السلطات في خدمة القطاع المالي المتفلت من كل قيد ووصاية

روبير بواييه * |

تتوالى الأزمات المالية كل خمس سنوات تقريباً منذ مطلع الثمانينات. وكان استخلاص دروس الأزمات السابقة بدءاً من أزمة المديونية العامة في بلدان أميركا اللاتينية في الثمانينات إلى الأزمة المصرفية وأزمة أسعار الصرف في البلدان الآسيوية في التسعينات، متاحاً أمام السلطات العامة، وكان في متناولها قياس أخطار «تحرير» القطاع المالي. وانهيار النظام المالي الأميركي في 2008 بعث على الذعر في وقت أول، ثم سرت رغبة في تأطير عالم المال من طريق قانون دود - فرانك. ولكن، مع مرور الوقت نُسيت نتائج الأزمة الكارثية وما خلفته من أضرار في الأسر الأميركية التي خسرت منازلها. وبلغ النسيان مبلغاً يحمل حكومة ترامب على حسبان أن أوان رفع القيود عن المصارف والمؤسسات المالية (تشريعات دود - فرانك) قد آن. وأسعار البورصة في وول ستريت تحلق عالياً أكثر من معدلات نمو الاقتصاد الأميركي المنتظرة. وحين تحتفل وسائل الإعلام المالية بمدة الانبعاث الاقتصادي غير المسبوقة، جدير بالمراقبين الحذر والتساؤل حول احتمال انقلاب الأمور رأساً على عقب.


ودرجت السلطات العامة بعد الحرب الثانية على ضبط النظام المالي الأوروبي والأميركي. فمنح القروض كان يعود إلى السلطات هذه من أجل تيسير عملية تحديث نظام الإنتاج. وكانت معدلات الفائدة تعود إلى قرارات البنك المركزي. وكان الشطر الراجح من تنظيم حركة رؤوس الأموال الدولية، يعود إلى القطاعات العامة، وكانت معدلات الصرف ثابتة. فاندثرت حينها الأزمات المصرفية في سياق نمو مرتفع للإنتاج والناتج المحلي. ولكن مؤيدي رفع القيود عن حركة السوق رأوا أن «القمع المالي» لا يُحتمل.

والحق يقال أن النظام السالف الذكر كان يجمع الدينامية الاقتصادية إلى ثبات هوة اللامساواة في أدنى مستوياتها نسبياً، غير أنه اصطدم بتسارع وتيرة ارتفاع التضخم والبطالة. فانتهز التيار الليبرالي الفرص السانحة إثر هذا الإخفاق. والأخير (الإخفاق هذا) يعود إلى قرار الشركات الكبرى اللجوء إلى التصدير لجني عائدات نموذجية للإنتاج الواسع النطاق رداً على إشباع السوق المحلية. ولم يعد يُنظر إلى الراتب على أنه حلقة من حلقات الاستهلاك وحركة الطلب المحليين بل على أنه بدل أو ثمن فحسب.

وإلى قرار الشركات الكبرى التصريف في الخارج، قررت المصارف الأميركية الكبيرة التحرر من النــظم المحلية، وأنشأت في لندن سوق إيداع الدولار الأميركي في أوروبا [وتحرير تالياً ودائعها من قيود الفيديرالي الأميركي وإحراز عائدات مالية أوسع]. وعبدت الخطوات هذه الطريق أمام السيرورة البطئية التي ولدت أسواق رؤوس المال الدولية التي انعتقت من كل قيد محلي ووطني. والأزمات المالية كلها هي وريثة هذا المنعطف الحاسم.

وقبل أزمة 2008 الكبرى، كان الرأي الغالب مفاده أن نظم الحسابات المالية هي الأجدى في تقييم الأخطار وإنشاء أدوات مالية جديدة توزع الخطر على اللاعبين الأكثر قدرة على احتمالها. وقصرت المشتقات المالية السامة الوثيقة الارتباط بسوق الرهونات العقارية على عدد صغير من المجموعات المالية التي أنقذتها الخزانة الأميركية من دون مقابل. وإلى اليوم، تحمل سوق العقارات السكنية الأميركية آثار أزمة 2008 الكبرى. فملايين الأميركيين لم يجدوا بَعد سبيلاً إلى الملكية العقارية. وبدأت إدارة ترامب مرحلة رفع القيود عن القيود المالية وتأجيج المضاربات، في وقت تتعاظم احتمالات الأزمة وترجح. ويبدو أن السياسيين هم اليوم، على نحو ما كانوا في الأمس، في خدمة القطاع المالي على رغم أن الحاجة تمس إلى وضع القطاع هذا تحت وصايتهم وإشرافهم.

ويستند تصدر القطاع المالي المجتمعات المعاصرة إلى اعتبار أو حسبان أن رفع القيود عن قوى السوق يصب في نجاعة الاقتصاد واستقراره. لكن هذه النظرية من غير سند. وكان يفترض بأزمة 2008 أن تؤذن بطي النظرية هذه. لكن هذا ما لم يحصل. فالعاملون في القطاع المالي أرسوا تدريجاً قواعد سلطانهم وألزموا الحكومات به. وتراتبية السلطات اضطربت

حين آل إلى القطاع المالي ابتكار أدوات جديدة وتطويرها خارج رقابة السلطات والتحكيم من غير قيد في العلاقة بين الأصول وبين السوق والموازنة بينهما. فوجه القطاع المالي دفة الشركات المدرجة في البورصة وقدم نفسه على أنه حامي مصالح أصحاب الأسهم. ولكن، في وقت يقتضي الاستثمار المنتج [استثمار الشركات والمعامل وليس استثمار الودائع أو البورصة] تعاوناً [التعاون في عملية الإنتاج، واحتساب المصالح العامة والخاصة] على الأمد المتوسط، ينساق العاملون في القطاع المالي وراء الانتهازية في تقديم الربح القصير الأمد والسريع على الربح البعيد الأمد. فهم يقبلون على المضاربة ويفرضون خياراتهم على الآخرين. وفي وقت الشركات تقع في حيز مكاني وتحوّل من طريق العمل المواد إلى سلع وخدمات، تعمل الكيانات المالية في حيز مجرد وحيز الشارات المالية، وهي مجردة وغير ملموسة، في العالم كله. فالشركات تضطر إلى إدارة ما يترتب على قراراتها السابقة، في حين أن استراتيجيات الكيانات المالية بالغة الليونة نتيجة قياس عملها على مقياس الميكروثانية (جزء من مليون من الثانية). وعليه، رجحت كفة الرأسمال المالي على كفة الرأسمال المنتج وكفة الدول المديونة التي لجأت إلى ديون ميسرة، عوض إرساء إصلاحات لا غنى عنها في تقويم ميزان الماليات العامة وتحفيز النمو. وإلى اليوم، لا يزال العاملون في القطاع المالي يعولون على إنقاذ السلطات العامة لهم حين اندلاع أزمة مالية، وهذه، أي السلطات العامة لم تعتبر بدروس أزمة 2008، ولم تفرض من جديد وصايتها على القطاع المالي.

* خبير اقتصادي، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 15-16/9/2018، إعداد منال نحاس.

الأكثر قراءة في الرأي