«أخبار الأيام» لبوب ديلان: أغنية الذاكرة

غلاف الكتاب
ممدوح رزق |

في مذكراته «أخبار الأيام» التي صدر الجزء الأول من ترجمتها العربية حديثاً بتوقيع عبد الوهاب أبو زيد عن مجموعة «كلمات»- الشارقة، يسرد بوب ديلان الماضي كأنما يطمح لتحويله إلى أغنية ممتدة، تمزج بين عفويتها اللحنية، وانضباطها البنائي الخاص. تصبح صور التفكير وممارسة الحياة وتأمل البشر والوعي بالتفاصيل والأحداث أشبه بالنوتات الموسيقية التي تمثل في تشكّلها وامتزاجها احتمالات لا نهائية لصوت بوب ديلان. «غير أن جون كان رجلاً استثنائياً. لم يكن ينتج تسجيلات غير ناضجة أو يسجّل لفنانين أغرار. كانت لديه رؤية وبصيرة، شاهدني واستمع إليّ، أحس بموهبتي وآمن بما سآتي به في المستقبل. قال لي إنه يراني كشخص أنتمي إلى خط طويل لتقليد ما، تقليد البلوز، والجاز، والفن الشعبي». ثمة شغف طفولي يمكن إدراكه في استدعاء وتشريح الحائز على جائزة نوبل 2016 للشخصيات التي رسمت علاقاته بها مشاهد عالمه الإنساني والفني؛ إذ يبدو كأنه يسترجع أو يُعيد التوحد بتلك النظرة المفتونة أو ذات الحساسية الاستكشافية، التي كان يراقب بها هذه الشخصيات، ويتعرّف إلى تواريخها المتباينة، ويختزن ملامحها ومظهرها وطباعها، وبالضرورة أساليب عزفها وغنائها. كانت تأثيرات هؤلاء البشر، والأطر التي تكوّنت لقاءاته بهم من خلالها أقرب إلى ذخيرة جمالية ستتحوّل إلى أغنية دائمة التشكّل للذاكرة، في مواجهة الزمن، أراد بوب ديلان أن يعطيها في مذاكراته نظاماً سردياً يتيح لها إعادة إنتاج نفسها، أي أن تعثر على أحلامها داخل نطاقات معرفية وشعورية تتخطى طبيعتها الأصلية، فضلاً عن حضورها الرمزي في قصائده وأغنياته. يعتمد هذا النظام السردي على توظيف الإيقاعات المختلفة للعبارات القصيرة والطويلة، والتي تتخللها اتكاءات استطرادية منوعة من المجاز، تُعادل الهارموني الموسيقي بين النغمات الرئيسية والثانوية، وهو ما يشيّد طبقات من الصور الملوّنة بعواطف مختلفة، وإن كانت النبرة الهادئة في المذكرات يمكن الإنصات إليها كحاكم مهيمن بطريقة ما، الأمر الذي ينسجم مع الطابع التقريري لعنوان المذكرات.


«ما كان يميزني حقاً في تلك الأيام هو ذخيرتي من الأغنيات. كنت أكثر ثراءً من بقية عازفي المقاهي، وكان القالب الذي أقدمه هو الأغنيات الشعبية الجامحة hard-core المدعومة من دون توقف بالعزف على الأوتار بصوت عالٍ. كنت إما أن أنفر الناس مني أو يقتربوا أكثر ليتبينوا حقيقة ما أفعله. لم تكن هناك حالة بين الحالتين. كان هناك مغنون أفضل مني وموسيقيون أفضل حول تلك الأماكن، لكن لم يكن هناك أحد قريب من طبيعة ما كنت أفعله».

هل أراد بوب ديلان أن يحقق في مذكراته- كأغنية حكائية تسعى لتجاوز واقعها السابق- ما فعله «جاك كيرواك» في «على الطريق» على مستوى التأريخ للأسماء والوقائع الأدبية والفنية وأماكنها من خلال منظوره الموسيقي للسرد؟ يحضر «كيرواك» في «أخبار الأيام» لا ليقدم دليلاً على هذه الرغبة عند بوب ديلان فحسب، بل ليؤكد أيضاً على القوة التبادلية للأثر الفكري عند المنتمين إلى جيل «البيت» الأمريكي الشهير: جاك كيرواك، ألن غينسبرغ، ويليام بوروز، لورنس فرلينغيتي، غريغوري كورسو، أدريان ميتشيل، ديان دي بريما، وغيرهم.

«أردت أن أشعل النار في هؤلاء الناس، هؤلاء المقتحمين الأبواب، الأشباح، المتعدّين، الديماغوجيين، لقد كانوا جميعاً يتسببون بالقلق لحياتي المنزلية. وما زاد الطين بلة هي حقيقة أنني لن أستطيع التعرّض لهم، وإلا فسيرفعون عليّ القضايا في المحاكم. كل نهار وكل ليلة كانا مليئين بالمشكلات. كل شيء كان خاطئاً، العالم كان سخيفاً. كان يدفع بي في زاوية. وحتى الأشخاص القريبين والمقربين لم يعرضوا عليّ أي مساعدة».

ثمة صراع يبدو كمحرّك أساسي للعالم في هذه المذكرات: أن تمتلك ما تعتبره قوتك الذاتية، وأن توفر لها الحماية من التهديد الذي يطاردها لأن تكون شيئاً آخر. يحلم بوب ديلان بحياة طبيعية، ومنزل في حي مزين بالأشجار مع سور خشبي أبيض، وورد زهري اللون في الفناء الخلفي... الحلم الأعمق المتآلف مع بصيرته الموسيقية، أي القوة الذاتية التي لا تطرح نفسها كسلطة .. لكنه في الوقت ذاته محاصراً بالنظر إليه كرمز، يسوق المشهد الموسيقي برمته، خاسراً خصوصيته التي لا يستطيع شراءها مجدداً... مع ذلك يفكر بوب ديلان في قوته الذاتية أيضاً من خلال رجاءها الكلي، أي في الاستحواذ الشامل على فكرة القوة... يكاد يكون الاحتفاظ للأبد بذلك الشعور الذي كان لديه حين لعب دور جندي روماني صامت فوق المسرح: «شعرت بأنني جزء من كل شيء، في مركز الكوكب، لا أُقهر».

ربما يظهر هذا بوضوح عند تفكيره في حكمة مكيافيللي: «لكن بضعة أشياء بدت لي نافرة، مثلاً، حين قدم الحكمة التي تقول إنه من الأفضل أن تكون مهاباً على أن تكون محبوباً، وهو ما يجعلك تتساءل إن كان مكيافيللي يفكر تفكيراً عميقاً حقاً. أعرف ما كان يعنيه، لكن أحياناً في الحياة، قد يوحي شخص ما محبوب بخوفٍ لم يحلم به مكيافيللي على الإطلاق».

هذا ما قد يخلق الاستفهام: هل كان بوب ديلان يدافع عن نفسه كـ «شخص محبوب» يفكر في ما يشعر أنه ينقصه ـ سنلاحظ الإعجاب المتكرر في المذكرات لشخصيات تجمع بين الحب والهيبة ـ أم أنه أراد أن يثبت ما يعتبرها حقيقة لم تترسّخ بالقدر الكافي عن وجوده، وهو ما قد يجعلنا نفكر في ذلك الذي ربما يكون هوساً جذرياً بأقنعته الاعترافية الممكنة عند بوب ديلان... ربما هو الهوس الذي صنع الأيام التي يمكن قراءة أخبارها كأحاسيس ضمنية في أغنياته.