نهاية صفقة ... بداية أخرى

مشرق عباس |

عمر الاصطفافات السياسية الحالية، هو اليوم الأول الذي يلي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة والتصويت عليها، وبرغم أن معظم القوى التي شكلت تحالفَي «الإصلاح» و «البناء» تدّعي أنها بصدد الذهاب إلى «حلف استراتيجي»، فان الجامع الوحيد للتحالفات الحالية، هو توزيع المناصب والمكاسب، وأن كل ما يبدو بناءً سياسياً متماسكاً لاختيار الرؤساء أو عقد الجلسات وإبطالها، والصوت الذي يبدو للوهلة الأولى يتحدث بنبرة واحدة، سرعان ما سيتبدد ليفسح المجال لاصطفاف آخر، ومنظومة شعارات أخرى، ونبرات جديدة. هذا واقع قد لا يتم الاعتراف به تماماً، ويحل محله رصف شعارات حول أهداف سامية تقف خلف تلاقي خميس الخنجر مع نوري المالكي، وأخرى مبدئية تجمع سليم الجبوري بخالد العبيدي، واختيار هذه الأسماء من دون غيرها سببه أن مستوى التصادم الذي ساد علاقاتها خلال السنوات الماضية، كان يظهر تلاقيها في صورة واحدة وكأنه نسج من الخيال!.


ولأن التجمعات التي تتنافس لإنتاج «الكتلة الأكبر» التي تشكل الحكومة كانت هشة منذ بدايتها، فإن القيادات الرئيسية، ربما شعرت أن لا جدوى حقيقية في الذهاب إلى خيار الكتلة الأكبر، واختارت نمطاً غير مفهوم إلى هذه اللحظة لحل المشكلة. فالإعلانات عن موقف «الإصلاح» و «البناء» الداعم ترشيح السيد عادل عبد المهدي لرئاسة الحكومة المقبلة، تؤكد أن ثمة قناعات تترسخ بصعوبة الحفاظ على تماسك أي كتلة تتشكل اليوم، وأن الخيار الوحيد المتاح هو توزيع المناصب على الجميع، لتقليل خطورة الاصطفافات التي تعقب تشكيل الحكومة.

بعض زعماء القوى في العراق كانوا أعلنوا مراراً أن أي حكومة تتشكل بمعزل عنهم سيكون مصيرها الإقالة بعد 3 شهور، وهذه الإعلانات التهديدية، حقيقية فعلاً، ليس بسبب تماسك مواقف الكتل ، بل بسبب عدم تماسكها على وجه التحديد.

والحكاية التي يفهمها الجميع، أن وعد الحصول على منصب هنا وهناك هو ما يجمع معظم الأحزاب، وهو ما يفرقها، وأن تشكيل الحكومة سينتج رابحين، لكنه سينتج خاسرين ايضاً سيوحدون أنفسهم داخل البرلمان، ويتجمعون، ويستقطب بعضهم بعضاً، للبدء بقلب الخسارة إلى ربح. وحتى لا يشطح عقل من يقرأ هذه الكلمات ليفترض أن هذا المشهد هو السياق الطبيعي لتفاعلات البرلمانات عبر العالم، تجب الإشارة إلى تفصيل أكثر دقة، مفاده: أن الخاسرين من صفقة تشكيل الحكومة ليسوا أحزاباً بالضرورة، بل هم في الغالب نواب كانوا اجتمعوا مع أحزابهم على أساس فرضية الحصول على وزارة أو هيئة أو منصب، لكن مواقع الحكومة لا تكفي للجميع، ويحصل عليها في العادة إما زعيم الحزب او من يختاره، فيشعر بقية الأعضاء في حال لم يتم إرضاؤهم بالخيانة، وينتقلون غاضبين إلى الجهة الأشد عداء لحزبهم. لهذا تحديداً، فان الزعماء السياسيين الرئيسيين في العراق يرون أنهم أمام خيارين، إما المضي إلى مرحلة تشكيل وعزل أكثر من حكومة خلال السنوات الأربع المقبلة، أو توزيع المناصب على أكبر خريطة ممكنة من الأحزاب والنواب بما يتيح عدم تشكيل الخاسرين كتلة قادرة على الإطاحة بالحكومة.

هذه حقيقة الأمر، وهذا واقع الوسط السياسي العراقي، ببساطة قاسية، ولهذا لا يمكن بناء فرضية حول إمكان تحقيق نقلة نوعية لتعديل انحرافات العملية السياسية، ولا يمكن تأمين حكومة قادرة على الإيفاء باستحقاقات المرحلة وتحدياتها، وليس أقلها خطراً تحول الغضب الشعبي الذي عبرت عنه أخيراً مدن الجنوب العراقي إلى براكين كبيرة تحرق الأخضر واليابس.

خلال الشهور القليلة الماضية أطلقت قوى مدنية، وواجهات ثقافية، ودينية، تحذيرات جادة، حول خطورة التمسك بهذا المسار، وكانت تراهن على إحساس الطبقة السياسية العراقية بالخوف على مصالحها، لا على إحساسها الوطني، ومع هذا سار الأمر باتجاه تمسك صقور العمل السياسي إلى امتهان الدولة التي يعيش معظمهم كعلق ضار على جسدها.

الخبر الوحيد الجيد، أن أقنعة الدفاع عن المذهب والقومية والدين، لم تعد غطاءً كافياً لشبكة تقاسم الدولة، وأن القوى التي استخدمت تلك الشعارات وخاضت الحروب الأهلية وأزهقت الأرواح وبددت الفرص وعرضت البلاد للتقسيم خلال السنوات الماضية، باتت تلعب على المكشوف، وينقسم بعضها على بعض، لا لأنها أصبحت فجأة عابرة للطائفية، بل فقط لأن معيار اللعبة قد تغير.