ذكرى رحيل سيد درويش الـ 96

(روسيا اليوم)
القاهرة - محمد الصاوي |

هل فعل سيد درويش بالموسيقى ما فعله برومثيوس بالنار؟ لقد سرق الأخير النار من فوق جبال «الأولمبس» كما تروي الأسطورة الإغريقية وأهداها إلى البشر، ودرويش خطف الموسيقى ووضعها على قائمة الحياة اليومية للشعب المصري. شيد الموسيقي النابغة بنيان الموسيقى المصرية الحديثة، وسطر بأوتاره تاريخ هذا الفن ودوره في حياة الإنسان والمجتمع.


لم يبن ذلك العبقري الأوبريتات والطقاطيق والموشحات والأدوار المعجزة على فراغ، بل أسس بنيانه فوق أركان الموسيقى الشعبية التراثية «المجهولة المصدر»، ووضع مفاهيم التحديث والابتكار والتعبير في إطارها العلمي والفني الصحيح، مستلهماً إنجاز الرواد المجددين وبينهم محمد عثمان وكامل الخلعي وداود حسني وسلامة حجازي، ومساهماتهم في تطوير قالب الدور «والميل إلى السلاسة والسرعة في ألحانهم» حتى جرت وشاعت بين الناس.

واستند سيد درويش الذي يتم إحياء ذكرى رحيله السادسة والتسعين إلى مقومات الأوبرا الأوروبية وتعدد الأصوات والخطوط اللحنية– الهارمونية، وهو ما وظفه في تلحين المسرحيات الغنائية التي فقد الكثير منها من دون حفظ أو تسجيل أو تدوين.

فاضت موهبة درويش من كل تلك المناهل وما تلقاه وسمعه من فنون الشام خصوصاً في رحلته الثانية. فقد كانت الفئات الاجتماعية والوطنية متعطشة لمن يعبر عن أحوالها، وبرزت نخبة من الدرر والرموز الوطنية، عبر «مشروع القرش»، وكان ذلك الزخم والتلاحم بين الفكر والفن وترسيخ مفهوم الوطنية والاستقلال إبان ثورة 19 الشعبية.

وقاطرة موسيقية يقودها سيد درويش بمنتهى العفوية الثورية كانت تطوف أحياء القاهرة وهو فوق عربة خيل (حنطور) ومعه مغني فرقته سيد مصطفى ونجيب الريحاني مع مجموعة أخرى، وهكذا لم يكن ينقضي الليل، إلا ويكون أهالي القاهرة قد حفظوا اللحن والكلمات!

وكان درويش وقتها ملكاً متوجاً بألحانه على مسارح شارع عماد الدين «بروداوي الشرق» حينها، وإذا كانت آلهة «الأولمبس» قد عاقبت بروسيثيوس بأن قبلته بالأغلال، فإن التطاول والتجني على موسيقى درويش من بعده أو الإهمال والتغييب، كانا عقاب سارق الموسيقى. ويذهب بعضهم إلى أنه مات بالسم، ليُسكت المحتل البريطاني، هذا الصوت الذي يؤجج حماس الجماهير ويدفعهم إلى الشوارع ويضع على ألسنتهم الهتافات.

أما أصعب الاتهامات وأكثرها عبثاً، ما تردد وأشيع عن أن درويش هو فنان ذو أعمال هابطة، متذرعين بأغاني الطوائف مثل «السقايين» و «الغرسونات» وغيرها، ولكن لم يجد مسؤولو الدولة المصرية بعد نكسة 1967 سوى أعماله لبعث الروح في الدولة.