تونس والاستقرار الديموقراطي

رضوان زيادة |

عدت من زيارة قصيرة إلى تونس التي أحافظ على زيارتها كل عام تقريباً كي أبقى قريباً من أجواء النقاشات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية في أول ديموقراطية عربية ناشئة بعد الربيع العربي، وفي الحقيقة هي «ما تبقى لنا» كديموقراطيين عرب، بعد أن عادت الحكومات العسكرية أو اشتعلت الحروب الأهلية في بقية بلدان الربيع العربي، فتونس هي النموذج الوحيد الناجح للانتقال الديموقراطي في المنطقة العربية، بالتالي علينا دوماً دعمها والاهتمام بمصيرها السياسي والاقتصادي وبمآل ثورتها التي أشعلت الربيع العربي.


بكل تأكيد، لعبت عوامل عدة في نجاح التجربة التونسية في التجربة الديموقراطية بينما فشلت تجارب البلدان العربية الأخرى، وفي رأيي أن نجاحها يعتمد اليوم في شكل كبير على قدرتها على إقناع الشعب التونسي بأن الثورة التي صنعها وكلفته الشهداء والأرواح قادرة على تحقيق آماله وطموحاته، بخاصة في ما يتعلق باستقرار النظام السياسي وخلق فرص اقتصادية قادرة على إشعار التونسيين بالأمل، وأن الدبكتاتورية التي عاشتها تونس منذ سنوات بورقيبة بعد الاستقلال وحتى سنوات زين العابدين بن علي لم تكن كفيلة بتحقيق التونسيين آمالهم في حياة مستقرة وطموح.

لذلك، فاستقرار الديموقراطية في تونس اليوم يتطلب نمواً اقتصادياً، وارتفاعاً في مستوى دخل الفرد، كما يتطلب شعوراً من كل المواطنين بأن النظامين السياسي والاقتصادي بدآ يعملان لمصلحتهم وليس ضد مصالحهم، وهذا في رأيي مستوى الخطر في التجربة التونسية اليوم، فالتدهور الاقتصادي وتردي مستوى البنية التحتية وقد لمسه التونسيون بعد الفيضانات الأخيرة في ولاية نابل وأدت إلى عدد من الوفيات، وانعدام الأمل بتحسن المستوى الاقتصادي أو ارتفاع مستوى المعيشة في المستقبل القريب... كل هذه العوامل تفقد التونسيين ثقتهم في الديموقراطية وتشعرهم بأنهم انتقلوا من مستبد «سارق» واحد إلى عدد من «السراق» كما يطلق التونسيون على النخبة السياسية اليوم، وعليه فإن عدم شعور التونسيين بأن النظام الاقتصادي انتقل بمستوى حرية التعبير ذاته، فإنهم يفضلون ذهاب الأخيرة على حساب ارتفاع مستوى حياتهم المعيشي والاقتصادي.

عليه، فمن يحمي الديموقراطية في النهاية هو المواطنون الذين يجدون في بقائها واستمرارها مصلحة حقيقية لهم أما إذا ما تحولت الديموقراطية إلى مجرد صراخ بين القوى السياسية المتناحرة في ما بينها فإن ذلك يقود إلى انحلال النظام السياسي رويداً رويداً كما جرى مع الديموقراطيات العربية في المشرق العربي، بخاصة في سورية بعد الاستقلال وجعل السوريين يرحبون بأول انقلاب عسكري في الوطن العربي، انقلاب حسني الزعيم عام 1949.

إلى الآن، لم تصل تونس إلى هذه النقطة فسنوات الألم والتعذيب والحط من الكرامة خلال سنوات بن علي ما زالت غضة وطرية ويتذكرها الجيل الشاب قبل الكبير منهم، لكن من أجل تعزيز الديموقراطية وتوطيدها لا بد أن تستكمل في نجاحاتها الاقتصادية، وكي تحقق ذلك لا بد أن تحظى تونس بدرجة من الاستقرار السياسي الضروري لتشجيع الاستثمارات الأجنبية وللحصول على المزيد من عائدات السياحة التي في ما يبدو هي المورد الوحيد مع الفوسفات للعملة الأجنبية إلى الحكومة التونسية.

وفي الوقت ذاته، فإنها تحتاج إلى إعادة هيكلة اقتصادها، إذ لا يمكن أن تبقى الدولة هي محرك النمو والتشغيل، فكتلة الرواتب والأجور تمثل 42 في المئة من موازنة الحكومة، كما أن القروض التي حصلت عليها من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي صرفت على الأجور وليس على استثمارات بعيدة المدى تخلق فرصاً جديدة للتونسيين، وهكذا دخلت تونس في حلقة دائرية لا خروج منها، تستدين من أجل دفع أجور موظفي الدولة، ثم تستدين أكثر لتسديد فوائد القروض السابقة. على الحكومة التونسية أن تفكر جدياً كيف يمكنها أن تكسر هذه الدائرة المفرغة عبر زيادة الإنتاجية أو كما كان بورقيبة يقول بالعمل أو المزيد من العمل، فقد كان يردد دوماً أن النمو إنما يتحقق عبر حض التونسيين على العمل، وهذا بالطبع يقتضي أن تتخلى الدولة عن الكثير من القطاعات والمعامل الخاسرة التي أشار التقرير الاقتصادي للحكومة إلى أنها تحمل الدولة التونسية أكثر من 2 بليون دولار، بالتالي لا يمكن اقتصادياً أن تستمر الدولة في دعم هذه القطاعات الخاسرة وغير المنتجة، حيث لا تمتلك تونس موارد طبيعية كجارتيها ليبيا والجزائر وربما هذا ما سبب نجاح ثورتها في التحول الديموقراطي، لكن النجاح السياسي إن لم يرافقه نجاح اقتصادي سرعان ما يبدد كل النجاحات السياسية ويبقى السؤال مجرد وقت متى سيكون الانقلاب الدائم، أو الانهيار الكبير لمؤسسات الدولة؟

ليس الوضع الاقتصادي لتونس اليوم بهذا السوء، لكنه بكل تأكيد في مرحلة حرجة يتطلب وعياً خاصاً للنخب التونسية له وهو ما وجدت أنه غائب نوعاً ما عن تفكير النخب التونسية التي تستنزفها الدورات الانتخابية، وتشكيل الائتلافات الحكومية والصراعات الحزبية التي لا تنتهي، لكن لا بد لكل الأحزاب أن تضع رؤيتها الاقتصادية اليوم كأولوية لها، يجب أن نتعلم دوماً أن لكل دولة جناحين وأن أي دولة لا يمكنها أن تطير فقط بالجناح السياسي، بل لا بد لها من جناح اقتصادي هو الذي يلعب اليوم الدور الرئيس في تقييم الديموقراطيات الغربية في أوروبا أو أميركا الشمالية واللاتينية.

* كاتب سوري

الأكثر قراءة في الرأي