ثقافة الفساد يُعززها المجتمع ... ويحميها

تقاضي الرشوة والهبات أو طلبها من المراجعين تسوّل بلبوس آخر (مبتدا)
دمشق - إيمان أحمد ونوس |

تعدّ محاربة الفساد واجتثاثه من جذوره هي من المطالب الأكثر أهمية في خضم الحراك الراهن وإعادة إعمار سورية، لا سيما على المستوى الحكومي بمختلف تشعباته. بالتأكيد، ولأجل بناء سورية الحديثة بعد كل ما دمّرته الحرب على مختلف المستويات، والتي كان الفساد أحد أهم أسبابها، يجب أن يكون اجتثاث هذه الآفة من جذورها ومنابعها أولى أولويات عملية البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي وأساسياتها، لما ينطوي عليه من خراب يُفكك بنية الفرد والمجتمع والدولة.


يُعرّف معجم «أكسفورد» الإنكليزي الفساد بأنه «انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة»، كما يُعرّف أيضاً على أنه «انحلال وانحراف وقبح وحالة تَعَفّن وتدهور أخلاقي واجتماعي». وهذا يعني أنه آفة أخطبوطية ابتُليت بها معظم المجتمعات الإنسانية، لكن نصيب البلدان النامية أو المتخلّفة هو الأكبر، حيث تُصنّف معظمها ومن بينها البلدان العربية في المراتب الأولى على سلّم التصنيف العالمي.

وتُعتبر سورية منذ ما قبل الحرب من البلدان المرموقة في هذا المجال، ما أدى إلى كوارث اجتماعية واقتصادية خطيرة خلخلت موازين المجتمع والدولة معاً، لا سيما في ظلّ اقتصاد السوق الاجتماعية الذي ساد عمل الحكومة في الأعوام السابقة للحرب، حيث انتهجت سياسات اقتصادية قادت إلى كوارث حقيقية طاولت الشرائح الأضعف في المجتمع، ما دفع بأبنائها إلى التسوّل من أجل المساعدة في تغطية بعض تلك النفقات، إن كان على المستوى الفردي، أو على مستوى تشغيل الأطفال ضمن نطاق جماعات تقودها عصابات منظّمة، وهذا الوضع بذاته كان دافعاً لما آلت إليه البلاد من حرب إلتهمت بطريقها كل شيء بما فيها ما تبقى من أخلاق بعضهم، وهذه هي سمة الحروب على مرّ العصور.

ولعلّ أهم أسس مظاهر الفساد الإجتماعي- الاقتصادي تبرز من خلال تفاقم ظاهرة التسوّل، لا سيما تسوّل الأطفال التي باتت تؤرق الشارع بكل أبعاده، فحيثما ذهبت حتماً ستعثر على أكثر من طفل متسوّل قادته ظروف أسرته المادية إلى هذا الطريق، بحيث لم تعد ظاهرة فردية بمقدار ما هي ظاهرة منظّمة إلى حدٍّ بعيد، بمعنى وجود عصابات تعمل على استغلال هؤلاء الأطفال وظروفهم المعيشية من أجل استثمارهم في أعمال غير مكلفة وذات ربح وفير لا ينال الأطفال منه إلاّ الفتات.

قد يتساءل أحد ما، ما الربط بين الفساد والتسوّل؟

أجيب: التسوّل شكل من أشكال انعدام الإحساس بقيمة الذات والكرامة الشخصية، ولا يقتصر فقط على المتسولين في الشوارع، وإنما يتعداه إلى الموظف والعامل الذي يتقاضى الرشوة والهبات أو يطلبها من المراجعين هو بحدّ ذاته متسول لكن بلبوس آخر. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن أحد أهم مسببات التسوّل (في الشارع أو العمل) هي ضغوطات الوضع الاقتصادي والمعيشي لدى شريحة اجتماعية واسعة من حيث الفقر ومن حيث عدد أفراد الأسرة، ناهيك بما أفرزته الحرب من آثار وتبعات جعلت الناس بالكاد يؤمنون قوت يومهم ومبيتهم، في ظلّ هزالة الأجور في القطاعين العام والخاص، فضلاً عن البلاء الأكبر، البطالة، وأيضاً ارتفاع أسعار السلع والحاجات، والخدمات الصحية وبدل إيجار السكن وسواها. واليوم وبعد حرب السنوات السبع تفاقمت الأمور في شكل أكبر وأكثر شمولية، حيث باتت الرشوة علنية بينما كانت مخفية، والشاطر اليوم هو من يقتنص أيّ فرصة تلوح له ليتسوّل أيّ مراجع في دائرة حكومية أو خاصّة.

لكنَّ الوجه الأكثر مأساوية في انتعاش الفساد وسيادته، هو تلك الثقافة التي تبنّاها المجتمع عموماً والعاملون والموظفون خصوصاً، حيث يبرر الفساد والمحسوبيات والرشى بضعف الراتب وتدنيه لدرجة أنه لا يكفي أسبوعاً واحداً في أسرة قليلة العدد، فما بالك بالأُسر التي لا معيل لها سوى الأب، ولديها عدد كبير من الأولاد؟ (يبلغ متوسط الرواتب أقلّ من مئة دولار شهرياً)

في حوار بين مُراجع لأحد الدوائر الرسمية مع موظف رفض تقاضي رشوة أو إكرامية وفق ما يُسميها أولئك المراجعون وسط اندهاشه واستغرابه أن هناك موظفاً يرفض إكراميته. سأل المُراجع ذاك الموظف: كم يبلغ راتبك؟ أجاب لا يتجاوز35 ألف ليرة سورية وهنا كانت الدهشة الأكبر عند المُراجع.

سؤال آخر: هل تعتبر هذا راتباً؟ وكم يكفيك هذا الراتب؟ هل أنت قادر على تأمين حاجاتك المعيشية كلها؟ أجابه الموظف: مستورة والحمد لله.

وعاد المراجع ليشرح للموظف أن تلك الإكرامية حق له لأن راتبه ضعيف. حينها انبرى الموظف وقال له: حق؟ أيُّ حق؟ حقي لا آخذه منك، بل آخذه من الحكومة، لا سيما أنني موّظف هنا لخدمتك وأمثالك حتى لو كان راتبي قليل، ولستَ أنت من يعمل على تحسين معيشتي، بل الحكومة التي عليها أن تزيد الأجور والمعاشات بما يتناسب مع الغلاء والأسعار.

مفهوم هذا المُراجع أصبح مفهوماً عاماً وثقافة سائدة يتبنّاها المجتمع مثلما يتبناها للأسف موظفون وعاملون كثر، وأن الإكرامية (رشوة) حق لهم، فالراتب لا يكفي لعدة أيام فقط، وطالما هم يقدّمون خدمة للمواطن عليه أن يدفع ثمنها لا سيما حين يتمُّ تجاوز أنظمة وتعليمات عدة.

إن المجتمع بتبنّيه هذه الثقافة يعزز الفساد بدل أن يسعى بمختلف هيئاته لمحاربتها والخلاص منها، وبالتالي فإن ثقافة حماية الفساد وتشجيعه أدّت إلى خلخلة القيم التربوية والأخلاقية، ما أدى ويؤدي إلى انحرافات اجتماعية خطيرة تُعزز التخلّف الاجتماعي الذي يُبقينا ولأمد طويل في مؤخرة الركب الحضاري للمجتمعات الإنسانية.

من هنا نخلص إلى أن اجتثاث الفساد من منابعه سيُحرر المجتمع من آفات خطيرة كثيرة تهدد كيانه عمودياً وأفقياً، كما أنه سينقلنا حتماً إلى مجتمع متطور على مختلف الصُعُد، مجتمع يتمتّع أفراده بالحرية الحقيقية والمسؤولة، ويشعرون بقدر عالٍ من الكرامة والإحساس بالمسؤولية تجاه الذات والوطن.