صراعات مُتَقاطعة داخل «كهف» ساراماغو

(ويكيبيديا)
كه يلان مُحَمد |

يرى إمبرتو إيكو أنَّ الروائي يُمكنه قول أشياء يعجزُ الفيلسوف عن وصفها. بالطبع، هذا الرأي يشملُ صنفاً من الروائيين الذين يؤثثون عالمهم الإبداعي بناءً على وجود رؤيةٍ نافذةٍ للواقع الإنساني وما يحفلُ به من صراعات مُحتدمة ومفارقات تلوِّن أوجه الحياة. هؤلاءُ أكثر إدراكاً للهواجس التي ترافقنا ما دمنا في عداد الأحياء، يُسائِلون في نصوصهم مفاهيم وجودية من دون الانجرار وراء القوالب التنظيرية. لَعلَّ ما تثيرهُ بعض النصوص الروائية من الأسئلة حول المُسلّمات - سياسية كانت أو لاهوتية أو اجتماعية - يفوقُ تأثيرها ما تضمّه المدونات الفلسفية نظراً إلى ما يتصّف به الأدبُ من القدرة على كسر الدائرة النخبوية والوصول إلى مستوى تداولي أوسع. لذا، فإنَّ تطويع السرد لمناقشة الهموم الإنسانية وكشف العنجهية المتسترة وراء شعارات برّاقة أصبحَ غرضاً أساسياً في اشتغالات الروائيين، ويأتي جوزيه ساراماغو في طليعة من حاولوا كشف حملات التضليل في كواليس السياسة تحت لافتة الديموقراطية والتحضر، واستغلال مخاوف الإنسان لتدجينه باسم اللاهوت. ما يعني أن صاحب «العمى» يتشككُ من كل المواضعات المُسبقة، بالتالي تنتقِلُ هذه العدوى إلى القارئ الذي يُطالعُ له عالمُ مطبوع بالقلق والتوتر والنزاعات في رواياته. وقد تتولدُ الأسئلة عما تُخبئهُ تضمينات أعماله بمجرد وقوع النظر على العنوان وما يحملهُ من كثافة دلالية. فمن الملاحظ التنويع في صيغ عناوينه بين جملة ومفردة وألفاظ مُركبة لا تخلو من إحالات ميثولوجية وفلسفية. وهذا ما نراه أيضاً في روايته «الكهف» (الصادرة حديثاً عن منشورات الجمل - ترجمة صالح علماني).


بالطبعِ تتشابكُ في لفظة «الكهف» إيحاءات دينية وفلسفية من جهة تذكرك بكهف أفلاطون كما تُحيلك من جهة أخرى إلى موقع الكهف في الكتب الدينية.

دورة الحياة

تبدأ عملية التفاعل مع النص الروائي بمجرد الشروع بقراءة الجملة الافتتاحية التي توحي لك بما يدورُ عليه السرد، ومن المعلوم أنَّ الافتتاحيات تتباينُ من كاتب إلى آخر فيما يُفضل بعضُهم الاستهلال بوضع المتلقي في بؤرة الحدث الأساسي الذي هو قوام النص بأكمله.

ثمة من يُوردُ عبارات لها دلالة زمنية في مُفْتَتَح النص أو يكون الانطلاقُ بوصف المَكانِ، وهذا ما يستهل به ساراماغو رواية «الكهف»، حيثُ يقدّمُ شخصيتين أساسيتين مشيراً إلى وظيفتهما، سيبريانو ألغور، صانع الخزف وصهره مرسيل غاتشو الذي يلبسُ زياً عسكرياً ويعملُ حارساً في المركز يُحدد مسارات السرد وآلية تعاقب حلقاته. إضافة إلى أن بعض الأحداث التي يذكرُها الراوي لاحقاً تبدو مترابطة مع ما وردَ في الاستهلالية مثل الإشارة إلى الندبة المَحفورة على ظاهر اليد اليسرى لمرسيل غاشتو، بحيث يتبين أنَّ هذا ليس إلا أثراً لحرق تعرض له الفتى المراهق حين اندفع لمساعدة ألغور. من هنا، يولدُ الشعور بالجفاء الذي تشعر به أسرةُ غاتشو تجاه ألغور، وتصبحُ تلك الندبةُ أيضاً علامةً للحب القائم بين مرسيل ومارتا، ابنة صانع الخزف. أكثر من ذلك، يُفهمُ من مناخ الرواية طبيعة العلاقة بين ما يسمى المركز والشخصيات الفاعلة، إذ إنَّ ما يصنعهُ سيبريانو ألغور من الأواني والجفنات والزبدية يُصرفها في سوق المركز الذي يفصلهُ عن القرية التي يقيمُ فيها صاحب الورشة مع ابنته وصهره ليس مسافةً فيزيائية فحسب، إنما هناك حاجز حضاري بين بيئتين. غير أنَّ ذلك لا يمنعُ التواصل بينهما طالما يمونُ صانع الخزف سوق المركز بمنتجاته. كما أنَّ مرسيل يعملُ موظفاً في تلك المباني الشاهقة ويترقبُ صدور الأمرُ بتعيينه حارساً مُقيماً في المركز، ما يعني منحه شقة ليسكن فيها مع أسرته. لكن سبيريانو الذي تعَّودَ دورة حياته في القرية لا يقتنعُ بالانتقال إلى مكان آخر والابتعاد من ورشته إلى أن يُبلغه رئيس قسم المشتريات بأنَّ الزبائنَ قد صرفوا عن بضاعته التي صارت لها بدائلُ في السوق. هنا، يدركُ الرجل الستيني أنَّه في صراع مع زمن يسحبُ منه الدورَ ولا يخففُ عنه الشعور بالأسى، إلى أن يلتقي بأرملة خواكين في المقبرة.

عندما زار قبر زوجته، سمع من تلك المرأةِ ما يشي بأنَّ مهنته لا تزال تحظى بالتقدير، لذلك يعدُ إساورا بتوفير إبريق جديد بدلاً من المكسور. وتكون هذه المُحادثة المُقتضبة نواةً لنشوء قصة الحب بين الاثنين، وإنْ كان الكهل يتجاهل مشاعره في البداية.

تجربة قصيرة

تنتقلُ القصةُ إلى مَفْصَلٍ جديد بموافقة سيبريانو للإقامة في المركز ومشاركة الحياة في هذا العالم مع ابنته وصهره. وما دفعَ صاحب الورشة إلى الدخول في هذه التجربة هو إخفاق محاولاته لإيجاد بديل لبضاعته البائرة وبيعها في متاجر المركز. وعندما يتبعُ صهره سراً ويصل إلى المغارة التي يتناوبُ عليها الحرّاسُ، لمراقبتها، يجدُ هناك هياكل عظمية مقيدة إلى مقاعد حجرية. ويوحي هذا المشهد، بهياكله الكثيرة، بما سيصير إليه مصيرُ الإنسان داخل المركز الذي يبدو كل شيءٍ فيه قد خرج من طوره الطبيعي.

تنتهي الرواية بعودة أفراد الأسرة إلى القرية، حيث تنتظرهم إساورا. يشار إلى أن المؤلف يستخدمُ سرداً شفافاً في روايته ويتدخل في فقرات معينة، ملمحاً إلى إجراء تعديل في تشكيلة السردِ وموظفاً تقنية الاستباق المُتمثل في الأحلام. فضلاً عن ذلك، يهمينُ صوت المؤلفِ على فضاء الرواية عندما ينحو السردُ منحى فلسفياً ولاهوتياً، وتستشفُ أطياف مفاهيم ماركسية في النص، وتتوزعُ الجمل والعبارات ذات الطابع الفكري في أرجاء الرواية. إضافة إلى الاهتمام باستجلاء تأثير اللغة في حياة الإنسان. نشير إلى أن الثيمة التي تتكئ عليها رواية «الكهف» تتمثل بالصراع، بشقيه الداخلي والخارجي. واللافت في أفكار الشخصية الأساسية هو التمسك بالأمل. فمهما كانت الغيوم وملبدة سوداء فوق رؤوسنا، فإن السماء فوق الغيوم تظل زرقاء على الدوام، بخلاف ما كان عليه ساراماغو من التشاؤم.