تجديد الفكر العربي: من البنية التوفيقية إلى النزعة النقدية

صلاح سالم |

في مسعاه إلى استعادة توازنه وتكامله دار جدل الفكر الغربي الحديث مع نفسه وبين تياراته حول ثنائية أصلية هي العقل والإيمان أو العلم والدين. فمن الثنائية المثالية الديكارتية (الفكر - الامتداد) إلى الثنائية الكانطية (العقل - الواقع) كان العقل الغربي ينتج تصوراته الخاصة عن تحديات تواجهه وتحولات تصدمه، في سياق سعيه إلى تعقل الوجود من حوله، حيث تبدت حركته نحو الحداثة وكأنها رحلة سير في أرض بكر، تمثل فيها الفلسفات المثالية والنقدية، ناهيك عن التيارات العلمية التجريبية والوضعية، ما يشبه «حركة كشوف عقلية» أنتجت وعياً جديداً، يتوازى مع «حركة الكشوف الجغرافية» التي أنتجت عالماً جديداً.


في المقابل لم تتوافر للعقل العربي المعاصر فرصة إنتاج تصوراته عن الواقع في أرض فراغ، بل في ساحة مزدحمة بتقليدين أساسيين: أولهما التقليد الذاتي، أي الموروث الثقافي القديم، وليد تجربة النهضة الإسلامية الأولى، وثانيهما التقليد الغربي الحديث الذي تحول إلى مرجعية كاملة، أخذنا ننقل عنها، ومن ثم تحرك الوعي العربي في فلك ثنائية «مستعارة» من الثنائية الغربية الأصلية، ودار الجدل بين تياراته حول ثنائيات من قبيل: المنقول الإسلامي والمعقول الغربي، التراث العربي والحداثة الغربية. ففي تلك القوالب جميعها شكل الفكر الغربي للوعي العربي صورة العقل المعاصرة، فيما شكل التراث الإسلامي مادة الإيمان – الأصالة. وأفضى ذلك إلى تبعية مزدوجة للعقل العربي، إزاء تراث ذاتي متقادم، وتراث آخر معاصر، ومن ثم إلى تعقيد عملية التجديد والتحديث.

كانت ثنائية «الأصالة – المعاصرة»، التي خلبت لب كثيرين بينهم كاتب هذه السطور صبياً، برشاقتها اللفظية وجاذبيتها اللغوية، هي القالب الذي صاغه الفيلسوف الراحل زكي نجيب محمود لمشروعه التوفيقي. غير أن ربع قرن مر على رحيل الرجل كشف عن حاجتنا إلى إعادة صياغته على نحو يكسبه الحيوية، ويخرج به من أسر البنية التوفيقية الراكدة، حيث يتعارك دوماً طرفان متناقضان في ثنائية حادة، إلى فلك النزعة النقدية حيث تتجادل الأفكار مع الوقائع، والمفاهيم مع الظواهر بشكل مباشر. ومن ثم يمكننا ليس فقط تجاوز الموقف السلفي الرافض للحداثة، بل أيضاً الموقف التوفيقي الداعي إلى الجمع بين الأصالة والحداثة، كونه اتخذ شكلاً نمطياً وصار قالباً جامداً، فرض نفسه على الفكر العربي لقرن ونصف قرن من دون أن ينتج شيئاً ذا بال، على رغم ما استهلكه من مشروعات فكرية قيمة، وانطوى عليه من اجتهادات بحثية معتبرة.

حدث ذلك لأن النزعة التوفيقية قد انحرفت عند الممارسة العملية إلى صياغة «تلفيقية» في معظم المجتمعات العربية، خصوصاً في النصف الثاني للقرن العشرين. ويرجع هذا الانحراف بلا شك إلى دوافع عدة: عملية وتاريخية، وبالذات سياسية، حيث وجدت دوماً فجوة واسعة بين طبيعة السلطة العربية التقليدية حتى النخاع على رغم الشكل الحداثي الصوري الذي استعارت معالمه، أو الخطاب الإيديولوجي الذي أطلقته، وبين الأهداف التحديثية التي كانت ترجوها لمجتمعاتها، وهي الفجوة التي قادت دائماً إلى المراوغة بين الوسائل والأهداف وبين الأبنية ووظائفها العملية، وبين المؤسسات وأدوارها الحقيقية. فهناك البرمان لكنه لا يشرع، والمركز البحثي الذي لا ينتج علماً الخ... غير أنه، في جانب كبير منه، يرجع إلى الصياغة الإشكالية للقوالب الفكرية التي تمت من خلالها مقاربة قضية الحداثة: فنظرة مدققة إلى صيغة «الأصالة - المعاصرة»، على رغم تفوقها على ما سبقها من صيغ وقوالب، تكشف أنها وضعت الذات العربية في علاقة سلبية بالزمن جعلت اختياراتنا الفكرية الشاملة أسيرة تناقض تاريخي مستمر بين الماضي والحاضر، حيث تم تفسير مفهوم «الأصالة» في الاتجاه السلبي الذي يحدده بالزمن حيث لحظة التشكيل الأولى بكل قوالبها وأشكالها هي «مستودع» الأصالة الكاملة لدى الذات العربية، وبالأحرى لدى التيار السلفي الذي نظر إلى هذه اللحظة وكأنها «فوق تاريخيه»، فقام بتثبيت هويته عندها رافضاً كل ما بعدها.

ومن ثم ساهمت تلك الصياغة في تعميق الشعور العربي بالاغتراب إذ وضعت الواقع العربي إزاء نسقين فكريين متمايزين عنه: الأول منهما ينتمي للزمان حيث «ماضي الذات»، والآخر ينتمي إلى المكان حيث الآخر الغربي، الأمر الذي أضفى صعوبة كبيرة على مسعى التوفيق الذي لم يعد فقط بين وجودين إنسانيين حقيقيين ومختلفين (الذات العربية، والذات الغربية)، يدخلان في صراع ينجز المركّب الأرقى «التوفيقي»، بل بين وجود حقيقي واحد هو الذات العربية المعاصرة، ووجودين صوريين غريبين عنه مكاناً وزماناً، ومن ثم انتهى الأمر إلى الوقوع في أسر التلفيق.

وفي المقابل غاب التفسير الإيجابي لمفهوم الأصالة الذي يربطه بـ «الكينونة» وينطلق به في اتجاه ثوابتها، حيث معيار تحقق الأصالة هو مدى استلهام العناصر الجوهرية في تشكيل الهوية: كاللغة والتاريخ والدين والتجربة المشتركة وغير ذلك، مما لا غنى عنه لنبقى عرباً، وليس الرجوع إلى الأشكال المصاحبة لبداية تشكيل تلك الهوية، بحيث تتحول الأصالة عن الارتباط بالماضي نحو الارتباط بالجوهر، وهنا نصبح أمام «ذاتنا» التي تعكس تكويننا وليس «ماضينا»، ويتم الخلاص من ذلك البعد الشكلي الزائف في هويتنا، والذي يحيلها كياناً مصمَتاً جامداً، محدداً بشكل نهائي منذ بداية الزمن وحتى آخره.

وهنا نقترح جدلية «الخصوصية - الكونية» قالباً جديداً لمقاربة قضية الحداثة، بديلاً لثنائية «الأصالة - المعاصرة» مستفيدين من السجال الفكري حول العولمة، الممتد في ربع القرن نفسه الذي تلا رحيل الرائد الكبير زكي نجيب محمود، بحيث تصبح «خصوصيتنا» بديلاً لـ «أصالتنا» هي التعبير عن المكونات الأساسية للذات العربية، كما تصبح «الكونية» بديلاً عن «المعاصرة» في توصيف بنية العالم خارجها. هذه الصياغة الجدلية تمثل آلية ذهنية وليس فقط لغوية لتسهيل التفاعل بين القيم الجوهرية الكامنة في شتى الأزمان والتجارب، لأنها في بحثها عن الذات إنما تفصل بين الشكل والمضمون، أي بين الطقوس والقيم، وبين الثوابت والمتغيرات ثم تقوم بعزل القوالب: الأشكال والطقوس والمتغيرات لأنها تاريخية تعكس لحظة التشكيل وتبقي على الجواهر: المضمون، والقيم، والثوابت، لأنها تكوينية تصوغ خصوصيتنا الدائمة وتحميها من التعارض الظاهري مع الزمن، أو التناقض الزائف مع العصر.

* كاتب مصري

الأكثر قراءة في الرأي