فخر الدين وكتابه «الإعانة على دفع الإغانة»

(الحياة)
محمد حلمي عبد الوهاب |

يعد فخر الدين الفارسي (529-622هـ) من كبار الشخصيات المجهولة تماماً في تاريخ التصوف الإسلامي؛ على رغم مكانته وأهميته العلمية والتاريخية في آن معاً! أما أهميته العلمية؛ فمردها إلى طبيعة أعماله الفكرية التي بقيت مجهولة حتى اللحظة، والتي تحمل في طياتها جهداً معرفياً وتأصيلياً كبيراً؛ بخاصة في ما يتعلق بنظرية «الولاية» ومسألة «المحبة». هذا بالطبع إلى جانب اهتماماته الكلامية والفلسفية. وأما أهميته التاريخية؛ فمردها إلى مجموعة من العوامل المهمة بنظرنا، والتي شكلت حياته وأثرت- سلباً أو إيجاباً- في مصائر مشروعه الفكري ومآلاته، ويأتي في مقدمها: أنه عاش مدة طويلة من الزمان توشك أن تبلغ قرناً كاملاً [ثلاثة وتسعون عاماً تحديداً] في حقبة تاريخية تكتسب أهمية كبيرة في تاريخ الإسلام السياسي والاجتماعي والديني.


أضف إلى ذلك أيضاً، أنه كان بمثابة المستشار أو المرشد الروحي للملك الكامل الأيوبي (576- 635هـ)، الذي حكم مصر قرابة أربعين عاماً؛ كان في النصف الأول منها نائباً عن والده الملك العادل، ثم استقل بها بعد وفاة أبيه سنة 615هـ حتى وفاته سنة 635هـ، ومن المأثور عن الملك الكامل أنه كان يحب العلم وأهله ويؤثر مجالستهم. وطبقاً لكل من: ديني جريل، وصامويلا باجاني؛ فإن لويس ماسينيون (1883- 1962م) هو أول كاتب معاصر اهتم بشخصية الفخر الفارسي؛ وذلك بترجيحه إمكان لقائه بالقديس فرانسوا داسيس الأسيزي (1182- 1226م)، مؤسس حركة الرهبان الفرنسيسكان، في دمياط أثناء الحملة الصليبية الخامسة بحضور الملك الكامل. على أن سان بونافنتور (1221- 1274م)، الذي عاش بعد وفاة سان فرانسوا داسيس بقليل وتولى أمور الطائفة من بعده، هو أول من ذكر فعلياً هذه القصة، ولا يزال كثير من المؤرخين ينكرون وقوع المقابلة أصلاً بين كل من: الملك الكامل والقديس فرانسوا الأسيزي، بحضور الفخر الفارسي.

أما عن صلتي بالفخر الفارسي؛ فتعود إلى عام 2010 حيث تعرفت إلى شخصيته للمرة الأولى إبان مؤتمر التصوف الإسلامي والمسيحي واليهودي في مصر خلال العصور الوسطى، الذي عقده المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة في الفترة: من 22 إلى 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2010، وألقى فيه العلامة ديني جريل- أستاذ التصوف الإسلامي بجامعة بروفانس/ فرنسا - محاضرة قيمة عن شخصية الفخر الفارسي ومخطوط كتابه: الإعانة على دفع الإغانة. وكانت الأستاذة صامويلا باجاني قد أعدت من قبل دراسة ببليوجرافية عن الفخر الفارسي لنيل دبلوم الدراسات المعمقة من المدرسة التطبيقية للدراسات العليا بفرنسا، وعنّ لها- آنذاك- أن تحقق رسالته المعنونة بـ «جمحة النهى من لمحة المها»، بيد أن أستاذها لم يبد اهتماماً بهذه المسألة، فبقي تحقيقها طي النسيان إلى أن فتح المؤتمر نافذة جديدة لاهتمام مشترك بشخصية الفخر الفارسي، وبتشجيع معنوي من الأستاذ ديني جريل.

لاحقاً، تحصلت على نسخة من مخطوط: كتاب الإعانة على دفع الإغانة، ثم توالت- بعد ذلك- أبحاثي المتعلقة بمختلف أعماله، وقد أمدتني السيدة باجاني- مشكورة- ببعض النسخ المخطوطة، إضافة إلى دراستها المشار إليها آنفاً. ومنذ تلك اللحظة، وقد صح العزم مني أن أحقق آثار الرجل وأن أكتب دراسات مفصلة عن حياته وتصوفه؛ إسهاماً مني في إغناء تصوراتنا العلمية عن رجالات ومذاهب التصوف الإسلامي في العصر الأيوبي بصفة خاصة.

أما اسمه؛ فهو: أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أحمد بن طاهر بن محمد بن طاهر بن أبي الفوارس، الفارسي الشيرازي الخبري، المعروف في الديار المصرية بالفيروز آبادي. كان يلقب بمجموعة من الألقاب التي تعكس في جوهرها رفعة شأنه وعلو منزلته وسمو مكانته؛ وفي مقدمها: الشيخ فخر الدين، الإمام، العالم، المحدث، الفقيه، الصوفي، المحقق، الزاهد الكبير، الشيخ الأجل، الرجل الصالح، العارف، الشافعي. ومن المعلوم أن الأيوبيين كانوا يتبعون مذهب الإمام الشافعي، ولذلك عملوا وسعهم لإنعاشه، فأسسوا المدارس الخاصة به، وكانت أول مدرسة سنية تنشأ بمصر هي المدرسة الناصرية، التي أنشأها السلطان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي.

أيضاً لدينا، على الأقل، 6 روايات تاريخية في ما يتعلق بتاريخ ميلاده أولها: أنه ولد سنة 518هـ، بحسب ما يؤكد ابن الملقن في كتابه: طبقات الأولياء. أما الرواية الثانية؛ فتشير إلى ولادته بسنة 520هـ؛ بحسب ما ورد في كتاب: العقد الثمين للفاسي، نقلاً عن ابن المسدي. وهناك ثالثاً رواية ابن قاضي شهبة في كتابه: طبقات الشافعية، والتي تحدد تاريخ مولده بسنة 524هـ. وثمة رابعاً روايات تجمع على أنه ولد سنة 528هـ، وثمة خامساً ما ذكره الذهبي في كتابه: سير أعلام النبلاء من أن ولادته كانت على التقريب «في حدود سنة ثلاثين و5 مئة». وأخيراً هناك الرواية السادسة الراجحة برأينا، والتي تحدد سنة 529هـ تاريخاً لميلاد الفخر الفارسي. والدليل على كون هذا التأريخ هو الأكثر رجحاناً؛ شهادة الفخر نفسه، حيث أخبر تلميذه الحافظ الزكي المنذري بما يلي: «وقال لي، في رمضان سنة أربع عشرة وست مئة، وقد سألته عن مولده: لي اليوم خمس وثمانون سنة؛ تخميناً لا حقّاً ويقيناً». ووفقاً لهذه الرواية؛ يكون تاريخ ميلاد الفخر الفارسي في أوائل سنة 529هـ، أو في أواخر سنة 528هـ على أبعد تقدير. وما يزيد الاحتمال الأول رجحاناً (529هـ)، ما أورده الذهبي في كتابه: تاريخ الإسلام من أن الفخر الفارسي «قدم دمشق سنة ست وستين وخمس مئة، وعمره سبع وثلاثون سنة».

وفي الواقع لا تكاد تسعفنا المعلومات التاريخية المتوفرة لدينا بتفاصيل دقيقة عن حياة الفخر الفارسي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مجمل آثاره الفكرية التي خلفها وراءه. وبخلاف كبار الصوفية المشهورين ممن تتوفر عنهم معلومات كثيرة بشأن حياتهم؛ يبدو وكأن شهرة الفخر الفارسي قد جنت عليه تماماً! وليس أدل على ذلك، من أن ابن ظافر الأزدي يكتفي- في سياق ترجمته له؛ وكان معاصراً له- بالقول: «كان من أكابر المشهورين، تزوره الملوك والأعيان»، في حين يختتم ابن الزيات حديثه عنه بالقول: «وله مناقب مشهورة، وقصته مع الملك الكامل وما اتفق له من أجل الراهب مشهورة»! أما الصفدي؛ فيقول في ترجمته التي لا تتجاوز حدود خمسة أسطر!: «شيخ مشهور عالم بمقالات الصوفية معظّم».

أيضاً لا تمنحنا المصادر التاريخية أية معلومات مفصلة حول أسرته؛ فيما عدا إشارة يتيمة تتعلق بانتماء والده إلى الإطار أو التقليد الصوفي، حيث يظهر اسمه ضمن سلسلة نقل أو سند «الطريقة الصديقية»، كحلقة وسطى ما بين الفخر الفارسي وشيخ الشيوخ أبي الفتح نصر بن خليقة البيضاوي؛ أحد القلائل الذين لعبوا دوراً مهماً في التقليد الصوفي الشيرازي. على أن الأمور تزداد غموضاً وتعقيداً بالنسبة إلى المرحلة الأولى من تكوين الفخر الفارسي؛ خاصة قبل مجيئه إلى مصر في منتصف شعبان سنة 566هـ، قبل شهور قليلة من إلغاء الخلافة الفاطمة نهائياً في شهر المحرم سنة 567هـ، حيث تكاد تنعدم الإشارات المتعلقة بها (من 529 إلى 566هـ؛ بما يعادل 37 سنة)، باستثناء ما ذكره ابن مسدي من تتلمذ الفخر الفارسي على يد كل من: أبي العلاء الحسن بن أحمد بن حسن العطار (488 - 569هـ)؛ أحد أشهر المحدثين بهمذان، وأبي موسى محمد بن عمر بن أحمد المديني (501- 581هـ)، المحدث الأشهر من أبناء جيله بأصبهان، حافظ المشرق في زمانه، والذي كان- على عكس العطار- يحظى بتقدير الأوساط الأصولية؛ لدرجة أن ابن تيمية (661- 728هـ) قام بمدحه، مصرحاً بأنه أفضل من ابن عساكر. وكان ورعاً زاهداً متواضعاً متعففاً عما في أيدي الخلق.

ومن ثم، يمكننا أن نضع وصول الفخر الفارسي إلى مصر ضمن السياق العام لحركة العلماء الأشعريين والشافعيين، ذوي الأصول الفارسية، الذين قدموا إلى مصر برفقة الجيش السوري، بعد تأسيس صلاح الدين الأيوبي- حين كان وزيراً للخليفة العاضد لدين الله (546 – 567هـ)- أول مدرسة شافعية في القاهرة. هذا ما يوضحه تماماً انتماء الفخر الفارسي لوسط أستاذه في الفقه الشافعي نجم الدين الخبوشاني (510 – 587هـ).

وفي الأخير؛ لا تزال آثار الفخر الفارسي مخطوطة، حيث لم يطبع من أعماله شيء! وقد انتهيتُ- أخيراً- من تحقيق كتابه: «الإعانة على دفع الإغانة»، وسوف يُنشر بإذن اللَّه تعالى خلال الشهور القليلة المقبلة، ضمن منشورات «معهد المخطوطات العربية» بالقاهرة. أمَّا آثار الفخر الفارسي، التي ما تزال بحوزتنا ونشتغل عليها منذ ما يزيد على عقد من الزَّمان، على أمل بأن تُنشر تباعاً؛ فهي: كتاب «نسْل الأسرار وسر الإسْكار»، كتاب «بَرْق التُّقى وصُبح النَّقا وشمس اللقا»، كتاب «نتائج القُربة ونفائس الغُربة»؛ وهو شرحٌ للكتاب السَّابق، كتاب «الرِّسالة الفاغية بأرج الفرقة النَّاجية من بين الطَّوائف الطَّاغية» (علم كلام)، كتاب «رجُوم الشَّياطين وتنبيه الغافلين» (علم كلام)، كتاب «سر السَّير أو الإسرار وسر الأذكار»، كتاب «دلالة المُستَنهِج إلى معالم المفارق ورسالة المُستَبهج إلى عوالم الفوارق» (وهو أضخم كتبه على الإطلاق ويقع في جزئين كبيرين)، كتاب «تلقيح القرائح وتنقيح القرادح» (توحيد)، كتاب «جمحة النُّهى في لمحة المها» (علم كلام)، كتاب «الفرق بين الصُّوفي والفقير»، كتاب «مطيّة النَّقل وعطيَّة العقل» (علم كلام)، كتاب «بلغة الفاصل وعُروة الواصل»، كتاب «سَلْوة المُسافر وجلْوة الخاطر»، رسالة «تذكرة مناهج السَّالكين وتبصرة مباهج العارفين».