويل الصوفي، والمحاضرة الأخيرة كانت تحت عنوان «مِن النص إلى الخطاب». وسبقت تلك المراحل الثماني، المرحلة الأولى وكانت البداية، فهي تتضمن أن جد نصر لأمه كان مؤذناً لمسجد القرية وأن نصر أتمّ حفظ القرآن وهو في الثامنة من عمره، ما أهله ليكون مؤذناً وإماماً للصلاة، وبهذا نستخلص أن القرآن كان مرتبطاً بحياته منذ ذلك الحين وحتى وفاته.