«ضد مجهول»: الشر المطلق بلا مبرر درامي

(الحياة)
القاهرة - محمد بركة |

ينتمي مسلسل «ضد مجهول» الى نوعية من الدراما يبدو صناعها كما لو كانوا في صدد إبرام صفقة مع المتلقّي، بسيطة وحاسمة في آن: نعدك بالمتعة ولا نطلب منك في المقابل سوى إلغاء عقلك موقتاً، فلا تزعجنا بأسئلة حول غياب منطق هنا أو افتقاد مبرر هناك. المشكلة أنه حتى لو التزم المتفرج بالمطلوب منه، فإن الطرف الأول غالباً ما يخل بما وعد به وينقض ما دون في هذا الاتفاق غير المكتوب!

تبدو الشخصيات في العمل شريرة شراً مطلقاً لا نعرف له خلفية نفسية أو اجتماعية، سواء منذ لحظة ميلادها أو بعد نقطة تحول كانت قبلها كائنات محايدة تقف في المنطقة الوسطى ثم صارت وحوشاً كاسرة ترتدي مسوحاً بشرية وقد كشفت فجأة عن أسوأ ما فيها. «عصام»، مثلاً، لعب شخصيته أحمد سعيد عبدالغني، زوج هادئ طيب رقيق نفاجأ به يتحول من دون أي مقدمات إلى شخص عدواني يخير زوجته «ندى»، مهندسة الديكور الناجحة، بين عملها وبين استمرار زواجها. يفعل ذلك بعد سنوات من ارتباطهما صعد فيها على أكتافها مهنياً ومادياً، مستخدماً لغة فجة ويصل به الأمر أن يطلق زوجته الرقيقة «بالثلاثة» في ساعة متأخرة من الليل وهي في الشارع بجوار سيارتها التي تعرضت لعطل مفاجئ. أما «مايا» (روجينا)، فهي منبع الشرور والمخزن المعتم لكل ما في النفس البشرية من نفايات. تتزوج من «عصام» حاملة حقداً أسطورياً يتجاوز أي منطق على زوجته الأولى وأم ابنته، على رغم أنها لا تقل عنها جمالاً وأناقة وتفوقها ثراء وتقرر الانتقام منها بوحشية لا تخطر على بال. وهناك «حمدي»، جسده الفنان دياب، الذي يغتصب ببساطة ابنة «ندى» ثم يقتلها.

لماذا كل هذا الشر المطلق الذي لا ينطلق من مقدمات درامية مقنعة؟ ببساطة، لأن المؤلف أيمن سلامة والمخرج طارق رفعت والمنتج تامر مرسي أرادوا صناعة مسلسل تشويق عن «الانتقام» تبدو بطلته مثل بطل تراجيدي في الأساطير الإغريقية، لكنها بدلاً من مواجهة آلهة الأوليمب تقف وحيدة في مواجهة إعصار بشري من النذالة والمؤامرات والدسائس مع مسحة ميلودرامية لضمان أكبر مقدار من تعاطف الجمهور، تتمثل في اغتصاب فتاة بريئة بعمر الزهور وقتلها. هكذا يصبح الأمر مغرياً ومثيراً لشهية نجمة في وزن غادة عبدالرازق التي لا شك سترضي غرورها حبكة عنوانها العريض: امرأة حديدية في مواجهة عصبة من الأوغاد. والحق أن اختيار غادة للعب دور البطولة المطلقة عبر تجسيد شخصية «ندى» كان موفقاً جداً، فإضافة إلى اسمها الذي يحظى بسمعة تسويقية كبيرة في سوق الإعلانات التلفزيونية، بدا وجهها معبراً جداً عن صدمات متوالية وخيانات لا تتوقف من أقرب الناس تتلقاها إنسانة حسنة النية. امتلكت غادة من النضج الفني ما جعلها تهضم ببراعة وإقناع تلك التحولات العنيفة التي تعصف بأم وزوجة أربعينية، بعدما استهلكت نفسها سينمائياً بأدوار الإغراء حيث الحاجة ماسة الى مشاهد ساخنة تضمن تسويق الفيلم.


لم يعد مفاجئاً أن نكتشف أن الحبكة الأساسية لمسلسل ما تم «السطو» عليها من عمل أجنبي شهير، بل إن المفاجأة الحقيقية أصبحت تتمثل في إشارة صناع العمل الى الأصل المأخوذة عنه الفكرة فيصبح السطو مجرد اقتباس مشروع، وهو ما لم يحدث مع «ضد مجهول» المأخوذ عن الفيلم الأميركي «العين بالعين»، بطولة سالي فيلد وإخراج جون شليزنغر، إنتاج 1996، والمأخوذ عن رواية بالاسم ذاته للكاتبة الأميركية أريكا هولزر، ثم قدمته السينما الهندية بعد سنتين تحت اسم «دوشمان». تتحقق فكرة العدالة في صيغتها الأولية – العين بالعين والسن بالسن – بنهاية المسلسل حين تتمكن «ندى» من حرق مغتصب وقاتل ابنتها «حمدي» وهو حبيس قفص حديدي في الصحراء، ومع اشتعال النيران وتفحم الجثة تتنفس أخيراً الصعداء، علماً أن القضية قُيدت «ضد مجهول» وهي الصيغة القانونية المحبطة ذاتها التي كانت تلاحق «ندى» مثل لعنة وتهدد التحقيقات في مقتل ابنتها بمصير مشابه. استطاع المخرج طارق رفعت أن يبقي على وتر الإيقاع مشدوداً إلى حد ما، فلم يأت العمل مغرقاً في مشاهد طويلة مملة تستهدف فقط ملء المساحات، لكنه لم يستطع أن يطور من أداء فريق التمثيل. غادة عبدالرازق مثلاً كانت موفقة لكنه توفيق بأثر رجعي حيث لم تخرج علينا إلا بالانفعالات وحالات التوتر والإحباط التي باتت ملازمة لها في السنوات الأخيرة كما في «السيدة الأولى» و»أرض جو». أما روجينا فلم تكن مقنعة على الإطلاق في شخصية السيدة الشريرة، إذ فشلت في الإمساك بجوهر الشخصية واكتفت بالبعد الخارجي في التجسيد حيث الصوت العالي والنظرات المتوعدة وفقط!