إعادة كتابة تاريخ العلاقات بين المشرق والمغرب

من المؤتمر (الحياة)
الإسكندرية - علي عطا |

استضافت مكتبة الإسكندرية أخيراً مؤتمر «العلاقات بين المشرق والمغرب العربيين: ماضياً وحاضراً ومستقبلاً: رؤى في إعادة كتابة التاريخ»، والذي استمر يومين، بالتعاون مع «مركز جامعة الدول العربية» في تونس وبمشاركة أكثر من 30 باحثاً، من تونس والمغرب والجزائر وسورية والعراق وسلطنة عمان والسعودية، ومصر، وأوصى بالتركيز على خيار التنمية من خلال المدخل التجاري؛ «باعتباره الطريق الأفضل لتحقيق التكامل العربي». وخلال الجلسة الختامية؛ اعتبر الأمين العام لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية الدكتور سعود السرحان، أن الحديث عن المشرق والمغرب ككتل واحدة هو «وهم»، بما أننا «لا نستطيع أن نتحدث عن مشرق عربي متكامل أو مغرب عربي متكامل». ورأى السرحان أن النخبة لم تعد قائدة للشعبويين ولكن يحدث العكس، فالشعبوية هي التي تؤثر في النخبة مِن خلال وسائل التواصل الاجتماعي. ورأى الدكتور جمال شقرة، أن النخبة المثقفة العربية لم تقدم استراتيجية واضحة وآليات محددة لتحقيق حلم الأمة العربية في الوحدة، حتى لو على المستويين الثقافي والاقتصادي». وأضاف أننا حتى هذه اللحظة لدينا إشكالية في تحديد مصطلح المشرق والمغرب وتعريفه، وما هي دول المشرق وما هي دول المغرب. وفي جلسة تحت عنوان «العلاقة بين الحركات الإصلاحية في المشرق والمغرب العربيين»، تحدث السفير محمد إبراهيم الحصايري عن «مكتب المغرب العربي» في القاهرة، باعتباره رمزاً للتضامن في زمن الكفاح من أجل الاستقلال، لافتاً إلى أن هناك إجماعاً يشير إلى أن تأسيس ذلك المكتب شكَّل نقطة مهمة في قضايا حركات التحرر الوطني؛ فضلاً عن دوره في إصدار مؤلفات لكتاب تونسيين ومغاربة. ورأى أن أهم أعمال المكتب هو مساهمته في تحرير محمد عبدالكريم الخطابي، بعد موافقة فرنسا على إنهاء إقامته الإجبارية عام 1947. وتطرق الدكتور عبدالوهاب خالد إلى دور علماء المشرق العربي في دعم الحركات الإصلاحية المغاربية بعد الحرب العالمية الثانية. وحدث الدكتور فتحي القاسمي، أستاذ الحضارة في الجامعة التونسية، عن العلاقات بين رجال الفكر والإصلاح في مصر وتونس في القرن التاسع عشر؛ وقال أنه عند فتح تونس، جُلب إليها ألف قبطي ليؤسسوا الأسطول في الغرب الإسلامي. وأشار إلى أن العلاقات بين البلدين انطلقت مع عصر النهضة في عهد محمد علي باشا الذي استعان بالتوانسة في تأليف القواميس والكتب الطبية، ثم أتى العالم محمد بن علي التميمي المغربي واستخدمه إبراهيم باشا ليكون مربياً للأمير إسماعيل.


من جهة أخرى، تحدث الدكتور علي بن راشد المديلوي عن دور عُمان في التجارة البحرية القديمة، بين المشرق والمغرب، والذي أتاح لها نقل تيارات ثقافية متباينة ودعم مراكز الحضارة في منطقة الشرق الأدنى القديم. وفي جلسة بعنوان «أصول العلاقات المشرقية المغاربية»، تحدث الباحث التونسي علي حمريت؛ عن أن بعض الأحاديث النبوية - بقطع النظر عن صحتها - تؤسس للرأي السائد لدى عموم الناس في بلاد المشرق، والخاص بحض المسلمين على الارتحال إلى بلاد المغرب، الأرض المفتوحة الجديدة. وأضاف أن هذه الأحاديث ترن في أذهان أهل المشرق وهي تدعو إلى ترسيخ الفتح للبلاد المغاربية، وتحويل هذه المنطقة إلى بلاد هجرة لتصبح مركز إشعاع للحضارة الإسلامية التي مبدؤها المشرق، ومن هنا جاء تأسيس أول مدينة عربية لضمان هذا الاستقرار وهي القيروان كنواة أولى، منذ خلافة عثمان بن عفان (644 – 656). وأوضح حمريت أن الفاتحين العرب في القرن السابع كانوا متحدرين من حضارات مصر والشام وبلاد ما بين النهرين، وتكون جيل جديد من المولدين أو الشباب الذي مزج دم العرب بدم البربر وعمَّق التواصل مجتمعاً جديداً ساهم في تمتين الروابط بين المشرق والمغرب.

وأشار إلى أن العلاقات بين العراق وتونس لم تنقطع قط، ولعل أبرز أمثلته في العصر الحديث إقامة الشيخ عبدالعزيز الثعالبي في بغداد سنوات كثيرة كان فيها الزعيم العربي والإسلامي المحبوب والمؤثر، قبل حصول تونس على استقلالها عام 1956.

وقالت الدكتورة حسناء داوود؛ مديرة مكتبة تطوان في المغرب، إن الصحوة في المغرب حول العلاقات بين المشرق والمغرب بدأت في النصف الأول من القرن العشرين، بعدما شعر الكثيرون بالخطر الذي صاحبَ حقبة الاستعمار، إذ فرض الأجانب لغتهم، لذلك حاولت فئة متفتحة في المغرب إحياء الروابط التي تجمع البلاد مع الأشقاء العرب للحفاظ على الهوية.

وأضافت أن هذه الصحوة أخذت في التزايد، وفي عام 1920 وصلت أول بعثة تعليمية من تطوان إلى نابلس ومن هنا بدأت علاقة وطيدة مع فلسطين، وعقب ذلك تم إرسال بعثات إلى القاهرة التي كانت مقصداً لكثير من المغاربة الراغبين في التزود من العلم والدراسة في جامع الأزهر الشريف أو جامعة القاهرة. وأكدت داوود أن علاقة تطوان بهذه المراكز من خلال البعثات التعليمية ساهمت في زيادة الروابط، فهذه البعثات عادت بثقافة عربية رصينة وقادت حركة الحفاظ على الهوية في المغرب، وحمل الطلاب عقب العودة لواء الدفاع عن القضايا المشتركة ومن بينها الكفاح ضد الاستعمار، وهو ما تمخَّض عنه إنشاء «بيت المغرب» في القاهرة، والذي كان له دور كبير في النشاط السياسي.

وأوضحت أن أول مدرسة تأسست في شمال المغرب هي المدرسة الأهلية في نهاية عام 1924، وكان صاحبها يستورد المناهج التعليمية من مصر وسورية. وتحدثت الدكتورة إكرام عدنني؛ أستاذ العلوم السياسية في جامعة بن زهر بالمغرب، عن أن العلاقات الروحية والدينية ببن المغرب الكبير والمشرق تعود إلى قرون عدة رغم الجذور الأمازيغية والقرب من الثقافة الأوروبية. وأضافت أن الرحلات إلى بيت الله الحرام أسست للتواصل بين المشرق والمغرب، كما أن العلاقات مع مصر كانت متأصلة والدليل على ذلك وجود عدد كبير من الأضرحة في مصر لأئمة مغاربة أو ذوي أصول مغاربية. وتحدث الدكتور عبدالعزيز صلاح سالم؛ الأستاذ في كلية الآثار بجامعة القاهرة، عن أن الموقع الجغرافي كان بمثابة نقاط اتصال بين مصر والمغرب، حيث تعد كل منهما بوابة للانفتاح على البلاد الأخرى. وأكد أن القواسم المشتركة بين البلدين كثيرة من بينها ما يظهر في تخطيط المدن مثل مدينتي فاس والقاهرة وكذلك تخطيط مدينة الرباط، كما ظهر في بناء المساجد والجامعات وغيرها من المباني.

وتحدث الباحث السوري محمد مرعي عن «ارتحال ابن خلدون إلى مصر: الدوافع والتفاعلات مع الوسط الجديد، والمخرجات»، ولفت إلى أن ابن خلدون لم يكن مجرد مشاهد أو مؤرخ بل كان صانعاً للحدث، وكان منخرطاً في الدسائس والمؤامرات التي حدثت في المغرب الإسلامي. وأشار إلى وجود عدد من الأسباب غير المباشرة لترحال ابن خلدون إلى مصر، منها أنه لم يكن يشعر بالانتماء إلى الوسط المغاربي، وأنه حاول أن تكون له باع سياسية في المغرب ولم ينجح، وأن الجو العام في المغرب لم يكن مناسباً لأفكاره.

وتحدث مرعي عن عدد من شواهد تفاعل بن خلدون مع البيئة المشرقية، ومنها كتابه «التعريف»، ورحلته إلى دمشق مع السلطان لمواجهة الغزو المغولي، وأخيراً مبادراته للتفاعل بين المشرق والمغرب، والتي جعلت منه سفيراً للمغرب الإسلامي في مصر.

وتناول الباحث المصري مصطفى وجيه موضوع «مصر كما شاهدها الرحالة الأندلسيون المدجنون»، مركزاً على رحلة عبدالله الصباح من الأندلس إلى بلاد المشرق، ابتداء من المغرب ثم طرابلس والإسكندرية والقاهرة والحجاز ثم بيت المقدس ودمشق وبغداد. ولفت إلى أن تلك الرحلة وثَّقت الكثير من الأوضاع في مصر في تلك الحقبة الزمنية، من خلال وصف الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية.

من جهة أخرى، تناول الدكتور هاني حمزة رحلة عبدالباسط الظاهري من مصر إلى المغرب، لطلب العلم، ووصف فيها الأحوال السياسية والاجتماعية في بلاد المغرب، ومنها الاضطرابات السياسية في تونس، وغارات القراصنة من الفرنجة على بلاد المغرب، والعادات الاجتماعية والاحتفالات في دول المغرب العربي.

وألقى الدكتور أيمن فؤاد السيد كلمة بعنوان «القاهرة بين ابن جبير وابن خلدون»، عقد فيها مقارنة بين وصف الرحالة المغاربة للقاهرة، بخاصة أوصاف جامع عمرو بن العاص، وجامع الحاكم بأمر الله، وجامع أحمد بن طولون، ومساجد الإسكندرية، ووسائل الانتقال في القاهرة، وغيرها. وتحدث الدكتور زكريا عناني، في موضوع «الموشحات بين المشرق والمغرب»، موضحاً أن الموشح بدايته غامضة؛ فمن المؤكد أن له شقاً عربياً، ولكن مع البحث في الدواوين والكتب القديمة لوحظ وجود نصوص غير عربية تدخل في الموشحات، يرجح بحسب شاعر الموشحات بن ثناء الملك؛ أنها لغة الأمازيغ في المغرب. وأردف «عناني» أن ابن خلدون ذكر أن الموشح بعد أن انتشر تحوَّل إلى العامية وشاع استخدامه في الأغاني، لكن بعضهم خالفوه، مؤكدين أن الأهازيج هي أصل هذا الفن، موضحاً أن مدينة الإسكندرية كانت بمثابة المكان الذي ينطلق منه فن الموشحات بعد أن قدمَ إليها السيلفي، وهو أحد شعراء الموشحات الإيرانيين، وتتلمذ على يديه الكثيرون ممن نقلوا الموشحات إلى المغرب العربي.

وتحدث الدكتور محمد الجمل؛ عن «التأثيرات الفنية والمعمارية بين المشرق والمغرب»، موضحاً وجود عدد كبير من المساجد في المغرب التي تتشابه مع مساجد مصر وسورية، وهذا الطراز نقله عبدالرحمن الداخل إلى الأندلس، حتى أن كثيراً من المؤرخين ذكروا أن المباني تؤكد أنه لم ينس من أين جاء.

وخلال الجلسة الافتتاحية، أعرب مدير مكتبة الإسكندرية الدكتور مصطفى الفقي؛ عن سعادته لاستضافة هذا الحشد من المفكرين والمثقفين والأدباء العرب، مؤكداً أنه لا يوجد أفضل من مدينة الإسكندرية لاستضافة هذا الحوار وطرح رؤية مستقبلية حول العلاقات المشرقية - المغربية، فهي الملتقى الحقيقي بين المشرق والمغرب.

وأكد الفقي أن انتماءات مصر مشرقية ومغربية على حد سواء، فهناك تلازم تاريخي قوي بين مصر ودول المشرق، كما أن هناك الكثير من الشواهد على الحضور المغاربي في مصر، فقد استقبلت مصر أولياء الله من دول المغرب العربي واحتفت بهم على مدار التاريخ، كما توجد عائلات كثيرة من أصول تونسية في منطقة الحمَّام غرب الإسكندرية، وما زالت اللغة الأمازيغية مستخدمة في سيوة إلى الآن. وشدد الفقي على أهمية الحوار والتبادل الثقافي والمعرفي بين دول المشرق والمغرب العربيين، بخاصة أن دول المغرب العربي تمتعت بتواصل ثقافي مع الغرب وعلاقات حضارية مع جنوب أوروبا وأصبح لها نافذة واسعة على الثقافات المختلفة، وهو ما لم يكن متاحاً لعرب المشرق.

ولوحظ أن المؤتمر استهدف إعادة التركيز على ملف العلاقات المشرقية - المغربية الـذي انزوى في العقد الأخير، ولم يعد يحظى باهتمام الباحثين العرب، بحسب القائمين على المؤتمر الذين رأوا أن الخطوة الأولى في هذا الصدد تتمثل في توعية النخب والجماهير بعمق العلاقات العربية، خصوصاً في ما يخص عوامل الاندماج الثقافي والحضاري والاجتماعي الذي جسَّدته الرحلات الفردية والهجرات الجماعية بين مشرق العالم العربي ومغربه على مدار قرون. من ناحية أخرى، بقدر ما يكشف هذا المسح عن عمق العلاقات المشرقية - المغربية، فهو يوضح أيضاً ثراء التجربة الثقافية العربية عبر قرون من خلال كشف المسارات المتنوعة التي اتخذتها الشعوب والمجتمعات العربية في سبيل تطورها.