حرب اليمن ... الشر الذي كان لا بد منه

مسلحون يناصرون جيش الشرعية في مواجهة الحوثيين (موقع خبر)
أحمد بن عثمان التويجري |

في مناسبة ضمت أكاديميين وناشطين حقوقيين أثناء انعقاد الدورة التاسعة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان في مدينة جنيف السويسرية هذه الأيام، دار الحديث حول حرب اليمن وهل كانت مبررة، أم إنها كانت خرقاً للقانون الدولي ومجازفة لم يكن من الحكمة التورط فيها.


الغالبية العظمى من المشاركين في الحوار كانوا ضد الحرب وتركز جدالهم حول آثارها الإنسانية، وبخاصة على الأطفال والنساء والشيوخ، وما نتج منها من قتل وإصابات وتهجير وجوع وأمراض. وما من شك في أن كل ضمير حي لا يقبل أي معاناة إنسانية يمكن تفاديها، بل لا يقبل بالحرب أصلاً وسيلة لحل النزاعات. لكن واقع الحياة على امتداد التاريخ أثبت ويثبت وللأسف الشديد أن الحرب في بعض الأحيان ضرورة لابد منها، وأن عدم خوضها في الوقت المناسب قد تتولد منه أضرار، بل كوارث كبيرة تفوق بكثير ما تسببه الحرب من معاناة وآثار إنسانية.

كان لافتاً للنظر أن كثيراً ممن شاركوا في الحوار غير ملمين بخلفيات الصراع في اليمن، وغير مطلعين بشكل كامل على ما فعله «أنصار الله» الحوثيون وما ارتكبوه من جرائم وتجاوزات بحق اليمنيين قبل تدخل قوات التحالف لدعم الشرعية، بل غير مدركين لحقيقة علاقاتهم الوطيدة بالنظام الإيراني، وأهم من ذلك غير مدركين للتحولات العقائدية والفكرية التي طرأت على المنتمين لهذه الجماعة خلال السنوات العشرين الماضية. كما كان لافتاً للنظر كذلك عدم التفات كثير من المشاركين في الحوار إلى الأبعاد الجيوسياسية والآثار الإستراتيجية للتدخل الإيراني في اليمن، وارتباط ما جرى ويجري فيه بالمشروع الإيراني للهيمنة على المنطقة.

إن أي تحليل موضوعي لمعطيات الواقع اليمني خلال الخمس عشرة سنة الماضية يجب ألا يغفل حقيقة أن جماعة «أنصار الله» الحوثية تحولت من كونها جماعة يمنية محلية، إلى فصيل يهيمن عليه المشروع الإيراني التوسعي، ومن كون المنتمين إليها مكوناً من مكونات الشعب اليمني يسعهم ما يسع جميع فئات المجتمع الأخرى، إلى أعضاء في عصابة مسلحة أباحت لنفسها ارتكاب كل جريمة وكل ممارسة غير مشروعة لتحقيق أهدافها، بدءاً بالاغتيالات والتغييب القسري للرموز والقيادات الوطنية إلى النهب والسلب والترويع لعموم المواطنين، ومن القصف العشوائي للمناطق المدنية المأهولة بالسكان إلى الخروج الكامل على الشرعية والانقلاب على السلطة المنتخبة. وإن أي تقويم منصف للتطورات التي قادت إلى الحرب لابد من أن يبدأ من ادراك التحول المريع في معتقدات هذه الجماعة الذي أوجده تغلغل النفوذ الإيراني الثقافي في اليمن، حيث تحول المنتمون لجماعة «أنصار الله» من المعتقدات الزيدية المعتدلة التي ينتمي إليها قطاع كبير من أبناء اليمن، إلى المعتقدات المتطرفة التي تتبناها القيادة الإيرانية الإثني عشرية التي تكفّر كل من لا يؤمنون بالمعتقد الإثني عشري، وتستبيح دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وهو ما يفسر شناعة ممارسات جماعة «أنصار الله» الحوثية بحق جميع الفئات التي لم تخضع لهيمنتها. ومن الجدير بالقول في هذا الشأن إن الحوثيين لم يكونوا مجمعين بشكل كامل على هذا التحول الخطير في المعتقدات، ولا على الخضوع لهيمنة الولي الفقيه في قم، بل كانت هناك معارضة معتبرة لهذه التوجهات في أوساطهم، ومن أبرزها ما حدث في قرية الحضر الزيدية في محافظة ذمار عندما رفض سكانها الزيديون تبني شعارات جماعة «أنصار الله» التي يرددها أتباعها كالببغوات، ولا قبول معتقداتها المتطرفة، الأمر الذي أدى إلى محاصرة «أنصار الله» القرية وقتال أهلها على رغم كون جميع سكانها زيديين مئة في المئة، كما أن من أهم من عبروا عن مخالفة انحرافات هذه الجماعة المارقة السيد محمد عبدالعظيم الحوثي، أحد علماء الزيدية المعتبرين، الذي قال في حوار مع صحيفة «الجمهورية» اليمنية الرسمية في أواخر 2012 إن حقيقة خلافه مع جماعة «أنصار الله» تتركز في أنهم «حاولوا الهيمنة على الحكم مستغلين المذهب الزيدي غير مأمونين عليه»، ووصفهم بالفساق والطغاة والمجرمين و «أنهم بغاة، ويعتدون على دين الإسلام، تجنوا على الزيدية عموماً وعلى أهل البيت خصوصاً»، بل تعدى ذلك في حديث تلفزيوني مبثوث في موقع «يوتيوب» إلى القول: إنهم «كفار منافقون كذابون، والزيدية تبرأ منهم ومن معتقدهم الفاسد».

إن من غياب الموضوعية في الجانب الآخر تجاهل ما قامت به دول مجلس التعاون الخليجي وبخاصة المملكة العربية السعودية، قبل تكوين التحالف لدعم الشرعية وقبل نشوب الحرب، من مساعٍ كثيرة وكبيرة للتقريب بين الفئات المتناحرة في اليمن، وما بذلته دول الخليج من جهود جبارة لجمع كلمة اليمنيين على ما فيه خير اليمن واستقراره ونماؤه. وإن من عدم الإنصاف تجاهل ما قام به الحوثيون في المقابل من نكث للعهود وتخريبٍ لكل مسعى سلمي قامت به دول الخليج وبخاصة المملكة العربية السعودية لرأب الصدوع في اليمن، وما فعلوه لعرقلة كل جهود كانت تهدف لإحلال السلام والوئام بين اليمنيين، وبين اليمن وجيرانه.

لقد كان واضحاً لكل ذي بصيرة أن الحوثيين كانوا ولا يزالون ينفذون مشروعاً إيرانياً مروعاً يستهدف محاصرة دول الخليج، وبالأخص المملكة العربية السعودية، كان من أهم أهدافه الاستيلاء على المقدسات الإسلامية في مكة والمدينة، وهذا ليس من نسج الخيال وإنما هو ما صرحت به قيادات دينية إيرانية، وما صرح به بعض المتحالفين مع النظام الإيراني في المنطقة وعلى رأسهم حسن نصر الله زعيم «حزب الله» في لبنان.

في تقرير سري مقدّم إلى مجلس الأمن في أواخر تموز (يوليو) من هذا العام، قالت لجنة خبراء إنها «تواصل الاعتقاد بأن صواريخ بالستية قصيرة المدى وطائرات بلا طيار وأسلحة أخرى، قد تم إرسالها من إيران إلى اليمن»، بعد فرض الحظر على الأسلحة في العام 2015. كما جاء في التقرير الذي يقع في 125 صفحة، واطلعت عليه وكالة «فرانس برس» ونشرت خبراً عنه صحيفة «إيلاف» اللندنية بتاريخ ٣١ تموز ٢٠١٨، أن أسلحة استخدمها الحوثيون، وتم تحليلها في الآونة الأخيرة، بما في ذلك صواريخ وطائرات بلا طيار، «تُظهر خصائص مماثلة لأنظمة أسلحة معروف أنها تُصنع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية». وخلال جولاته الأخيرة في السعودية، تمكن فريق الخبراء من تفحص حطام عشرة صواريخ، وقد عثر على كتابات عليها تشير إلى أصلها الإيراني. وأهم من ذلك تواترت الأدلة ومنها تسجيلات مصورة على تورط «حزب الله» اللبناني في الصراع اليمني من خلال إرسال مدربين وخبراء عسكريين لتدريب الحوثيين، بل وإرسال مقاتلين للقتال إلى جانب جماعة «أنصار الله» الحوثية، وقد أظهر تسجيل مسرب نشر بتاريخ ٢٤ شباط (فبراير) ٢٠١٦ ثلاثة خبراء من «حزب الله» يشرفون على تخريج دفعة من مقاتلي جماعة «أنصار الله» حضروا دورة تدريبية أشرف عليها «حزب الله» في أحد المواقع العسكرية اليمنية ، وكان جلياً من سياق ما ورد في الشريط أن الدورة كانت جزءاً صغيراً من برنامج كبير كان ينفذه «حزب الله» لمصلحة الحوثيين في اليمن. كما تواترت الأنباء عن سقوط أعداد من العسكريين الإيرانيين ومقاتلي «حزب الله « في عدد من جبهات القتال اليمنية.

في جانب آخر، رصدت منظمات عدة لحقوق الإنسان في اليمن آلاف الجرائم التي ارتكبها الحوثيون قبل تدخل قوات التحالف التي يرقى كثير منها إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وأكد تقرير صادر عن منظمة «وثاق للتوجه المدني» اليمنية على سبيل المثال أن جماعة «أنصار الله» ارتكبت نحو 9039 انتهاكاً في صعدة، و4866 انتهاكاً في محافظة حجة خلال الفترة من حزيران(يونيو) 2004 إلى شباط 2010، أي قبل تدخل قوات التحالف بسنوات وسنوات. وفي جانب آخر اعتدى الحوثيون على المناطق الحدودية السعودية عشرات المرات قبل نشوب الحرب في تحد صارخ للقوانين والمواثيق الدولية. وكان من الطبيعي، بل ومن الواجب، أن تتصدى المملكة ومعها قوى التحالف لجرائم وتجاوزات الحوثيين، وبخاصة بعد طلب الحكومة اليمنية الشرعية ذلك. وما من شك في أن تدخل القوات السعودية والتحالف في اليمن كان تدخلاً مشروعاً في ميزان القانون الدولي، وقبل ذلك وأهم منه تؤيده الحاجة الواقعية الملحة والمصالح العليا لليمن ودول الجوار.

كان لافتاً للنظر كذلك في الحوار عدم التفات بعض المشاركين فيه إلى أهمية التمييز بين جرائم الحرب التي نصت عليها القوانين والمعاهدات الدولية، وبين الأضرار والآثار الجانبية غير المقصودة للأعمال القتالية المتعارف على تسميتها في القانون الدولي بـ «الأضرار الجانبية» (Collateral damage)، وقد نتج من ذلك اتهامهم لقوى التحالف لدعم الشرعية، وعلى وجه الخصوص المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في اليمن. وقد كان من الضروري تذكيرهم بما أورده المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية السيد لويس مورينو أوكامبو (Luis Moreno Ocampo) في الرسالة المفتوحة التي نشرها ولخص فيها نتائج تحقيقاته عن جرائم الحرب التي ارتكبت أثناء غزو العراق، وجاء فيها ما نصه: «بموجب القانون الإنساني الدولي ونظام روما الأساسي، لا يشكل موت المدنيين أثناء النزاع المسلح، بغض النظر عن مدى خطورته ومدى كونه مؤسفاً، في حد ذاته، جريمة حرب، إذ يسمح القانون الدولي الإنساني ونظام روما للمحاربين بتنفيذ هجمات متناسبة ضد الأهداف العسكرية، حتى عندما يُعرف بأن بعض الوفيات أو الإصابات المدنية ستحدث. ولكن الجريمة تحدث إذا كان هناك هجوم متعمد موجه ضد المدنيين (مبدأ التمييز) (المادة 8 (2) (ب) (1)) أو شن هجوم على هدف عسكري مع العلم أن الإصابات المدنية العرضية ستكون مفرطة بشكل واضح بالمقارنة بالفوائد العسكرية المتوقعة (مبدأ التناسب) (المادة 8 (2) (ب) (4). كما تُجرم المادة 8 (2) (ب) (4): شن هجوم عمداً مع العلم أن هذا الهجوم سيتسبب في خسائر في الأرواح أو إصابات للمدنيين أو تلف للأعيان المدنية أو أضرار واسعة النطاق وطويلة الأجل للبيئة الطبيعية تكون مفرطة بشكل واضح بالمقارنة بمجمل الفوائد العسكرية الحقيقية والمباشرة المتوقعة؛ وتستند المادة 8 (2) (ب) (4) إلى المبادئ الواردة في المادة 51 (5) (ب) من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 لاتفاقيات جنيف لعام 1949، لكنها تقيد الحظر الجنائي على الحالات التي تكون مفرطة بشكل واضح. يتطلب تطبيق المادة 8 (2) (ب) (4)، من ضمن جملة أمور، تقويم ما يلي: (أ) الضرر أو الإصابة المدنية المتوقعة؛ (ب) الميزة العسكرية المتوقعة (ج) وما إذا كانت (أ) «مفرطة بشكل واضح» بالنسبة لـ (ب).» (انتهى كلام أوكامبو). وبناء على هذا فشتان ما بين ما ارتكبته جماعة «أنصار الله» الحوثية من جرائم حرب بشعة متعمدة وعن سابق إصرار في حق مواطني اليمن ودول الجوار، وبين الأخطاء القتالية القليلة والأضرار الجانبية غير المقصودة على الإطلاق التي حدثت من قبل قوات التحالف.

إن مما لا خلاف عليه أن الحرب شرٌ بكل المقاييس، وأن حرب اليمن كانت ولا تزال شراً كبيراً، ولكنها في الوقت نفسه كانت، وللأسف الشديد، حرباً ضرورية بشكل ملحّ لحماية اليمن ومقدراته، ولصيانة مستقبل أجياله، وللدفاع عن دول الجوار وأمنها واستقرارها. وغني عن القول إن الشر الأعظم يدفع بالشر الأدنى إذا لزم الأمر، وإن المفسدة الكبرى تُدرأ بالمفسدة الصغرى، وهذا أصل ثابت في الشريعة الإسلامية، ولا خلاف عليه في كل القوانين والأعراف الإنسانية المعتبرة. كما إن من الواضح أن هناك حاجة كبيرة لتنوير الرأي العام العالمي بهذه الحقائق وتفاصيل ما جرى ويجري في اليمن، وإن هناك حاجة أعظم للتواصل مع المنظمات والهيئات الحقوقية والمؤسسات الأكاديمية ومؤسسات المجتمع المدني في العالم وفي الغرب على وجه الخصوص لتوضيح حقيقة موقف وممارسات قوى التحالف لدعم الشرعية في اليمن، وتصحيح التصورات المشوهة أو الناقصة المتعلقة بذلك.

* محام متخصص في القانون الدستوري وحقوق الإنسان، رئيس منظمة العدالة الدولية