منطق القوة والمصلحة الفجة في رؤية ترامب للعالم

حسن منيمنة |

تغنّى الرئيس دونالد ترامب أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة يوم الثلثاء الماضي، بالعالم الجميل السائر إلى التحقّق، إذ يتشكل، على ما يراه ويسعده، من كوكبة متناثرة من الدول المستقلة والسيدة، كل واحدة منها ذات نظام مختلف وطابع خاص، وفي كل واحدة يسعى مواطنوها، انطلاقاً من حبّهم لوطنهم، إلى تحقيق مصلحته عبر إيلائه كامل الأولوية. هي رؤية زهرية، إذا اقتصرت القراءة على السطح. ولكن، ما إن يجري التمحيص بتفاصيلها حتى يتبين أن النتيجة الأكيدة لها إفساح المجال أمام منطق القوة والمصلحة الفجّة في العلاقات الدولية.


فالرؤية التي تقدم بها دونالد ترامب تنطوي على ثلاثة مواقف رئيسية متداخلة تضرب وتنفي أسس النظام العالمي القائم: 1- هو أشار إلى أن السيادة الوطنية متقدمة على أي تأطير دولي، بل إن السعي إلى صوغ إطار دولي بحدّ ذاته هو انتقاص من السيادة وبالتالي غير مقبول. في هذا الموقف نقض صريح لمنظومة المؤسسات الدولية التي تتشكل كإطار توافقي لإدارة العلاقات على مستوى العالم. 2- وشدّد على أن الهوية الوطنية، بما تتضمنه من نظام سياسي وقناعات مبدئية وتدابير إجرائية وتدابير، هي واقع متحقق لكل دولة الحق أن تجسده وفق ما ترتئي، ولا يصح إصدار الأحكام من الخارج. ففي هذا الموقف، نفي للقيم العالمية كمفهوم جامع وكأساس ينبني عليه النظام الدولي. 3- وأعلن أن الصداقة بين الدول تكون على أساس المقايضة والتوافق على المصالح المشتركة ضمن العلاقات الثنائية. من المسلّم به أن الدول تتحرك على أساس المصالح، غير أنه من المتوافق عليه كذلك أن الاعتبارات المعنوية تشكل ضابطاً للسعي إلى تحقيق المصالح، ليس انطلاقاً من إلزامات تطوعية خيرية، بل للحرص على الاستقرار والاستمرار بما فيه مصلحة الجميع. طرح ترامب هنا يسقط كل ما عدا المصلحة الآنية ويصرّ على تحقيق الكسب الفوري. وهذه المواقف ليست جديدة، بل هي مستلّة من أدبيات المحافظين القدامى، وإن جاءت خارج السياق، زماناً ومكاناً. كان المحافظون القدامى قد استماتوا، في التسعينات مع خمود الحرب الباردة وانهيار المنظومة الاشتراكية، في السعي إلى إسماع صوتهم يوم كان السجال بين توجه تقدمي يدعو إلى اندراج الولايات المتحدة بمنظومة عالمية، وتوجه محافظ جديد يرغب في ترجمة الانتصار على الشيوعية نشراً للنظام السياسي والاقتصادي في أرجاء العالم. التقدميون كانوا يريدون الولايات المتحدة جزءاً من العالم، فيما المحافظون الجدد كان يسعون إلى عالم تحت جناح الولايات المتحدة. أما المحافظون القدامى، فريبتهم من الخارج، وقناعتهم بأنهم أصحاب نظام يعلو ولا يعلى عليه وقيم تعجز بقية أهل الأرض عن استيعابها وتطبيقها، كانت تدعوهم إلى الانكفاء والانطواء، وترك العالم لحاله، حيث لا صلاحه ولا فساده من شأنهم أو شأن بلادهم، بل همّهم الاستمرار بما كان عليه من سبقهم. بدت هذه الرؤية أنها من زمن غابر، إذ هي تتعامى عن التداخل القسري على المستويات كافة، والتي أمسى معها الانعزال مستحيلاً.

واليوم، بعد أكثر من عقدين، إذ بها تبعث من جديد، شكلياً وحسب، إذ لا يبدو ترامب والفريق المحيط به متجانسين في اعتناق المحافظة القديمة. نعم، ترامب كرّر ولا يزال رغبة في الانسحاب من أكثر من موقع عالمي. لكنه في الآن نفسه يمعن في الانخراط بما يتناقض مع رؤيته المطروحة. السؤال مثلاً لماذا لا ينطبق على فنزويلا مبدأ أن نظام الحكم فيها شأن سيادي داخلي ليس لأي طرف خارجي أن يتدخل فيه؟ الجواب من فم ترامب هو أنها في النصف الغربي من الكوكب، وأن سياسة الولايات المتحدة منذ زمن «مبدأ مونرو» هي أن هذا النصف يندرج في إطار الأمن الوطني للولايات المتحدة. وعليه، ففنزويلا، وكذلك كوبا، من الاستثناءات التي تتطلب استدعاء التأسف على حقوق الإنسان من جوف خطاب العالمية المطعون به أو المهمل في غير ذلك من الحالات. هو حساب الربح والخسارة. حيث إمكان الربح يكون الاستثناء، وحيث احتمال الخسارة يتم الركون إلى الانعزال.

الاستثناء الآخر المماثل هو إيران. ترامب يتوعّد بأن العقوبات سوف تتضاعف وأن التضييق سوف يستمر. فالسؤال الذي لا بد للمتضررين من المسعى الإيراني إلى التوسع في المنطقة من طرحه هو: ما هي حسابات الربح والخسارة هنا؟ على أي أساس يقوم هذا الحزم إزاء إيران؟ ليس لحقوق مواطنيها، وإن ذرفت الدموع من بعض المسؤولين الأميركيين بهذا الشأن غبّ الطلب. وليس لأن إيران ظالمة داخل حدودها وخارجها، فهذه مسائل يجاهر المنطق الجديد بغضّ النظر عنها. ثمة أسباب ذاتية لهذا العداء المتأصل: رغبة ترامب في نقض ما أقدم عليه سلفه أوباما طبعاً، والتأييد الواسع النطاق في صفوف مؤيديه لإسرائيل وحرصهم على أمنها. ما لا يمكن تجاهله هو أنه في المسألة قراءة تجارية وأن هذا التصعيد مجدٍ لترامب مادياً، مالياً، سواء لسعي الدول المتضررة إلى اقتناء النظم الأمنية والعسكرية المتطورة، أو لحاجتها إلى المحافظة على علاقة طويلة الأمد مع واشنطن، ما يمكن تجييره لمصلحة الاستثمارات والإيداعات. ولكن، ماذا لو بلغت طهران ذكاء بيونغ يانغ، وجاء منها ما يمنح هذا الرئيس التوّاق إلى الإطراء ما يرضيه، ضمن باقة من المواقف تعيد ترتيب الأوضاع المالية والعسكرية في المنطقة لتعدل حسابات الربح والخسارة؟ هذا تحديداً ما يسوّق له البعض في واشنطن، مؤكدين أنه لا تناقض جوهري بين إيران والولايات المتحدة، وأن إيران إذ تحتاج إلى بعض الوقت لإعادة التموقع، فإنها الشريك الموضوعي للولايات المتحدة في المنطقة. تبدو هذه الطروحات اليوم فقيرة الحظ بالتحقق، ولكنها ليست مستحيلة من حيث المبدأ، إذ من يقدّم الصفقة الأفضل هو من يحظى باهتمام البيت الأبيض الجديد.

فالرؤية التي يطرحها ترامب، وإن استعارت التصور المحافظ القديم لرسم معالمها الإجمالية، لا تتفق مع هذا التصور بطابعه العقائدي، بل تستفيد منه وحسب لإتاحة المجال للمجاهرة بمنطق القوة غير المقيدة والسعي السافر إلى الكسب من دون رادع، وصولاً إلى استقالة أميركية من العالم، حيث في الأمر كلفة وواجبات، واستمرار في التدخل بل إمعان فيه على أشكاله، حيث يتوفر الربح وتقتضي المصلحة. إلى أمس قريب، كان هذا التصوير اتهاماً من خصوم الولايات المتحدة لها، أما اليوم، فترامب يعتنقه من دون حرج. هو طرح شاذ، وإن توهم البعض أصالته، وفرص العودة عنه حاضرة لأن تتوالى. أسابيع قليلة تفصل الولايات المتحدة عن إحداها. ومن بعدها يأتي غيرها، إن لم تكن نتيجة الانتخابات النصفية وفق رغبة من يعتبر هذه الرؤية وصاحبها خروجاً عن تاريخ هذه البلاد وقيمها.

الأكثر قراءة في الرأي