خيار الهجرة أو العودة إلى الوطن... كلاهما أمرّ من الآخر

يخشى آباء ظاهرة التغريب التي تستبد بأبنائهم (آي ستوك)
مونتريال – علي حويلي |

ليس من المبالغة القول أن قرار الهجرة أو العودة إلى الوطن، وكلاهما أمرّ من الآخر، هما من أصعب الخيارات التي يمكن أن يُقدم عليها المرء في لحظة حاسمة من حياته، علماً أنهما فقدا بمرور الزمن الكثير من مبرراتهما الذاتية والموضوعية، وخبت جذوة ما كان معقوداً عليهما من آمال وأحلام وطموحات.


مرّ على اللبنانيين زمن، إبان الحرب الأهلية، لا سيما على شريحة اجتماعية كان معظم أفرادها قد بلغ مستوى مرموقاً من الاستقرار المادي والمعنوي، وكان قاب قوسين أو أدنى من بلوغ ما كان يصبو إليه من تطلعات. إلا أن قسوة الحرب الطائفية المذهبية العبثية القذرة قوّضت مقوّمات الصمود فاستحالت ضرباً من الانتحار والموت البطيء الذي لم يكن المواطن اللبناني يدري في أي لحظة أو في أي مكان يكون فيه حتفه. في مثل تلك الأجواء، كان كثر من اللبنانيين، عائلات وأفراداً، يتهافتون إلى سفارات البلدان الأوروبية والأميركية، سعياً إلى الخلاص والنجاة، ومن دون أي اعتبار لوظيفة أو عمل أو دراسة أو مستقبل. فعلى سبيل المثل، فاق عدد المهاجرين اللبنانيين عام 1990 الـ15 ألفاً، وهو أعلى رقم سجلته دوائر الهجرة الكندية حينذاك.

رحلة الاغتراب

كانت كندا في ذلك الظرف العصيب، أكثر من غيرها، المقصد والمرتجى والمغامرة. ولم يكن معظم الراغبين بالهجرة إليها على معرفة بها وبأحوالها، ما خلا إشاعات كانت تتناهى إلى مسامعهم من أن السلطات الكندية تستقبل المهاجرين على أرض المطار وتهيئ لهم المساكن والعمل وتمنحهم الضمانات الاجتماعية والصحية والتعليمية. وسرعان ما تبيّن أن كل ذلك كان وهماً وسراباً. وتوالت بعد ذلك الهواجس والمفارقات والاستحقاقات الأليمة لتشتد وطأة المعاناة على كاهل الآباء والأبناء الذين شعروا كمن قُطع من شجرة، لا أقرباء ولا أصدقاء ولا من يحزنون. فكان لزاماً عليهم أن يقلعوا شوكهم بأيديهم ويتسلّحوا بالصبر وطول البال حيناً ويتظاهرون بالمكابرة والتحدّي حيناً آخر، وهم يتلمّسون طريق الاستقرار في المجتمع الجديد.

لم يكن كثر حينذاك بين ذلك الرعيل من المهاجرين، على دراية مسبقة بنظام العمالة الكندي وأسواقه وأساليبه ومعطياته وكيفية ولوجه، ومع ذلك ظنوا أن ما يحملونه من متاع أكاديمي أو مهني يؤهلهم للوصول إلى وظائف معقولة أقلها في حقول اختصاصاتهم. وكانت المفارقة الصارخة حين بدا لهؤلاء أن تلك الشهادات والخبرات لا تساوي شيئاً، وأن مفعولها انتهى منذ لحظة خروجهم من حدود الوطن. حيال ذلك، وجد هؤلاء أنفسهم أمام أمرين، إما أن يعاودوا تأهيلهم العلمي والمهني ويطعّموه بشهادات وخبرات ومهارات لغوية أجنبية، حيث تمنح سوق العمل الكندية فرصاً أفضل لمن يتقن الفرنسية والإنكليزية، وإما أن ينصرفوا إلى العمل اليدوي في مهن وضيعة لم يكن لها في حياتهم أي حسبان، وينسوا ما كانوا يحملونه من ألقاب رفيعة لم تعد تُسمن ولا تغني من جوع. ومهما كان الخيار، فإن ما قد حصل لم يكن على مستوى الطموحات ما خلا خروقات في قطاعات الخدمة العامة، وهي على محدوديتها لا تقاس بالعدد الكبير الذي تحول نحو مهنة سائق الأجرة أو العمل في المصانع أو اللجوء إلى مكاتب المساعدات الاجتماعية. وهؤلاء إلى اليوم لا يزالون يعانون من مرّ الغربتين في ظل ما يستبد بهم من حال اليأس والقنوط والاكتئاب وانفصام الشخصية، وغيرها من الخلافات العائلية التي تنغّص الحياة الاغترابية وتؤرق جفون الجميع. ومن مؤشراتها:

الشعور بالإستقلالية

من التقاليد السائدة في المجتمع الكندي أن الأولاد الذين يبلغون سن الـ18، يصبحون قانونياً وعائلياً مسؤولين عن أنفسهم وأعمالهم وتصرّفاتهم، ويتمتعون بكامل الحقوق والحريات التي تتيح لهم أن يستقلوا في حياتهم بعيداً من ذويهم، ويشكّل هؤلاء حوالى 56 في المئة من هذا المجتمع الكندي. هذا الواقع الغريب عن تقاليد الأسرة اللبنانية سرعان ما انسحبت آثاره، في شكل أو في آخر على عدد من الشابات والشبان وتأصلت في نفوسهم تلك النزعة الاستقلالية، مادياً ومعنوياً، حتى إنهم لم يتورّعوا مثلاً عن المجاهرة أمام ذويهم بحقهم في إقامة علاقات عاطفية هي غير بريئة إجمالاً. ويزداد قلق الآباء أكثر فأكثر على بناتهم خشية وقوعهن في انحرافات مماثلة، لذا يتشددون غالباً وينهالون عليهن في كل مناسبة بالتحذيرات والاستفسارات على شتى أنواعها، ويذكّرونهن دوماً بالمحظورات التي لا يمكن تجاوزها في أي حال. ولا غرو ما إذا كان هاجس الآباء الأكبر تدبير عرسان لبناتهم، ولو في وقت مبكر أحياناً، وفي شروط غير متكافئـة أيضاً بدافع ما يسمونه «الستر» ورفع المسؤولية «الشرعية» عن عاتقهم.

تغريب الأبناء

ظنّ عدد من الآباء أن الهجرة إلى هذا البلد أو ذاك لم تكن إلا نوعاً من هجرة الضرورة محكومة بالعودة عاجلاً أم آجلاً. إلا أن تاريخ الهجرة اللبنانية يؤكّد العكس. فعدد المهاجرين في بلدان الانتشار يفوق أكثر من خمسة أضعاف المقيمين. إنها سنّة الهجرة التي تحوّل المرء هناك من مهاجر إلى مشروع مواطن إلى مواطن قلباً وقالباً، بمعنى أن الجيل الأول يؤسس للثاني والثاني للثالث وهكذا دواليك، إلى أن تنقطع صلة الرحم والتواصل الوطني ويبلغ التغريب أقصى مداه. من هذا المنطلق، يخشى الآباء ظاهرة التغريب التي تستبد بأبنائهم شيئاً فشيئاً مخافة أن يصبحوا بمرور الوقت جزءاً من المجتمع الكندي بكل مظاهره الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والنوستالجية. ولا غرو في ذلك فالنطق بلغة بلادهم أضحى ثقيلاً على ألسنتهم، وغالباً ما يستعيضون عنه بلغات «ضرائر» هي أجدى لهم وأسهل في استعمالهم داخل المنازل وخارجها، وإلى ذلك تتأصل في نفوسهم مجموعة من قواعد السلوك والعادات والتقاليد غريبة عن أهلهم ومحيطهم، فلا المناسبات العائلية والأعياد الدينية والوطنية توحي لهم بشيء، ولا صلة الرحم والقرابة والصداقة بين أبناء جلدتهم تعنيهم من قريب أو من بعيد، ولا وجبات الأطعمة المنزلية تفتح شهيتهم بعدما تحوّلت أذواقهم ومذاقاتهم إلى وجبات الــ «فاست فود».

رغبة وحنين

ونتيجة لتنافر الذهنيات وإشكالات الاندماج والخشية من الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية، يبدي آباء رغبة وحنيناً للعودة إلى الوطن بعدما أدوا ما عليهم من واجبات وتضحيات تجاه أبنائهم، واطمأنوا إلى حصولهم على شهادات جامعية أو مهنية لها مكانة راقية في أسواق العمل المحلية والدولية وفتحوا لهم، وهذا هو الأهم في رأيهم، باب العودة إلى الوطن مزوّدين بثروة علمية ومهنية ولغوية قل نظيرها هناك.

إلا أنهم غالباً ما يواجهون بممانعة أبنائهم لاستحالة تأمين البدائل الكريمة قياساً إلى ما ينعمون به من راتب مرتفع، واستقرار وحقوق وحريات وضمانات هي في أي حال رسائل إلى المسؤولين في لبنان لتدارك المساوئ الكبرى في أنظمة العمالة والهجرة والضمان الاجتماعي والتربية والتعليم وغيرها.