«حدث في بلاد السعادة» عندما يقف المسرح في المنطقة الرمادية

(الحياة)
القاهرة – يسري حسان |

يضعك عرض «حدث في بلاد السعادة» (على مسرح «السلام» في القاهرة)، الذي كتبه وليد يوسف، وأخرجه مازن الغرباوي، في تلك المنطقة الرمادية، التي لا تستطيع فيها– على مستوى الفكرة التي يطرحها- تحديد موقفك منه سلباً أو إيجاباً. فهو في لحظات يبدو «ثورياً»، وفي أخرى يبدو مسالماً، سائراً إلى جوار الحائط.


اختار المؤلف، وهو صاحب تجارب لافتة في الدراما المصرية، أن يدور نصه في زمان ومكان غير محددين، وإن أشارت الملابس إلى أننا في بلد عربي في حقبة قديمة، لا وقائع أو أحداث تشير إليها تحديداً. وإنما يمكن إسقاطها على راهننا، ما يفقد العرض أي دينامية يجب أن يتحلى بها على مستوى الفكرة، لا على مستوى الصورة التي جاءت مفارقة تماماً. الحكاية أن حاكم إحدى الدول قرر احتلال ما يسمى «بلاد السعادة» طمعاً في خيراتها. يترك الحاكم بلده ويذهب إلى البلاد التي يعاني شعبها الظلم والاضطهاد على يد المحتل، حتى يصبح اسماً على غير مسمى. تحدث اضطرابات في بلاد الحاكم الأصلية، فينصحه مستشاره بالعودة إليها، وترك حكم «بلاد السعادة» لأحد أفراد الشعب «بهلول»، ومعه وزيره الداهية. وما إن تولّى «بهلول»، الذي كان يعمل حطّاباً، الحكم حتى أخذ ينزل إلى الناس في الشوارع والأسواق يسألهم عن أحوالهم ومطالبهم، فتأتي الإجابة– على رغم المعاناة- أن الأحوال على ما يرام. لا أحد يريد أن يعرض شكواه، أو ربما يخشى عرضها خوفاً من بطش الحاكم. أما الشعب نفسه فيمثله تجار جشعون، وشحاذون محترفون يفضلون التسول على العمل، ومقامرون ونصابون وحواة. وعندما يزور بهلول السجن يلتقي شاعراً وحكيماً يرفضان مغادرة السجن. لكنهما وجّها له بعض النصائح ليستقيم له الحكم، ومن بينها التخلي عن الطيبة، وضرورة أن يكون قوياً حتى يحترمه الناس، لأن الشعب لا يستجيب سوى للحاكم القوي. يضع بهلول بعض القوانين لتنظيم البلاد، كتحديد الأسعار وإغلاق الحانات ومنع التسول، لكنّ الوزير الداهية يحرّض الشعب حتى يثور على الحاكم فيضطر إلى التنازل عن الحكم.

يقول المؤلف في مطوية العرض «في البدء كان الشعب»، وهى جملة تراوح- من خلال أحداث العرض- بين تقدير الشعب وبين إدانته، فالشخصيات في أغلبها شائهة، ما بين تاجر جشع، وكسول، ومقامر، وسكير، فهل قصد أن شعباً بهذه الكيفية لا يستحق أن يعيش حياة كريمة، وبالتالي فإن البداية لا بد أن تأتي من إصلاحه لنفسه؟ حتى ممثل الشعب الذي أصبح حاكماً، اختار له المؤلف اسم «بهلول» والإسم في المخيلة الشعبية يعني شخصاً لا يستطيع حتى أن يحكم نفسه ويقيها ذلَّ السؤال.

ثمة التباسات كثيرة في النص، ولا ندري هل قصد المؤلف إليها تجنباً للدخول في مشكلات رقابية، أم أنها وجهة نظره التي تدين الشعب. وحتى فكرة «الشعوب تستحق حكامها»، لم تتحقق في العرض، لأن الشعب ظل على حاله سواء تحت حكم المحتل المستبد، أو تحت حكم ابن البلد الطيب الساعي إلى الإصلاح.

أما على مستوى العرض نفسه فثمة اجتهادات واضحة لصناعة صورة مسرحية «تخطف المشاهد»، وفق المخرج، ومعه مصمم الديكور حازم شبل، ومصممة الأزياء مروة عودة، ومصممة الحركة كريمة بدير، ومصمم الإضاءة مصطفى التهامي، عبر صورة مبهجة، عوّضت كثيراً ضعفَ الدراما، أو صرفت المشاهد– ولو قليلاً- عن مشكلاتها.

كما وفق المخرج في اختيار فريق التمثيل الذي ضمّ عناصر من مصر والعراق ولبنان وليبيا. أدى مدحت إسماعيل دور بهلول/ الحاكم بنعومة بالغة، إذ راوَحَ بين التركيبتين، الحاكم والبهلول، وقدمهما بطريقته: لم يكن بهلولاً، وكذلك لم يكن حاكماً، بالمعنى المتعارف عليه. كان واعياً بطبيعة الشخصية التي أتوا بها من الدار إلى النار من دون سابق معرفة أو تجهيز. وأدى علاء قوقة شخصية الوزير الداهية برسوخ واتقان مَن يمارس ذلك في حياته الشخصية، وكان طبيعياً ورصيناً لم ينزلق إلى الإغراءات التي تقدمها مثل تلك الشخصية الشريرة، من إيماءات، وصوت أجش واستخدام الجسد على نحو يبرز قوته ومكرِه. لم ينزلق إلى ذلك كله، وحاول أن يشق مجرى يخصه في أداء شخصيته. وأدى سيد الرومي شخصية الحاكم المحتل بخفة دم متناهية، وكذلك أدى أسامة فوزي دور السقّا بحرفية وخبرة ممثل مسرحي راسخ. أدت فاطمة محمد علي دور الراوية، وكذلك دور زوجة بهلول، وكانت مقنعة سواء كسيدة شعبية مطحونة أو كزوجة طمّاعة وساعية إلى الأبّهة بعد أن أصبح زوجها حاكماً، أو كراوية تقدم الحكاية من خلال الغناء الذي شاركها فيه وائل الفشني، وهو صوت يتمتع بقدرات هائلة.

ربما لم تكن مساحات الأدوار الأخرى واسعة بالقدر الذي يسمح لأصحابها باستعراض إمكاناتهم، ومنهم الممثلة الليبية خدوجة صبري فى دور صاحبة الحانة، ومحمد حسني بائع الغلال، ومحمد الخيام مستشار الحاكم، ونسرين أبي سعد بائعة القدور، وعبدالعزيز الدسوقي الشحاذ، وميدو بلبل بائع الحيل، وحسن العدل (الحكيم) وحسن خالد (الشاعر). أكثر من ثلاثين ممثلاً استطاع المخرج قيادتهم والسيطرة عليهم في شكل أبرز إمكاناته كمخرج، لم ينقصه هنا سوى أنه كان ينبغي أن يجيد اختيار النصوص التي يعمل عليها، أو على الأقل يتدخل في إعاة صياغتها، لأنها في النهاية تصبح رؤيته هو ما دام تبنّاها وقدّمها على هذا النحو.