سياسات ترامب ترجح كفة الصين

يادونغ ليو * |

تجــانــب تــعلـــيقات وسائل الإعلام الغربية المحتفية بسياسة ترامب في مسألة العلاقات الصينية – الأميركية، الصواب. فعلى رغم تزايد التوتر التجاري، ترى بكين أن ترامب هو رئيس أميركي نموذجي: هو أمثل من يخدم مصالحها. فهو انسحب من اتفاق الشراكة العابرة للهادئ، وينتهج مقاربة قاسية في صوغ العلاقات التجارية مع اليابان، ودار كلامه على سحب قوات بلاده من كوريا الجنوبية. وهذه الخطوات كلها تصبّ في مصلحة الصين، وتنفخ في أفول نفوذ أميركا في آسيا، وتساهم في تشريع الأبواب أمام بكين لتبسط نفوذها هناك بسرعة أكبر مما حسبت يوماً. وترى بكين أن ترامب هو أكثر الرؤساء الأميركيين تعاوناً. وهي واثقة بقدرتها على التعامل مع ترامب. وخلصت من محادثاتي مع مقربين من القيادة الصينية، إلى أن بكين ترى أن ترامب هو خير من يخدم مصالحها. ففي شد الحبال بين واشنطن وبكين حول المسائل التجارية، ترجح كفة الصين. فهي تمسك بأوراق أقوى من أوراق أميركا: فهي تتمتع بفائض تجاري مع الولايات المتحدة يبلغ 370 بليون دولار. لكن الرقم هذا لا يظهر من يجني فائض الصادرات هذه. وشطر راجح من الصادرات الصينية التي يسعى ترامب الى تضييق الخناق عليها يُنتج أو يُسوَّق على يد تايوانيين وكوريين جنوبيين وشركات أميركية. وعلى سبيل المثل، شركة آيفون التي تستعين بيد عاملة صينية في مصانع تايوانية الملكية تصنع سلعاً تسوقها «آبل»، وهي شركة أميركية. وأشار لي تشيانغ (كيانغ)، رئيس الوزراء الصيني، في آذار (مارس) الماضي، الى أن «أكثر من 90 في المئة من أرباح [شركات مثل آبل الآنفة الذكر] تحصلها الولايات المتحدة. وتظهر الإحصاءات أن الاستثمارات والتجارة الصينية – الأميركية وفرت أكثر من مليون وظيفة في الولايات المتحدة في 2017».


ومعظم الأموال التي تجنيها شركات أميركية في الصين لا تظهر في إحصاءات التجارة. فهي تعود الى شركات أميركية ومشاريع صينية - أميركية مشتركة تنتج في الصين للسوق الصينية الداخلية. وإذا احتدمت الحرب التجارية، تملك الصين سبلاً قانونية كثيرة لإثباط نجاح الشركات الأميركية في السوق الصينية. ولا تملك واشنطن الرد على مثل هذه الإجراءات. فمكانة السوق الأميركية ليست بارزة في حسابات الشركات الصينية.

وينظر القادة الصينيون الى ترامب على أنه رجل أعمال فحسب ولا يملك رؤية استراتيجية. ومدار أبرز مشاغله الطويلة الأمد على أرباح شركاته الخاصة، وتتصدر مصالحه الشخصية مصالح بلاده. ويسرت الصين مصالح ترامب. فعلى سبيل المثل، يسرت عمل العلامات التجارية التي تعود الى ابنته، إيفانكا ترامب، ودعمت مشاريع في إندونيسيا تشارك فيها شركة ترامب. وصارت «طريقة» ترامب واضحة: توتير الأجواء وخلق أزمة ثم استعراض حل دراماتيكي شكلي للمشكلة. وهذا ما لا يخفى بكين. فأولوية ترامب هي البقاء في السلطة. لذا، يحتاج الى سلسلة انتصارات يقدمها لقاعدة ناخبيه. ولجأ الرئيس الأميركي الى «طريقته» في تعامله مع الصين: قرّعها في البدء ثم استقبل شي جينبينغ في علاقات حبية في منتجع مارالاغو. وهذا ما فعله مع كوريا الشمالية: التلويح بحرب ثم إعلان انحسار الخطر الكوري الشمالي، على رغم أن بيونغيانغ تواصل بناء ترسانتها النووية. ولقاؤه بجان – كلود يونكر (رئيس المفوضية الأوروبية) لحل الخلاف التجاري الأوروبي – الأميركي كان كذلك حلاً شكلياً لأزمة مفتعلة. ولا يخفى الصين أن سوقها بالغة الأهمية في حسابات الشركات الأوروبية، وأن هذه لن تنحاز الى الأميركيين وتفرّط بمصالحها.

وتشير مصادري إلى أن الصين تماشي ترامب في لعبته. وأدت دورها في الفصل الأول من مسرحيته الصغيرة، وردت على فرضه الرسوم عليها لتساعده في الإيحاء بأزمة. لكن بكين لم تصعد: التزم كبار القادة الصينيين الصمت، وتركوا المبادرة لترامب. وتعول القيادات هذه على حل الخلاف التجاري قبل الانتخابات النصفية الأميركية هذا العام. وترى أن حل الأزمة يدور على التزام بكين تقليص العجز التجاري الصيني – الأميركي. وتنوي بكين تقديم تنازلات وشراء سلع أميركية، وعلى وجه التحديد الطاقة. لكن هذه التنازلات أو الاتفاقات لن تحرف الصين عن سباقها الاستراتيجي لانتزاع الدور الريادي العالمي في تكنولوجيا الاقتصاد الجديد (الروبوت، والذكاء الصناعي، والشبكات الهاتفية «جي 5»). وسيعلن ترامب لا محالة النصر في حربه التجارية، ولن تدحض بكين تبجحه. فهي تريد أن يبقى في السلطة. ولن تثني أي ضغوط أميركية الصين عن مآربها الاستراتيجية: بسط نفوذها الدولي، وتعزيز نمو اقتصادها في وقت شاغل ترامب مصالحه الخاصة.

* المدير السابق لقسم الشؤون الخارجية في «غلوبل استراتيجيك هولدينيغز»، عن «فورين أفيرز» الأميركية، 28/9/2018، إعداد منال نحاس


الأكثر قراءة في الرأي