تلامذة يستقلون باصات وآخرون «يركبون الصعب» للوصول إلى مدارسهم

وسائل تفتقد أبجديات النقل الآمن (الشرق تايمز)
القاهرة – أمينة خيري |

يمضي أمجد (8 سنوات) أكثر من 4 ساعات يومياً على الطريق من بيته إلى المدرسة ذهاباً وإياباً. صحيح أن الباص مكيّف، وأن حقيبته مزوّدة بشتى أنواع الوجبات الخفيفة والمشروبات، إلا أنه يصل إلى البيت نصف نائم ونصف قادر على المذاكرة. فهو من سكان الطريق الصحراوية بين القاهرة والإسكندرية، ومدرسته في القاهرة الجديدة، والمسافة بينهما نحو 70 كلم يتم اجتيازها في أوقات الذروة المدرسية في نحو ساعتين ذهاباً ومثلهما إياباً.


أما منى (10 سنوات) فتمضي نحو 10 دقائق في الطريق من بيتها إلى المدرسة. وعلى رغم قصر المسافة وسهولة المواصلات، إلا أنها في اليوم الأول من الدراسة وجدت نفسها في وسط مشاحنة بين سائق باص المدرسة المتمثّل في الـ «توك توك»، وضابط مرور استوقف «الطفل» قائد المركبة ضمن حملة لقوننة أوضاع «التكاتك» غير المرخّصة.

وعلى رغم أن الباص الذي يقل آلاء (9 سنوات) إلى مدرستها مرخّص، إلا أن «وضعه سليم» باعتباره سيارة ملاكي علماً أنه سيارة «ثُمن» نقل تستخدم لنقل الركاب كأنها سيارة أجرة.

حتى سيارة الأجرة الحقيقية أو الشرعية «السرفيس» التي تقل تلامذة من أمام مدرستهم في حي العباسية إلى بيوتهم الواقعة في الحي ذاته، غير منزّهة عن المشكلات. وتحكي آية (13 سنة) كيف فقدت حقيبتها المدرسية وفي داخلها أغلب كتبها وأدواتها الدراسية في العام الماضي، حين سقطت من أعلى المركبة أثناء سيرها بسرعة فائقة.

السرعة الفائقة، والقيادة غير الرشيدة، ونقل أعداد أكبر بكثير من سعة المركبات، والطرق الخطرة، وطول المسافات، والمركبات غير القانونية توليفة من السمات التي باتت لصيقة بمنظومة باصات المدارس.

فهذه الباصات فئات ودرجات وأشكال، شأنها في ذلك شأن المدارس وتلامذتها وذويهم. فالمدارس الدولية والخاصة التي تتعامل مع سكان قمة الهرم تفاخر بباصاتها المكيّفة الملوّنة ذات المقاعد الوثيرة وأنظمة الترفيه الكثيرة في داخلها. وعلى رغم أن الباص بات أحد عوامل الجذب الذي تعتمد عليها هذه الفئة من المدارس للتأثير في «الزبائن» (الأهل من الميسورين الباحثين عن راحة أبنائهم وبناتهم)، وعلى رغم أن مبالغ طائلة تحصّل من جيوبهم وحساباتهم المصرفية في مقابل نقل الصغار إلى مدارسهم ومنها، إلا أن هذه الباصات الوثيرة كثيرة الحوادث.

تلفت لمياء مختار (38 سنة) إلى أن الغالبية العظمى من باصات المدارس لا تخضغ لرقابة من حيث أساليب القيادة الخطرة أو اتباع قواعد الأمان على الطريق وغيرها. وتقول: «قبل سنتين، نقلت ابنتي من مدرسة إلى أخرى بعدما صادف وجودي على طريق الإسماعيلية، حيث توجد المدرسة وكان باص ابنتي في طريق العودة، فإذ بالسائق يقوم بحركات بهلوانية على الطريق لا يمكن وصفها إلا بالجنون. وحين واجهته، قال لي أنه يضطر لذلك للهروب من الزحام ولأن إدارة المدرسة تعاقبه حين يتأخّر على الطريق. والأدهى أن إدارة المدرسة أبلغتني بعد مماطلة وكلام ديبلوماسي على شاكلة «السائق مدرّب» و»المدرسة تراقب»... إلخ، أن الباصات مؤجّرة من شركة نقل ويجب إعادتها في توقيت محدد ما يضطر السائقين للسرعة على الطريق».

حوادث باصات المدارس تمضي من دون كثير من المحاسبة، لا سيما في ما يتعلّق بجنون القيادة. لكن الأعوام الخمسة الماضية شهدت تطوراً إيجابياً، وذلك عبر برنامج الكشف عن تعاطي المخدرات بين السائقين. وهو البرنامج الذي أطلقته وزارة التضامن الاجتماعي وصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، وبالتنسيق مع الإدارة العامة للمرور والإدارة العامة لمكافحة المخدرات في وزارة الداخلية.

وتقول وزيرة التضامن غادة والي أن حملات الكشف عن تعاطي المواد المخدرة تتم في مقار المدارس، وأن من يثبت تعاطيه عبر التحاليل الطبية يحال إلى النيابة العامة. كما خصص خط ساخن (الرقم 16023) لتلقي شكاوى الأهالي في حال اشتباههم بتعاطي سائقي باصات أبنائهم المخدرات.

وعلى رغم نجاح البرنامج في تطويق ظاهرة التعاطي بين سائقي الباصات، إلا أنه لا يستهدف سوى المدارس التي توفّر خدمة نقل التلاميذ بواسطة باصات، وهي المدارس الدولية والخاصة. أما الغالبية المطلقة من المدارس، وهي المدارس الحكومية، فإن وسائل انتقال الطلاب تبقى مسؤولية الأهل.

هذه المسؤولية، ونظراً إلى ضيق ذات يد الغالبية، تضطر إلى تعريض الصغار لأخطار لا أول لها ولا آخر. وتدور منظومة «الباص المدرسي» في دوائر مفرغة بدءاً بركوب الـ «توك توك» غير المرخّص والذي بات اسمه مرتبطاً بنوعيات بعينها من الجرائم مثل الخطف والنشل والتعدّي، مروراً بسيارات الأجرة غير الآمنة، حيث لا رقابة أو ضوابط، وانتهاء بوسائل تفتقد أبجديات الأمن للصغار.

ويدفع فراغ الجيوب أحياناً إلى حشر صغار على ظهر «تروسيكل» غير مخصص لنقل البشر، أو في داخل «توك توك» لا رخصة له، أو على دراجة نارية من دون اتباع أدنى معايير السلامة، وغيرها الكثير من وسائل النقل البديلة.

وإذا كان المضطر يركب الصعب، فإن التلامذة، لا سيما المسجّلين في المدارس الحكومية، يركبون الصعب والخطر وغير الآدمي وغير المخصص للبشر من أجل الوصول إلى مدارسهم. من جهة أخرى، فإن «بيزنس» المواصلات المدرسية بات بنداً معروفاً خلال العام الدراسي. فقد أضحى وسيلة ينمّي بها بعضهم دخله عبر ما يُعرف بـ «دورة مدارس». وفي حال حدوث مشكلة، قد تكون حادث سير، أو خطفاً، أو اعتداء، أو سرقة أو ما شابه، فإن المسؤولية تقع كلياً على عاتق الأهل وليس المدرسة.

المضحك والمبكي في آن هو ما رسمه أطفال في مدرسة ابتدائية حين طلبت منهم المعلّمة رسم لوحة تحت عنوان «وسائل المواصلات». فقد جاءت اللوحات كلها حاملة «توك توك» و«تروسيكل» و«ســـيارة ربع نقل» وأخرى «ثُمن نقل». ولم يرسم أحد باص مدرسة أو سيارة ملاكي أو حتى باصاً للنقل العام.