ربع قرن على أحداث غيّرت وجه روسيا

«البيت الأبيض» في موسكو وآثار القصف قبل 25 سنة (ويكيميديا)
موسكو - سامر إلياس |

وسط حال من الانقسام المجتمعي العميق، كان قرار الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين حاسماً بضرورة ضرب مجلس السوفيات الأعلى (البرلمان الروسي حينها)، بعد اعتصام للنواب دام أسبوعين احتجاجاً على مرسوم أصدره يلتسين ويقضي بحلّ المجلس وإجراء انتخابات مبكرة. وفي حين استطاعت قذائف الدبابات حسم الموقف وإنهاء معارضيه في غضون ساعات، إلا أن روسيا عادت إلى دوامة التسلُّط برئيس يقود نظاماً يجمع بين إجلال القياصرة، وقسوة القادة السوفيات، ولعل الأهم أنها هزت ثقة الناس بالسلطة الحاكمة.


وكانت روسيا، بعد خروجها من عباءة الاتحاد السوفياتي، شهدت في سنتها الأولى خلافات مستمرة مع مجلس السوفيات الأعلى، ما لبثت أن تصاعدت في أيلول (سبتمبر) 1993، قبل أن يُقرر يلتسين حل البرلمان في المرسوم 1400، الأمر الذي قابلته قرارات مضادة بعد قرار المحكمة العليا عدم دستورية المرسوم، وقرر النواب عزله وتعيين نائبه ألكسندر روتسكوي رئيساً للبلاد.

ومع فشل كل المساعي لإنهاء الخلاف، ومع تصاعد الاستقطاب بتظاهرات تؤيد هذا الطرف أو ذاك، قرر يلتسين فرض حال الطوارئ، وحاصر البرلمان. وفي سابقة، وجهت الدبابات قذائفها صوب «البيت الأبيض» (مقر مجلس السوفيات الأعلى) وسط موسكو في الرابع من تشرين الأول (أكتوبر) 1993. وما هي إلا ساعات حتى استسلم معارضو يلتسين، وخرجوا من المبنى الذي اصطبغت طبقات عدة منه بالسواد.

ووفق مؤيدي يلتسين، فإن قصف البرلمان وفض اعتصام النواب، رغم عدم دستوريته، أبعدا شبح الحرب الأهلية عن البلاد، وأنهى ازدواجية الحكم التي كانت قائمة، بحكم الصلاحيات الواسعة لمجلس السوفيات الأعلى الذي لم يمثل حينها برلماناً بحكم الصلاحيات التي استمدها من تجربة الاتحاد السوفياتي.

لكن المعارضين ينطلقون من أن ضرب البرلمان والخطوات المقبلة تسببت في وقوع ملايين الروس فريسة للجوع والفقر والمرض، مع استمرار حكم الإصلاحيين الليبراليين الذين دمروا الاقتصاد الروسي، وجعلوا مقدرات البلاد الهائلة في جيوب حفنة من «الأوليغارشيين» (الطغمة المالية).

في المقابل، فإن أحداث «أكتوبر الأسود»، كما يصفها كثر من معاصريها، جاءت نتيجة طبيعية لأخطاء السلطات المتراكمة، منذ مؤتمر الحزب الشيوعي السوفياتي صيف 1988، إلى انتخاب يلتسين رئيساً لجمهورية روسيا السوفياتية العام 1990، وما رافقها من ازدواجية في الحكم مع وجود سلطتين في البلاد، ولاحقاً الانقلاب الفاشل في آب (أغسطس) 1991، والذي أنهى عملياً صلاحيات آخر رئيس للاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف. وفي حين فضّل الأخير الاستقالة لينهي ازدواجية الحكم، فإنها ظلت مهيمنة على الواقع السياسي إلى حين ضرب البرلمان، وتعود أساساً إلى عدم تنظيم انتخابات برلمانية بسبب الواقع الجديد، ومواصلة عمل مجلس السوفيات الأعلى وفق تركيبته القديمة التي تضم غالبية من المعارضين ليلتسين. وتلقى المعارضون دعماً شعبياً واسعاً بسبب فشل الإصلاحات الاقتصادية، وارتفاع نسبة الجريمة، وتراجع الخدمات الصحية والاجتماعية وغيرها من المشكلات التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي.

وعلى رغم أن «دستور يلتسين» الذي أُقر نتيجة استفتاء نهاية 1993، وضع أساساً مهماً للحقوق وفتح مجالاً واسعاً للحريات الشخصية، فإن تحكُّم «الأوليغارشيين» بالحكم وفشل السياسات الاقتصادية، أديا إلى تراجع قيمة هذه القيم، مع التدهور الاقتصادي والمعيشي في البلاد. في المقابل، فإن الدستور أنهى أي آمال ببناء مؤسسات حكم قوية تزيد قوة الرئيس في الأنظمة الديموقراطية، وبدلاً من ذلك، منح الدستور الرئيس سلطات واسعة تَصعب معها محاسبته أو مساءلته. وفي حين لم يستفد يلتسين من ثغرة في الدستور تمنع الرئيس من الحكم لأكثر من مرتين متتاليتين، مع عدم تحديد الوضع القانوني في حال الانقطاع عن الحكم، استفاد الرئيس الحالي فلاديمير بوتين من هذه الفقرة، وعاد العام 2012 لفترتين رئاسيتين جديتين.

ولم تقتصر استفادة بوتين من تحايل حقبة يلتسين على مواد الدستور، بل تعدته إلى ضرورة بناء حزب قوي مؤيد في البرلمان مع معارضة «مدجنة» ضعيفة، وتمتين أركان الحكم في شكل يسمح للرئيس بالتحكم في كل القرارات المصيرية.